الرباط ـ”القدس العربي”:على ارتفاع 1160 مترا، يعيش حوالي مئة ألف نسمة، عند سفح الأطلس، بباب الصحراء، وفي الوادي حيث يلتقي نهرا درعة ودادس، على مفترق طرق من الطرق الصحراوية. يعيش السكان في مدينة تسمى ورزازات، وهي عاصمة محافظة درعة تافيلالت.
وتذهب بعض المصادر إلى القول: في الأصل، كان يطلق على مدينة ورزازات اسم “تمغززت”. وبعد اختيار موقعها ليكون مقرا إداريا للإقليم، تغير هذ الاسم إلى ورزازات الذي يستمد أصله من اندماج كلمتين أمازيغيتين هما “وار” وتعني بالأمازيغية من دون، وكلمة “زازات” تعني الضجيج، بمعنى بدون ضجيج.

يُطلق عليها “باب الصحراء المغربية” حيث إنها آخر مدينة متاخمة للصحراء، وتنعت أيضا بـ”هوليوود افريقيا” لكونها تضمّ أحد أكبر استوديوهات الأفلام في العالم، والتي شكّلت موقعا لتصوير الأفلام الشهيرة كـ”المصارع” و”لورنس العرب”.
في الوادي حيث يلتقي نهرا درعة ودادس، تقع ورزازات، وهي مدينة سحرية تقع في جنوب المغرب، بعيداً عن حشود المدن السياحية الأخرى كمراكش على سبيل المثال.
في السابق، كانت نقطة التوقف للقوافل القادمة الصحراء والمتجهة إلى مراكش والمدن الإمبراطورية الأخرى في شمال الأطلس، والتي ساهمت في تنميتها وإثراء ثقافتها التقليدية، والتي تجمع فسيفساءً من الأمازيغ والعرب والبدو.
وسط المدينة
قلب ورزازات، وسط المدينة، هو نقطة انطلاق ممتازة للتعمق في جوهر المدينة والتدقيق في كل ما تجمعه من مفاتن، بدء ميدان الموحدين، وهو عبارة عن مساحة كبيرة، يمكنك منها استنشاق جو محلي أصيل للغاية، ويمكن لعيونك أن تغازل المحلات التقليدية التي تزينه، والمتراصة في الهواء الطلق، قرب المقاهي والمطاعم، حيث يمكنك الاستفادة من تذوق كعك “الحرشة” المغربي، أو الأطباق الأخرى مثل طاجين بالحم أو الدجاج.
وعلى الرغم من أن المكان الأكثر أهمية هو السوق المركزي، حيث يمكن شراء المنتجات الأصلية، إلا أنه يمكنك من الخوض في الثقافة المحلية.
وعندما يفتح السوق أبوابه، تكون زيارته تجربة بسبب اختلاط الألوان والروائح التي تهيمن عليه، ففي أكشاكه يمكنك شراء جميع المنتجات الغريبة التي لا يمكن تصورها؛ التوابل والتمر وزيت الأرغان وماء الورد وحتى الأقمشة المغربية النموذجية.
ويجد محبو الفخار التقليدي ضالتهم هناك: أطباق، أوعية، أو شمعدانات… مكونة من طين فريد من نوعه في المغرب، وهو مستقدم من قرية “تامجروت” التي تقع على بعد بضع ساعات من ورزازات. تستخدم في تلك المنتجات الطينية سبيكة المنغنيز وأكسيد النحاس، مما يمنحها ألوانا جميلة.
قصبات تاوريرت وآيت بن حدو
في الضواحي المجاورة للمدينة، تحتل القصبات مركز الصدارة، وهي عبارة عن دور محصنة ومباني خشبية،
“القصبة” هي ما يعادل القلاع في العصور الوسطى الأوروبية، وهي منزل محصن يعيش فيه المسؤول المحلي (الباشا) وعائلته، وتقدم فكرة عن فخامة تلك الشخصية.
ترشح بالنموذجية للهندسة المعمارية المغربية التي تفتقت عنها عبقرية السكان المحليين، للوقاية من العواصف الرملية ومن البرد، وهناك تقف شامخةً البناية التي أكسبت المنطقة الاعتراف كموقع للتراث العالمي من طرف منظمة “اليونسكو”.
إنها محصنة، ذات جوهر أمازيغي، تتكون من مبانٍ من الطوب اللبن (مزيج من التربة والقش المجفف في الشمس) مما يمنحها لونًا محمرًا مميزًا، تتخللها ثلاثة أبراج جميلة. ومما يثير الإعجاب أيضا جدران الجص المزخرفة أو نظام التهوية العبقري “لتبريد” المنزل: فتحات بسيطة تسمح للهواء النقي باختراق وطرد الهواء الساخن… إنه نظام فعال وبيئي.
