شنص الهائم علي قلبه: الطريق الي مادَبا

حجم الخط
0

أحمد المديني

غ1ف لم أفكر في هذا الطريق، ولا في غيره بعد أن وضعت حقيبة العودة من البرازيل نهاية شهر تموز (يوليو). البرازيل نفسها لم أفكر فيها، وكل ما هنالك أنني قررت أن أحسم أمري مع بلد ألح طويلا علي بالي وخيالي فقلت اليه، ومرة واحدة هناك، كأنما انقشع السحر لأعود الي رشدي الذي لا يرشد والعطش باق أبدا الي سواه.

غ2فمن أين جاءني اسم هذا المكان، وكيف طرق رأسي، ولمه؟ حيرتني الأسئلة ثلاثتُها فغالبتها، غلبتها بالتناسي، وما ذاك الا لأن الأردنّ في قلبها، وصوت فيروز كنت اسمعه من يفاعة بعيدة يهمز مجلجلا: وستغسل يا نهرالأردن/ وجهي بمياه قدسية/ وستمحو يا نهرالأردن/ آثار القدم الهمجية! . انما أيّ سبيل الي النسيان والشرق هناك، قلبي في الشرق واليه تواق؟!

غ3فصيف العام الماضي كأن يدا الهية وضعتني علي كفها، هدهدتني بين ريحين، واحدة للصَّبا، وثانية من شطح الهوي، فألفيتني أعبُر من نكهة باريس تحت محجري الي شميم العرار، هناك في اللحظة التي قطفت، لم أعد أذكر، أصورة خلّبا أم ُقبلة حلوبا قطفتُ من جهة المفرق، بعدها تهت ولم أحفل بالجمهور فوق مدرجات جرش، أمرّ عن بعد ينبهني أني تركت أعضائي مبعثرة في المتاه، فتعجبتُ من قولهم لأني من قديم كنت جسدا، أقدم منه صرتُ بددا، ولعل اسرائي اليوم يغدو لي مددا. غ4فبلي انتبهت أن أعضائي اما غبار أو رماد، ونشرة الأخبار تقصفني بين النوم واليقظة، حتي وأنا في قارة المهاجرين البعيدة خلف الأطلسي، وقلت ليس من قُصف ودُمِّر كمن سمع، والشمس التي تلفحني بين مغربي الأقصي وفوق جسور السين غير تلك التي أشمها من ذراعي في جبين الشرق، كالملاّح يلحس ملحه ليداوي جرح غانية في البر البعيد. أوه، يا لرومانسيتي المتفسخة في زمنٍ، حياة الذباب فيه أثمن من بقاء العرب، أوه حقا!

غ5فالكلام لا يخرج اليوم من قاموس، والبلاغة ليست وشاحا من زمرد أو حرير، هي كتلة مجسدة في يد تقبض يدها، صاحبها، وتلقي به في حمأة النار، وان بعد افترار ثغر النهارعلي مدن من حطام، وأنا أجر ذيول الدمار من حارة حريك الي قمة مارون الراس، أجوس كآخر مقاتل لم يقل وداعا للسلاح، ولا أخبره أحد أن الشهداء الآن يغفون قليلا و يموتون، كي يفرغوا للسهر؛ حذار، ابتعدوا عن طريقي فخطوتي ملغمة، بل هي الانفجار، فحذار!

غ6فلا يهم كل الخراب، القتل والمقتولين، من المقت سأقول أطفال قانا، أيضا وأيضا، رغم أن مشموم النّوّار ما زال نديا، زكيا، علي قبر زينب، دمعة مني بللته فارتجف، قبرها، لعله قلبها، كفرخ ذبيح، يقع و ينهض، دمه/ دمنا من الأرض الي الأفق يسيح. لا يهم أن نموت في كل الوقت الذي مضي، ولكن كيف نستطيع أن نعيش بعد كل ذاك الموت اليوم ثم غدا. غ7فولم تكن بيروت بعد مشهد الحرب الا فكرة من ضباب، أو جناحي غراب؛ لم تكن قط. الشوارع التي سكنتني زمنا هوت في الخواء كجيب مثقوب، والزواريب مثقلة بالظلام، والزوايا والتكايا جراب منفوخ اما بالهراء، أو تلوك الكلام الذي لم يعد له من مزاد، بعد أن جاب الرصاص طول وعرض شغاف البلاد، واتكأ الشعراء المهترئون، مثلهم فصيل طويل من جراء، علي مسند الوهم وبذر الوصايا، كالعهد بهم، ولحس الهباء! غ8فسرت وحدي، دليلي الي طرقات أخري للتيه حدس خراب قديم يتجدد، ما انفك يمضي ويؤوب، يتفسخ مثل هذي الأرض الهشيم، لا البحر يغسل أدرانها، ولا كل ما نزف من الدم يكفي قربانا لطرد الهمجية وسلالة السفلة. الذين عرفتُ في بيروت ماتوا جميعا، غيرهم يعرضون لحودهم، أحيانا لحومهم ليفلتوا من المسغبة. لذا تري وجوههم مثل عجين وعيونهم مدلاة في ألسنة تقتات بفاسد الهواء والكلام الفج، ولا بأس من رقص تنكري في قلب الأجمة.

غ9فوحدها عناية، عناية جابر، وهي ايقاع شارد من أغاني الأصبهاني، ُتعدّ للفجر قهوته، وتذهب للروشة كي تعطي لبحر بيروت رضاع الصباح، يوشوش في أذنها شيئا تأتي الي مقهي الويمبي تكتبه، قبل أن يتهافت التنابل علي ما تبقي من غلال المجاز. وحدها سقتني، أطعمتني بهمس، ليس الا، أنا الذي نزلت بكذابين ضيفهم/ عن القري وعن الترحال محدود ثم آوت، وقد تأبطت عصفا عبَر، وعوّلتْ علي الرحيل أخيرا الي سِفرالحكمة الفانية.

غ10ففي منتصف الليل، والأحبة سجف الظلام دونهم، عندما تخلو الحمراء الا من ندامي الأرق، هم الأرق، يهبط مثل ملاك، يبرز مثل الشفق، سيد، شاعرها، اسمه، ظله، لا يتبدل، بول شاوول لمحته عن بعد قادما من الأزل، هو شاعر حقا لا اشاعة في الخفاء، علي رأسه أدغال وبِيدٌ ونار، قوافل شتي من عرب ومن عجم، قرآن وانجيل وديوان أحمد، أيائل وغزلان تلاعب كفه، للمدافع أعطي ظهره، للنجم أعطي صوته، للعباب، وآواني في البلد اليباب.

غ11فلم أنس فيروز، بل قلت سأصعد نحو صوتها في مرقاة النهر، سنجدل الحنين بنهر الأردن، نشحذه علي صخر جبل نيبو، نغتسل في مياه نسوته الجوفية، ونضطجع سويا علي لحاف الفسيفساء حتي شفيف الأبدية. أترك الصوت هنا، ظل عمر مضي، كل ما أسمعه رجع صدي، وأذهب الي مداه ليستقبلني وجه الأرض الأبيض، لونها المفضض، بالحليب وبالسكر.

انا أعطيناك الكوثر، خذها، هي من جسد الأنبياء وأكثر، هيت لك، روحك منذ اليوم في مادبا.

غ12فلم أعرف ما الذي أغواني فيها، ولا كيف السبيل الي الوصول، وما زلت لا أعرف رغم انصرام الفصول علي دمٍ لي، وماء من أعراقي يجري تحت القلعة قلعة الأكربوليس. تعجّب كل من سألتُ كيف أبحث عن طلل والدنيا حولي عمران، تعجبتُ بدوري ما شأني باليباب، لِمَ أهوي الركض نحو حتفي، الي السراب، ومادبا هذه هل تشبه فاس أم تفوقها حسنا، أم هي توأم نادي صنوه في منام الأولياء، فأضحي ادريس نبطيا، وسيحونَ من دوحة الشرفاء. غ13فقالت وقد جلستُ بجانبها، تقودني الي حيث لا أدري أو الي حرشها: الروايات في هذا الشأن ثلاث؛ واحدة تقول ان الأصل في الاسم ماء، تليه الفاكهة، هي اذن الأرض الخصبة، جنة الفاكهة؛ ثانية تقول ان سرها في أرض مؤاب من حيث أشار الله الي موسي بالأرض المقدسة؛ أما الثالثة، ويحك، فهي اما امتلاك أوهلاك، وفي كلا الحالين فاني مهما تحيرتُ وتأولتُ لا أري لك منها أي فكاك. غ14فأنا الذي تحيرتُ وخفتُ لو حبّذت تفسيرالفاكهة أن تفوتني جنة الآخرة، حتي وهي، أو كانت زينة الأرض بأجمعها. وزدت أخاف، بالأحري أتلهف لسماع الصوت، صوت الله الأكبر، أينك؟ ويحك، أوتكفر؟! انه في نيبو الذي في أرض مؤاب قبالة أريحا، وفي ذيبان و حسبان وفيك، هو في كل الأكوان، ويحك، هو من هداك اليها وما كنت لتهتدي لولا أن هداك، ولسوف يعطيك فترضي،”وأمّا بنعمة ربك فحدث”. غ15فمادبا! مادبا! من أين يأتي الصوت؟ من صاحب النداء؟ أنت! أنت! هل أنت محموم يا الأسمر، يا الغريب؟ ومدّتْ يداً الي جبين المغرب فاشتعلتْ في يدها غابات الأطلس، توهجتْ كالجمر جبال الريف، خبَبُ افراس عبدالكريم الخطابي، وصهيلٌ ما زال يُسمع لموسي بن نصير في خليج أغادير، فسبحان الذي أسري بعبده من موج الأطلسي اليك، الي خليج العقبة. مادبا! مادبا! من أين يبدأ الطريق اليك، أم أرحل من غير أن أراك وفي الجوف حريق؟!

