قد يتساءل المرء أحياناً: كيف نفسّر ظهور أعمالٍ أدبيةٍ أو فنّيةٍ، غير متوقّعةٍ في أيّام الضيق والشِدّةِ، وغالباً من أناسٍ لم يسبق لهم تعاطي الآداب والفنون، كما نجد في هذه الأيّام الصعبة العصيبة؟
لا أحسب أنّي قادرٌ على تقديم تفسيرٍ لهذه الظاهرة الطيّبة، سوى أنّها دليل على ان روح الإبداع عند الإنسان لا يمكن أن تنطفي، بل إن النار تحت الرماد قد تكون خامدة إلى حين، ولكنها تبقى ناراً، وقد تطلّ من تحت الرماد أحياناً، وقد تتأجّجُ فوق الرماد لسببٍ كامن في النار نفسها.
ولكن لننظر في تراثنا الثقافي، في إطاره العربي أو غير العربي، لنجد أمثلة كثيرة على قدرة نار الإبداع على التغلّبِ على أيّام الشِدّةِ، والضيق، والمرض، وغير ذلك من عوائق تتضاءل أمام قدرة الفكر على التجاوز والتخطّي.
لننظر مثلاً في سيرة الجاحظ (776-868م) أبرز أدباء العصر العبّاسي الذي نشأ يتيماً في مدينة البصرة بجنوب العراق. كان أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ دميم الخلقة، جاحظ العينين، في فقرٍ مُدقِع، لم يستطِع أن يدرس بشكلٍ منتظم مثل أقرانِه، لكنه استطاع أن يتّصلَ بشيوخ المعرفة في زمانه من علماء اللغة والأدب والتفسير وعلوم الدين، وأعانته ذاكرةٌ قويّة ونهمٌ شديد لقراءة ما تصل إليه يداه من كتبٍ ورسائلَ. ولأنه كان في فقرٍ شديدٍ، لم تستطِع أمّه أن توفّر له ما توفّر لأقرانه من القراءة على شيوخ المعرفة في زمانه، فكان يبيع الخبز والسمك نهاراً، ويجمع القليل من تلك التجارة ليَكتَري “دكاكين الورّاقين” ويقيم فيها ليلة أو بعض ليلةٍ ليقرأ ما تصل إليه يداه. وكان من نتائج ذلك الجلوس الطويل بين الكتب أن أصاب جسمه ضعفٌ شديد انتهى به إلى الشلل في أيّامه الأخيرة “فسقطت عليه قَماطرُ الكُتُب” فقَضَت على المشلول في عامه الثاني والتسعين.
لكن قوّة الحافظة وتفتّح الذهن للمعرفة عند هذا الجاحظ دفعته إلى قراءة الترجمات من اليونانية والفارسية والهندية، فصار يقرأ بالفارسية، بل ثمة إشارة إلى أنه كتب بعض النصوص بالفارسية. وكان من ثمار ذلك كلّه أن كتب حوالي 360 كتاباً ورسالة في شتّى فنون الأدب والجدل الفلسفي، مما قرّبه إلى الخلفاء العبّاسيّين الذين عاصر منهم إثني عشر خليفة، وتولّى ديوان الرسائل عند الخليفة المأمون.
كيف تسنّى لفتى فقير الحال، فقير المظهر، أن يجمع أفانين من علوم عصره ويكتب كل هذه الكتب مثل: “البيان والتبيين، البخلاء، كتاب الحيَوان، المحاسن والأضداد، البُرصان والعُرجان، التاج في أخلاق الملوك، فضل السودان على البيضان”…
كيف جمع الجاحظ من ضروب المعرفة ما أعانه على مناقشة المفسِّرين وأصحاب المنطق والأدباء سوى أن جذوة الفكر عنده، والرغبة في الإحاطة من كل علم بطرَف هي التي رَفَعَتهُ فوق الشِدّةِ والضيق من حوله؟ والجاحظ كان يتبع منهج الشك في معالجة ما بين يديه من العلوم، على طريقة الغزالي، وبذلك كان أسبق من ديكارت الفرنسي، الذي
صار هداية الباحثين في الآداب في عصورٍ لاحقة، وأبرزهم طه حسين، الذي قال صراحة إنه يتبع طريقة ديكارت في الشك، في دراسة الشِعر الجاهلي، لكي يبلغ الحقائق بالمنطق والدليل من دون الادّعاء.