تم بناء القصبة في القرن السابع عشر من قبل قبيلة لكلاوي، كنقطة توقف لطريق الذهب الذي ينطلق من مراكش إلى تومبوكتو.
حوالي 30 كيلومترا، وقبل الوصول إلى ورزازات، تكمن هناك قصبة أخرى مهمة للغاية، وهي قصبة آيت بن حدو. وقد تم بناؤها في القرن السابع عشر، ولا زالت تقف على قمة تل يعلو وادي أونيلا، تُطل عليه وعلى مناظر من الأطلس الخلاب، والمناظر الصحراوية التي تسيطر على المنطقة.
وأدت حالة الحفظ الجيدة التي تظهرها القصبة، بالإضافة إلى أهميتها التاريخية، حيث كانت مكانًا لتغذية الطريق التجاري بين السودان ومراكش، إلى الاعتراف بها كموقع تراث عالمي.
لقد جعلوها أيضًا جذابة للغاية لعالم الفن السابع، وفي الواقع، هي بمثابة مكان الإعداد لتصوير كلاسيكيات مثل “جوهرة النيل” أو “المصارع” أو “لورنس العرب”.
قصرها عبارة عن مزيج من المباني المحمية بجدران عالية للغاية، وهو واحد من أروع المباني، ويشكل معيارًا ممتازًا للعمارة المغربية القديمة.
موقع آخر جدير بالزيارة هو قصبة أمريديل، قلعة بُنيت في القرن السّابع عشر، وتعد أحد الأمكنة الشّهيرة في ورزازات، حيث تمّ تصوير العديد من الأفلام الشّهيرة فيها، هي الأخرى. وقد ظهرت لفترة طويلة على أوراق مالية بقيمة 50 درهمًا. وتقع على الضفة اليمنى لأحد الوديان، في بستان نخيل مدرج من قبل اليونسكو. القصبة أعجوبة من العمارة الأمازيغية، وبنيت وفق مخطط مربع حول فناء مركزي على أربعة مستويات، محاط بجدران عالية تعلوها أربعة أبراج. ظل هذا المنزل الكبير مأهولا حتى عام 1962.
استوديوهات سينمائية عالمية
أصبحت ورزازات عنوانًا مرجعيًا لعالم السينما، بل “العاصمة السينمائية المغربية” ولذلك، ليس من المستغرب أن توجد واحدة من أكبر وأشهر استوديوهات الأفلام في العالم.
وجرى تطوير استوديوهات الأفلام في ورزازات منذ ستينيات القرن الماضي، حيث حضر المخرجون الأوائل من هوليوود للاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة والشمس التي تسمح بالعمل على مدار السنة، بالإضافة إلى موهبة الحرفيين المغاربة الذين يصنعون أشياء مبهرة.
شكّل فيلم “لورنس العرب” الذي تم تصوير مشاهد عديدة منه في المنطقة المحرك لنشاط لا يتوقف أبدًا، عبر جذب المخرجين ونجوم السينما إلى استوديوهات ورزازات، ويمكن زيارة بعضها، كما هو الحال بالنسبة لاستوديوهات أطلس التي تم إنشاؤها في عام 1983، وحققت العديد من النجاحات للأفلام السينمائية العالمية.
تقود الجولات المصحوبة بمرشدين السائح إلى مجموعة من المشاهد والأزياء والديكورات وإسطبلات الخيول والمناظر الطبيعية الصحراوية المتنوعة.
وعلاوة على الاستوديوهات الضخمة، تحتوي ورزازات على متحف للسينما، مقابل قصبة تاوريرت. قبل أن تصبح مكانًا لذاكرة تاريخ الفن السابع في المغرب، كانت هذه الأماكن تحتوي على استوديو إيطالي حيث تم تصوير العديد من الأفلام في الخمسينيات والستينيات.
سياحة وثقافة وتراث
ورزازات هي اليوم مدينة ذات تطور سياحي كبير ووجهة للرحلات المتجه أهلها إلى الصحراء، ولديها فنادق كبيرة، فيها ملاعب غولف، ومضمار ركوب الخيل، وقاعة مؤتمرات، وتعاونية حرفية، ومطار.
إنها عاصمة الصحراء والمنطقة الجنوبية من الأطلس الكبير، حيث متحف مفتوح من التقاليد والحرف والفنون الشعبية.
وتشتهر المنطقة بموسيقاها ورقصاتها الفولكلورية، حيث يرقص النساء والرجال في الأزياء الملونة على الدفوف والأهازيج.
