قبل خمسة أشهر من الأن كتبت مقالا في جريدة ‘القدس العربي’ الصادرة في لندن تحت عنوان: ظهور أفغانستان إفريقيا بشمال مالي. وكان ذلك صادرا عن ما يعرفه شمال مالي من تسيب أدى إلى اختلاط الثقافة والسياسة والدين والجريمة. اتفقت مجموعات معينة على السيطرة على شمال مالي انطلاقا من أجنداتها الخاصة، سواء أكانت تلك الأجندة سياسية أو دينية أو إرهابية، هذا الاتفاق كان براغماتيا بين زعماء المنطقة مهما اتخذوا من ذرائع ديماغوجية لبسط نفوذهم، لكن الغريب هو الهدوء الدولي الذي صاحب ظهور أزواد من جهة وظهور تنظيم القاعدة من جهة أخرى قبل سنتين؟ وعندما نقول الهدوء الدولي أقصد الهدوء الغربي الذي يشم رائحة كل من يهدد مصالحه. التسيب في شمال مالي يهدد الشركات الفرنسية في موريتانيا والنيجر والجزائر بشكل مباشر ودول مجاورة أخرى بشكل غير مباشر. الصحراء الشاسعة والقاحلة ملاذ أمان للقاعدة وأنصارها. وأزواد تستفيد من نفس المميزات برغم اختلاف خطابها الذي يعتبر خطابا تحرريا بعيدا عن ربط الدين بالسياسة. الأنظمة المجاورة نخص بالذكر الديكتاتورية منها تستفيد من ظهور القاعدة في المنطقة من أجل إبقاء الوضع على ما هو عليه من قمع وبطش لشعوبها. وكما يستفيد كرزاي من الفوضى القائمة في البلاد بل يتوسل الأمريكيين من اجل إبقاء جنودهم حفاظا على نظامه ويدعي أنه منتخب ديموقراطيا؟ متى كان الديمقراطيون يختبئون وراء دبابات العسكر؟ تستفيد الدول المجاورة لشمال مالي من فوضى المنطقة، وها هو سرب الطائرات الغربية يتحرك من أجل محاربة تنظيم القاعدة الإرهابي في شمال مالي أو بعبارة أصح شمال إفريقيا. التنظيمات الإرهابية استفادة من مخالفات الحرب الليبية مما سيطيل من أمد الحرب. وبالتالي أصبحنا أمام معاهدة حماية جديدة بطريقة مباشرة. الأنظمة التي تركها الاستعمار وظلت عين مراقب على مصالحه بمنطقة شمال إفريقيا هي نفس الأنظمة حتى وإن تغير اسم زيد بعمر فذلك التغير لم يكن ديمقراطيا، فإما كان وراثيا وإما كان برضى أسياد قصر الإليزيه، أما الشعب فظل بعيدا كل البعد عن اختيار حكامه باستثناء تونس وليبيا حاليا.ما لا يريد الغرب أن يتفطن له أو يتجاهله عن قصد هو أن القمع الذي تقوم به بعض الأنظمة الحاكمة في شمال إفريقيا لشعبها هو الشيء الذي جعل بعض شباب المنطقة لقمة صائغة في يد الإرهابيين بسبب تدني الأحوال المعيشية وغياب فرص وأمل في الحياة. وغياب حق التعبير وحق التظاهر وغياب العدالة الاجتماعية والقضائية وانتشار الفساد السياسي والمحسوبية من أجل الحفاظ على النظام الحاكم باعتباره المستفيد الأول من تفتيت المجتمع. الحفاظ على استقرار المنطقة ومصالح الغرب لن يتأتى إلا بإحداث حكومات تمثل شعوب المنطقة وتدافع عن مصالح شعبها. إن الدخول في حرب مع التنظيمات الإرهابية في هذا الوقت بالذات سيعطي فرصة ذهبية للأنظمة الديكتاتورية لكي تستفيد من تجنب رياح التغيير التي تعرفها المنطقة مثل قمع المعارضين تحت مسمى الإرهاب أو اغتيالهم ونسب ذلك لتنظيم إرهابي، مثل ما كان يقع في الجزائر في بداية التسعينيات عندما كانت المخابرات الجزائرية تقتل أبناء الشعب وتنسب ذلك لجبهة الإنقاذ الجزائرية وهو ما أكده أحد ضباط المخابرات الجزائرية على قناة ‘الحوار’ هنا في لندن. شعوب شمال إفريقيا تمتاز بقوة الحدس والبصيرة وأمام انتشار الفكر الإرهابي ومحاولة الأنظمة الديكتاتورية استرجاع أنفاسها والتحرك الغربي تجاه منطقة شمال إفريقيا يضع المنطقة أمام ثلاث رهانات:الرهان الأول: انتشار الإرهاب وبالتالي خلط الحابل بنابل وعودة المنطقة إلى الحرب والخراب وغياب الاستقرار مما سيؤدي بالمنطقة إلى العودة للعصور الغابرة. الرهان الثاني: زيادة الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة من بطشها واستفادتها من قوانين مكافحة الإرهاب وإلباسها بكل من عارض توجه النظام، وبالتالي بقاء الوضع على ما هو عليه من فقر وإذلال لشعب.الرهان الثالث: بداية تغلغل استعماري يقضي على روح بناء الوطن والوعي الذي بدأ يتولد لدى الشباب ونشر التخلف كما فعلت فرنسا بشمال إفريقيا والرحيل بعد أن نصبوا خلفاءهم من الشعب يتسابقون إلى قصر إلى الإليزيه لتجديد الطاعة والولاء والحفاظ على المصالح الفرنسية على حساب مصالح شعوب المنطقة.أمام هذه العوامل ما على شعوب المنطقة إلا اليقظة والحزم للوقوف ضد كل مؤامرة ضد نضالها المشروع من أجل الديمقراطية الحقة حتى لا تجهض ثورة الشعوب تحت أي مسمى كان. فإذا كانت بداية الثورة التونسية تردد: إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فلا بد أن يستجيب القدر. الثورة لا تزال في مخاضها في باقي دول شمال إفريقيا، وقد قال فيها نفس الشاعر وفي نفس القصيدة: لا بد لليل أن ينجلي.. ولا بد للقيد أن ينكسر. قريبا سيظهر بزوغ الفجــر ويتضح مكر الإرهاب ومكر الأنظمة الديكتاتورية ومكر الاستعمار، متمنيا أن يذوب ذلك المكر تحت أقدام شعوب عاقلة وذكية كما قرأت في تاريخها العظيم من عرب وأمازيغ من سود وبيض ومن غيرهم.محمد الفنيش لندن المملكة المتحدة[email protected]