ولننظر في سيرة أبو فراس الحمداني (933-969م) إبن عم سيف الدولة أمير حلب. نشأ أبو فراس يتيماً وهو في الثالثة من العمر، فكفله ابن عمّه الأمير لما رأى فيه من علائم النباهة والذكاء. وكان هذا الفتى فارساً شجاعاً، وقف إلى جانب ابن عمّه في الحروب ضد الروم. وبسبب هذه الصفات ولاّه ُ الأمير على مَنبِج، وهو في السابعة عشرة من العمر. كان أبو فراس فارساً مقداماً وقد أبلى بلاءً حسناً في جميع الحروب ضد الروم. ولكنّه في عام 965 وقع في الأسر، لأنه كان يقود معركة غير متكافئة مع الأعداد الكبيرة من جيش الروم، مفضِّلاً الهجوم على الهرب. فساقه الروم إلى سجن في القسطنطينية، حيث بقي سبع سنواتٍ منتظراً من ابن عمّه أن يفتديه ويفكّ أسرَه. لكن الأمير تباطأ في فك أسر البطل، لسبب اختلف الباحثون في تفسيره. وفي سنوات الأسر الطويلة والبُعد عن الوطن والأهل لم يحقِد أبو فراس على ابن عمّه الذي كان بوسعه أن يفتديه. وفي شعرِه في مَحبِسِه الرومي ما يُثبت ذلك، وهو من دلالات علوّ الهمّة وكَرَم النفس. ولم يَزِد الشاعر الفارس على أكثر من عتاب ابن عمّه الأمير بعبارات غاية في الرفعة وسموّ النفس:
وكُنتُ إذا ما نابني منك نائبٌ لَطَفتُ لقلبي أن يُقيم لك العُذرا
وأكرَهُ إعلامَ الوشاةِ بهجرهِ
فأعتِبُه سِرّاً وأشكرُهُ جهرا
ومعدِن الروح النفيس لا يصدأ، حتى في أحلكِ الظروف. وأيّة ظروفٍ أشدّ حِلكةً من أسرٍ مفروضٍ على موهبةٍ كبيرةٍ وعقلٍ نفيس، يواجه أيّام الشِدّة بالصبر:
صبورٌ ولو لم تَبقَ منّي بقيّةٌ قؤولٌ ولو أن السيوفَ جَوابُ
تحت هذه الظروف غيرَ المسبوقَةِ الصعوبة أبدع أبو فراس قصائده
“الروميّات” وهي قصائد خالدات تتميّز بالرِقّةِ والسلاسة، يَعجَبُ المرء كيفَ لنَفسٍ ترزَحُ تحتَ وَطأةِ الأسر، غيرِ معروفِ النتائج أو النهاية، أن لا تَقَعَ في التأسّي والأنين، بل تُبدِعُ أرَقَّ مشاعر الحب والحنين التي لا تقع في مُتَناول كثيرٍ من غير المأسورين:
أراكَ عَصيَّ الدّمع، شيمَتُكَ الصّبرُ أما للهوى نَهيٌ عليكَ ولا أمرُ؟
بلى، أنا مُشتاقٌ وعنديَ لَوعَةٌ
ولكنّ مثلي لا يُذاعُ له سِرُّ…
تكادُ تُضيءُ النارُ بينَ جوانِحي إذا هيَ أذكَتها الصبابةُ والفِكرُ…
أو هذه القصيدة الصادقة في تعبيرها بأبعدَ ما يكون عن التَفَجُّع المراسيمي:
أقولُ وقد ناحَت بقُربي حَمامةٌ
أيا جارتا لو تَعلَمينَ بحالي …
أيا جارَتا ما أنصَفَ الدهرُ بيننا تعالي أقاسِمكِ الهمومَ تَعالي
أيضحَكُ مأسورٌ وتبكي طَليقَةٌ ويسكُتُ محزونٌ ويندبُ سالي؟
ثانيةً، وثالثةً: كيفَ يتفتّق الذهن الحيّ والموهبةُ المتَوَقِّدة تحتَ رماد ظروف الحياة غيرِ متَوقَّعة الشِدَّة، وغير مسبوقةِ القَسوَة، وكيفَ تُنتِجُ أثَراً في مجال الآداب والفنون، وكأنّ أجواء الشِدّةِ غير موجودة، أو كأنْ لم يَكُنْ بين الحَجونِ إلى الصفا أنيسٌ ولَم يَسمُر بمكّةَ سامِرُ!
وقد نذكر مثالاً ثالثاً من ثقافةٍ غير عربية، لكنّها مُشَرّبة بحماسةٍ قصّر دونها كثيرٌ من أصحاب الثقافة العرب. ذلك هو مثال الباحث الفرنسي روبير بريفو (1873 في-1948). ولد روبير في مدينة نيس بجنوب فرنسا، ونشأ وتعلّم في مدينة فلورنس وبعدها في بريطانيا، فصار يتكلّم الفرنسية والإيطالية والإنكَليزية في شبابه، وكان لديه دافع شديد للمعرفة والبحث في مجال الآداب باللغات التي أتقنها، ثم أضاف إليها اللغة الألمانية واللاتينية والإغريقية والبروفنسية، وهي لغة منقرضة لم يبقَ من يتكلّم بها سوى أهل إقليم بروفنس في جنوب فرنسا وشمال إسبانيا، وخاصة في إقليم الباسك في شمال غرب إسبانيا.
توفّيَ والد الفتى عام 1892 وهو لم يبلغ العشرين من العمر، فأخذته والدته إلى نيوزيلند حيث درس الطب وفتح عيادة ثم وجدها تتعارض مع ميوله في البحث الأدبي. فذهب إلى أمريكا وتطوّع بصفة طبيب في الجيش ممّا زاد في تنقّله وتجواله بين البلاد فوجد نفسه في مصر، فاغتنم الفرصة واتّصل بالأزهر لتقوية لغته العربية. وهناك انفتح على الحضارة العربية الإسلامية، وراح يتحدّث عن تقصير الغرب في فهم حضارة العرب، وخصوصاً في جانبها الأندلسي. وفي مصر توسّع في دراسة الموشّح والزجل من المخطوطات والمجموعات الشعرية التي وجدها في مكتبات مصر. وما لبث أن عاد إلى باريس ومكتباتها، فقامت الحرب العالمية الثانية فوجد نفسه وزوجته تحت الاحتلال النازي لباريس، لكنه لم يستطع تخفيف جهوده في البحث والتحقيق بكل ما يتعلّق بالموشّحات والأزجال من كُتُبٍ وأبحاث، على الرغم من أنه بدأ يُحِس بوطأة مرض السل الذي قضى على ابنته، والذي سوف يقضي عليه عام 1948.
في مثل هذه الظروف الحياتية التي تُقَصِّر أية صفة في وصفها، من تنقّلٍ بين البلاد، ووفاة الزوجة والإبنة، والمرض القاتل، استطاع هذا الباحث غير العربي ان يُصدِرَ عدداً من الكتُب ذات القيمة الأدبية الكبرى، يهمّنا منها كتاب “التروبادور والعاطفة الرومانسية” الذي كتبه بالفرنسية ثم ترجمه بنفسه إلى الإنكَليزية بعنوان “التروبادور” ونشرته لاحقاً جامعة إنديانا الأمريكية عام 1965 في طبعة جديدة.
في هذا الكتاب يبيّن هذا “اللاعربي” بالنصوص الشعرية والتواريخ المرجعية أن الشعر الأوروبي الدنيوي الذي ظهر في أوروبا في القرن الثاني عشر، خلاف شعر القرون الوسطى بلاتينية الكنيسة، مَدينٌ بشكلٍ موثّق لا يقبل الجدل إلى الشعر العربي الأندلسي، وخاصة في نمط الموشّح والزجل، الذي يقوم على مِهاد الشعر العربي المشرقي في أزهى عصوره. وأن هذا المهاد الشعري الجديد على أوروبا هو الذي أنتج شعر الحب في عصر النهضة الأوروبية في القرن الثالث عشر، بزعامة دانته ومن تبعه من أصحاب “الأسلوب العذب الجديد” dolce stil nuovo.
أين هذه النتائج ممّا نرى من أعمال باحثينا ومثقّفينا العرب، من أهل مكّة الذين هم أدرى بشِعابها!!!