وتعد مضايق دادس فضاء مثاليًا للذين يرغبون في المشي لمسافات طويلة. كما أن واحة فينت ستستهوي من يريد التقاط صورة ذاتية مثالية عند غروب الشمس. من الممكن أيضا الانطلاق لاستكشاف المناطق القاحلة في ورزازات بالدراجة الرباعية أو على متن الجمال، وهناك يمكن للمرء أن يتخيل نفسه أشبه ما يكون بشخصية لورانس العرب الذي ولدت أسطورته على الشاشة الكبيرة انطلاقا من ذلك الفضاء.
ويمكن أيضا الاستفادة من السياحة الثقافية التي تشهدها مدينة ورزازات، ومن بينها المهرجانات الفنية التراثية، كمهرجان فنون “أحواش” الذي تنظمه وزارة الثقافة والشباب والرياضة، من منطلق الإيمان بضرورة العناية بهذا التراث الثقافي اللامادي وصيانته والحفاظ عليه من الضياع، وتقريبه للجمهور عامة، وللشباب والأطفال بشكل خاص، وتشجيع الفرق الفنية التراثية والجمعيات المهتمة بهذا الموروث والاعتناء بأعلام فنون أحواش باعتبارهم كنوزا بشرية حية.
ويشكل مهرجان فنون أحواش محطة سنوية وملتقى للفرق التراثية وفسحة فنية للارتقاء بالذوق الفني بمختلف تجلياته، إذ يشهد مشاركة العديد من الفرق الفنية التي تحيي سهرات وأمسيات فنية طيلة أيام المهرجان في ساحة قصبة تاوريرت بمدينة ورزازات. كما يشهد مشاركة فرق شبابية وفرق الأطفال ربطا للحاضر بالماضي. وموازاة مع حفلات المهرجان تنظم ندوات فكرية ولقاءات لتكريم بعض رواد وأعلام فنون أحواش وتنظيم كرنفالات ومعارض وورش فنية.
تاريخ واقتصاد
يعود الاستقرار البشري في ورزازات إلى فجر التاريخ، مثلما تشهد على ذلك العديد من المنحوتات الصخرية، وكان الأمازيغ أول من استقر في هذه المنطقة، ويليهم اليهود والأفارقة القادمون من جنوب الصحراء. وشكلت المنطقة نقطة انطلاق لطريق الواحات، فقد كانت ورزازات في الماضي نقطة تلاق تجاري وثقافي بين مختلف الشعوب من شمال القارة الافريقية وجنوبها.
دخل الإسلام إلى المنطقة مع القائد عقبة بن نافع عام، وأدى تقوية مدينة ورزازات والتركيز عليها إلى تراجع مدينتي تودغة وزيز، خاصة بعدما أصبحت تلك المدينة ممرًا للقوافل التي تنقل البضائع الآتية من السودان وسجلماسة والتي تتجه إلى شمال جبال الأطلس، نحو مراكش بل وحتى نحو أوروبا. وهكذا أصبحت ورزازات مركزًا تجاريًا مهمًا في المغرب.
وخلال القرن السابع عشر، مع ظهور دولة السلاطين العلويين، دخلت المنطقة حقبة جديدة من التطور، وبقيت وفية للعرش.
ومع وصول القوات الاستعمارية إلى المنطقة خلال العقد الثاني من القرن العشرين، تأسست منطقة حامية عام 1928 وأصبحت ورزازات مركزا إداريا لمنطقة درعة.
وخلال حقبة الاستعمار الأجنبي، خاض أهالي ورزازات ـ كما باقي سكان المغرب ـ معارك من أجل الاستقلال، من بينها معركة بوغافر الشهيرة. وبعد الاستقلال، عرفت المدينة تطورا ملحوظا، خصوصا بعد الزيارة التي قام بها العاهل الراحل محمد الخامس سنة 1958 حيث كانت بمثابة هذه الزيارة انطلاق عملية بناء مدينة حديثة، تعززت خلال الستينيات بتشييد سد المنصور الذهبي على وادي درعة، الذي يعتبر معلمة تاريخية في سيرورة تطوير المنطقة، وإضافة جديدة لاقتصادها، ولا سيما في مجال الزراعة، إذ يسمح الخزان بريّ وادي درعة، كما يمثل جزءا من إمدادات مياه الشرب في ورزازات.
بالإضافة إلى ذلك، أنشئ في المنطقة مجمّع نور، كأول مشروع للطاقة الشمسية، تم تطويره باعتباره جزءا من استراتيجية الطاقة المغربية التي تهدف إلى زيادة حصة الطاقات المتجددة في مزيج الكهرباء الوطني إلى أكثر من 52 في المئة بحلول عام 2030. وتم افتتاح المرحلة الأولى من “مجمع نور ورزازات” من قبل العاهل المغربي محمد السادس عام 2016. ومن المتوقع أن يتحول هذا المجمع إلى حديقة شمسية تنتج 500 ميغاواط لتضم عدة محطات تستخدم تقنيات شمسية متنوعة.