شكوى انثى بريئة على مجتمع قاسٍ

حجم الخط
2

– دكتورة أريد أن أبعث لك لتنصحيني ولكن أستحلفك بالله أن لا تظني بي سوءا – ابعثي، معاذ الله أن أسيء الظن بغير داع. -أنت تعرفين أني بنت متدينة ولكني أتوق الى أن أتزوج، أحلم باليوم الذي سأصبح فيه عروسا وألبس فستانا أبيض واشتري جهازا ككل الفتيات وأتزين لخطيبي وأترقب زيارته، ويخفق قلبي لصوته ونظرته ولمسته، أتخيل رجلا يحتضنني ويقول لك أحبك، أتخيل روحا تنمو بداخلي وأنا أتلمس بطني وابتسم، أريد أن أشعر بالحب والدفء والحنان، ذلك الحنان الذي لا يوفره الا رجل لامرأة!
أصلي وأستغفر وأصوم وأدعو كي تذهب الأفكار والخيالات، ولكنها لا تذهب وكأنها جوع لا يشبع وعطش لا يرتوي، أنا لست فتاة فارغة كما تعلمين بل أعمل وأشغل نفسي ولكن يأتي علي وقت أشعر فيه بالوحشة في روحي حتى وأنا بين أهلي! أحيانا أتمنى أن أعيش هذه المشاعر ولو لمرة واحدة ولو مت بعدها!! ماذا أفعل وهل أنا آثمة على مجرد التفكير؟!
– لم أستطع أن أرد مباشرة فقد كنت أمسح دمعة ساخنة نفرت من عيني وأمل أنها نفرت من عين كل قارىء وقارئة بهم بقية إنسانية ليشعروا أن هذه الفتاة هي ابنتهم أو أختهم أو رحمهم.
قلت لها: أما الفتوى فلست أهلا لها، وأما همم القلب فذلك عند رب القلوب، وأما العلاج فكانت تقوم بما أمرها به الدين وما كنت سأنصحها به من صلاة وصوم واستغفار ليكون لها وجاء ووقاية، ولكن يظل سؤالها ومعاناتها وجرحها: وماذا عن همم القلب وأشواقه؟ كم من البيوت بها واحدة واثنتان وأكثر مثلها ويزيد عليهن قلب الأم والأب الذين ينتظران شعورا بالأمان على بناتهم. بنات لا يعيبهن نقص في دين ولا جمال ولا خلق ولا حسب، ومع ذلك لا يتزوجن وشباب يبلغون الثلاثينات وأيضا لا يتزوجون والحالة المادية والأعراف البالية تصعب الوضع على العزاب والمتزوجين والمطلقين والأرامل وكل من يريد تأسيس أسرة أيا كانت حاله وسوء الأوضاع لا تغير من قناعات المجتمع شيئا فيظل متمسكا بالعادات والتقاليد وارضاء الناس ولو كان الثمن تحطيم الفتيات والشباب والرجال والنساء واستقرار المجتمع الفتاة يجب أن تنتظر ذلك العريس الذي قد لا يحظر فما المانع ان رأت من ترضى دينه وخلقه أن تبادر له عن طريق واسطة؟
هل نحن أكثر أدبا من أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها وقد حادثت قريبتها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل نساؤنا أكثر قدرا وترفعا من أكمل أمهات المؤمنين صاحبة القدر الرفيع في الدنيا والآخرة؟ ومن أكثر قدرا وأكمل رجولة من سيدنا المصطفى الذي خطبته امرأة، وهو الذي ظل يذكر فضلها وحبها طوال حياته؟! نقول الدنيا غير الدنيا والزمن غير الزمن والمجتمع تغير! وماذا سيفعل المجتمع لبناتنا عندما يصبحن وحيدات دون سند؟ وفي اسوأ السيناريوهات ولو خطبت الفتاة الشاب، هذا بعد أن تكون قد تأكدت من دينه وخلقه، ولم يحصل نصيب، ماذا يكون في ذلك؟! انتهت الدنيا؟ تكلم الناس؟ الناس والمجتمع لا يرحمون على كل الأحوال فالنصيحة أن يتأخذ المرء قراراته بما يرضي الله ويضرب بعرض الحائط القيل والقال فإرضاء الناس غاية لا تدرك وإرضاء الله غاية لا تترك، والإحصان والعفاف من أهم مقاصد الدين، وتكوين الأسر من آيات الله في الكون.
وماذا لو خطب الأب لابنته من يتوسم فيه الخير؟ هل يعني هذا بالضرورة أن ابنته عوراء عرجاء حدباء تغم البال والخاطر؟ من كان أكثر رجولة وقوة وأنفة من سيدنا عمر بن الخطاب وهو يعرض حفصة على الصحابة قبل أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ من كان أكثر تقوى وعلما من سعيد بن المسيب فقيه المدينة وهو يأخذ بيده ابنته المعروفة بجمال خلقها وخُلقها والتي خطبها ابن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان الى باب بيت تلميذه الفقير الأرمل الذي توفيت زوجته ليزوجها له؟ هل رجالنا وأباؤنا أفضل من هؤلاء وهل بامتناعنا عما كانوا يفعلون حفظنا كرامتنا وماء وجوهنا ومجتمعاتنا من الانحراف؟!
ماذا لو تخلت المرأة عن المهر اذا كان حال الرجل رقيقا، ولكن كان غنيا بأخلاقه؟ هل سينفعها وينفع أهلها لو كسيت بالذهب من رأسها لأخمص قدميها وبقيت وحيدة؟! ماذا لو ساعدت المرأة زوجها في مصروف البيت واقتسما هم الحياة المادي؟ هل تصرف على غريب وغرباء؟ أليس زوجها؟! أليسوا أولادها؟ ألم تواس وتنصر السيدة خديجة الرسول بمالها؟ وأكرر من بالله أكثر أنوثة وكرامة من السيدة خديجة ومن من الرجال أكثر رجولة من سيدنا رسول الله؟! فإذن أليست تقاليدنا وما ندعيه من كرامة فقاعة فارغة لا تسهم الا في مزيد من المعاناة والقلوب الحزينة والنتائج المؤلمة؟!
المجتمع أنا وأنتم والتغيير أنا وأنتم والكرامة نحن من نصنعها والتقاليد نحن من نقويها أو نكسرها والنجاحات نحن بعون الله من يرسم لها الطريق والمعاناة اذا استمرت أيضا من صنعنا .
د. ديمة طارق طهبوب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية