عام 1962 ألّفت المستشرقة الألمانيّة (زيغريد هونكة) كتابا يبيّن مكانة الحضارة العربيّة الإسلاميّة وفضلها على الحضارة الغربيّة بعنوان ‘شمس الله تسطع على الغرب’. مثـّل هذا الكتاب حقبة جديدة لم يحاول فيها الباحث الغربيّ فهم المسلمين وثقافتهم فحسب، بل عمل على تمجيدها وإظهار ما لها من مكانة رفيعة في التاريخ الإنسانيّ.منذ ذلك الحين ونحن نلحظ بروز عدد من المفكرين الأوروبيّين والأمريكيّين وغيرهم في هذا المجال، مما أتاح فرصة نادرة لحوار حقيقيّ بين الحضارات حالت بيننا وبينه في العصر الحديث آلة الاستعمار الأوروبيّة وجمود بعض الفرق الإسلاميّة. ينقسم هؤلاء المفكرون في توجّهاتهم الفكريّة إلى تيارين رئيسين؛ فمنهم من نحى منحىً إنسانيّا وسياسيّا اجتماعيّا آخذا على عاتقه الدّفاع عن قضايا المسلمين بعامّة، وعن قضيّتي فلسطين والعراق بخاصّة، وآخرون اعتنقوا الإسلام ليتعمّقوا في فهم الدّين وسبر أغواره. ففي الوقت الذي فرّ فيه العراقيون من وطنهم هربا من وطأة الاحتلال والإرهاب نجد الصحفيّ الألمانيّ (يورجين تودنهوفر) يدخل حدود العراق، رغم ما يترتب عليه ذلك من مخاطر جسيمة، سعيا وراء هدف واحد وهو الحقيقة! ليخرج علينا بكتاب حقق أعلى المبيعات في ألمانيا بعنوان ‘لماذا تريد أن تموت يا زيد؟!’، وزيد هو شابّ عراقيّ التحق بالمقاومة ضد الاحتلال بعد أن قتل الأمريكيون عددا من أفراد أسرته أمام ناظريه في محافظة الأنبار. حيث توصّل (تودنهوفر) في كتابه إلى خلاصة مفادها ‘بأنّ مشكلة عصرنا تتمثل في العنف الذي يمارسه الغرب وليس المسلمين’. أمّا على صعيد القضيّة الفلسطينيّة فإننا لا يمكن أن نغفل دور الكثير من المفكرّين اليهود المعادين للصهيونيّة والمدافعين عن حقوق الشعب الفلسطينيّ، في وقت ندير فيه نحن ‘العرب’ و’المسلمين’ ظهورنا للقضيّة الأمّ. فأشخاص كـ(نعوم شومسكي) و(نورمان فنكلستاين) وهو مؤلف كتاب ‘المتاجرة بالمحرقة اليهوديّة’- يدقّون المسامير في نعش كيانٍ يعتبرونه العدوّ الأولّ لليهود واليهوديّة. كيانٌ يتاجر بمعاناة اليهود في ظل نظام الحكم النازيّ للحصول على مكاسب ماديّة لا يستحقّها، موقعا الظلم بمن لا ذنب له! هؤلاء وغيرهم الكثير يمثّلون التوجّه الأوّل الذي كشف السّتار عمّا تحاول وسائل إعلام الغرب إخفاءه، باذلين النّفس والنّفيس في سبيل الدّفاع عن قضايا العرب والمسلمين…أمّا الأمريكيّ (د. جيفري لانغ) مؤلف كتاب ‘حتى الملائكة تسأل’ والطبيب الفرنسيّ (موريس بوكايل) صاحب ‘الكتاب المقدّس والقرآن والعلم’ وغيرهم الكثير فقد قادوا، بعد اعتناقهم الإسلام، صحوةً في الغرب، حتى لجأ بعضهم إلى تغيير أسمائهم اللاتينيّة إلى أخرى عربيّة، كما فعل الفرنسيّ (ليوبولد فايس) الذي غيّر اسمه إلى (محمد أسد)، ليرتبط هذا الاسم بكثير من المؤلفات الهامّة كـ’منهاج الإسلام في الحكم’ و’الطّريق إلى مكّة’…مثّل هذا التوجّه الدينيّ مجالا لعرض الإسلام على الغرب بأقلام وعقول غربيّة، إضافة إلى ما قدّمه إلى الفكر الإسلاميّ من دراسة موضوعيّة له بعيدا عن قيود العادات والمجتمع، وهو ما لا نجده لدى أغلب الباحثين العرب. كما وأنه أسهم في تطبيق مكتسبات العلم الحديث وأساليب البحث والتفكير المنطقيّة على الفكر الدينيّ إخراجا له من قوقعة التقليد والجمود، وتحقيقا لما جهد المجددون كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهم من أجل بلوغه، حتى أفاد المسلمون في ‘الشرق’ مما أضافوه إلى الإسلام وشرائعه من معانٍ جديدة غفل عنها السابقون.من المهم جدا على أمتنا اليوم، في خضمّ ما يسودها من جمود فكريّ في ‘الشرق’، أن تعلم بأنّ هنالك الكثيرين ممن تطالهم دعواتنا بالويل والثبور في ‘الغرب’ ممن يؤمن بالإسلام وقضايا المسلمين أكثر مما نؤمن بها نحن أحيانا! كما وأن علينا أن نوقن بأن فيه نهضة إسلاميّة لا يمكن تجاهلها، فراية الدّين ليست حكرا على أحد. وقد يأتي وقت تشرق فيه شمس الإسلام من ‘الغرب’، الذي لا يجد ضيرا في اتخاذ ‘الإسلام كبديل’ وهو ما عنون به الدبلوماسيّ الألماني (مراد هوفمان) كتابه الذي وضّح فيه أهميّة الإسلام ودوره العالميّ بعد سقوط الشّيوعيّة وتهاوي الليبراليّة.مصطفى صاحب الفتلاوي- الأردن [email protected]