غ16فأنظر، هنا تتفرع الطرقات، فواحدة تذهب الي البحر الميت، ثانية الي البتراء، والثالثة الي معان. ـ حسنا، والطريق اليك، عفوا، لا شك أني محموم، أقصد الي مادبا، من أي اتجاه، أريد أن أري خارطة الفسيفساء، كنيسة الروم، وفلسطين والأردن والقدس ودلتا النيل، أريد أن أشهد عبقرية الفنان سلمانوس، البحار التي رسم بالأزرق والأسود، والأنهار بالأزرق، والسهول بالأخضر، والقمم بالحجارة البيضاء، والصدر بالرمان الأصهب؛ أوه اني محموم!

غ17فـ لا، كلاّ، أنت في منتهي الصواب، حتي ولو بدوتَ كالمجنون. أنسيت كيف شردت مني العام الفائت في المفرق واختلطت عليك الصور، وها أنت تعود للفعلة ذاتها، تشطح شطح جنون، ولكني لا أضمن لك اليوم حسن العاقبة لأن في رسم الفسيفساء أيلا وغزالة يرعيان حول الملكة، وبينهما شجرة، وما اخالك الا تضيع، قلبي عليك يا الأسمر الأطلسي، أخاف عليك من الملكة، الغزالة؛ بل خافي عليّ منك، أنت جماع ما في الفسيفساء، أوه لكم أنا محموم!

غ18فمضت تقود السيارة فحسبُتها تارة ُبراقا، وطورا شعاعا سينفذ قريبا الي كوكب مجهول. لم نحسم أي طريق سنأخذ، ولم يكن لي خيار في المتاه، أنا الهائم علي قلبي كيف أملك أيّ خيار. كانت نظرتها نحوالأفق بصدر يرتج أمامها، ونفس ساخن أحس به دبقا علي اليدين، ما لبث أن استحال نهرا من حليب ارتمت فيه عشترون الهة مادبا، ويد أخري ممدودة اليّ قائلة أن تعال، فأرخيُتها وتركتها تسعي بين الماء والضوء الي مستقر لها في كوكب منذور.

غ19فنسيت يدي، نسيتني كلّي، الا بعض كتلة مني تهتز فوق المقعد، فلا حدود لجموح البراق، كل السيارة انزاحت، واصطف الركاب علي قارعة الزمن، والأرصفة انسحبت الي الوراء تفسح أكثر، بينا نظرتها مرة أخري تنفذ كسكين حاد في جلد الشمس العمودية، والنفس الحار حمم بركانية تدبق ُحبيْبات علي حافة الشفتين، أو ُلهاث كلمات متقطعة أسمعها تقول سآخذك، سآخذك اليها وأبقيك فيها حتي ما بعد الزمان، أنا وادي السير، أنا سقف السيل، هيّا!

غ20ففجأة اختلطت هيّاها مع أزيز، وتغطي الجو حولنا بالأجنحة، بالأسْود، ما هذا، أطلب مادبا واذا السماء أجنحة، فهل أنتِ دليلي لأهتدي أم للضياع؟ بلي، بلي، أنتَ وصلت. ـ الي أين؟ ـ طبعا، الي مادبا أو بالأحري مشارفها. مشارف؟ ـ نعم، ألا تسمع الأزيز، ألا تري كل هذا النحل؟ ـ أجل، انما، انما يا سيّ ـ.. ـ من الأفضل أن لا تنبس، ستري، بل ستذوق.

ـ لكن أين؟ متي؟ ـ هنيهة، الآن، في المنحلة. ماذا؟ يا لغفلتي، كيف أبحث عن مادبا وأنا في يقين العسل! كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية