جميعهم كانوا على مسافة واحدة من الموت، يشعرون باقترابه وبأن ما بقي من الحياة هو فترة انتظار أخيرة. إثنان منهم تعدّيا فترة الانتظار عابرين ذلك الجسر من الحياة إلى الموت. أحدهما، رفعت العرعير الشاعر والكاتب الفلسطيني من غزة، قتُل وعائلته في السادس من كانون الأول/ديسمبر، وثانيهما الشاعر سليم النفار، الذي قتلته طائرة إسرائيلية بعد يوم واحد من مقتل العرعير (في السابع من ديسمبر). في وصيّته التي كانت مشارَكتَه في «كتاب الوصايا» لم يقارب النفار الشعر، هو الشاعر، بل كتب الكلمات الأقل إبداعا: «وصيتي لأولادي إن قدّر الله لكم الحياة أن تعلنوا البراءة من العرب».
في تقديمه للكتيّب الذي ضمّ وصايا رجال ونساء من فلسطين كتب ألبرتو مانغويل، القارئ والمؤرّخ لتاريخ القراءة، ما يلي: «حتى بلسان المتألّمين، تخفق اللغة». فكلمات الشاعر، حسب مانغويل، لن تصل أبدا، مهما كانت استثنائية، إلى عمق ألم الضحية. هناء أحمد الكاتبة من غزة، وقد شاركت في كتاب الوصايا بنصّ ورد فيه: «لم أؤمن يوما بما أكتب. كنت أشعر بضآلة الكلمات أمام ما أشعر به». لذلك كان أبلغ ما ستقوله في كلمتها هو تلك الجملة التي جعلتها عنوانا لنصّها، أو لوصيّتها: «أريد أن أنجو». ففي ظل الموت المهيمن ما ينتظَر حصوله، في اللحظة القريبة التالية، هو النجاة.
علي أبو ياسين الممثّل والمخرج الفلسطيني، قال في مشاركته، لن يجرؤ أحد أن يضع صورة واحدة على فيسبوك، فيما الجميع يركضون خلف الطحين، ثم تساءل معجبا: «تصوّر، في غزة اختفت النميمة والحسد والانشغال بالآخرين». وفي مكان آخر من الكتاب نقرأ الشاعر والروائي ناصر رباح وهو ينزع عن نفسه صفة الكاتب، أو الشاعر: «أنت لم تعد شاعرا، ولا حتى إنسانا حين تحمل أولادك من بيت لاخر مثل قطّة مذعورة». وفي مكان آخر من نصّه يقول مخاطبا من هم مثله في جحيم غزة: «أنت لم تعد أنت، فالحرب أعادت تعريفك لنفسك».
مصعب أبو توهة الشاعر والكاتب باللغتين الإنكليزية والعربية أدخل على كتاب الوصايا نبرة متعالية على الشكوى، بما يشبه المزاح أو السخرية، وهذا ما يخالف كل شيء يُكتب تحت وطأة الموت.. يقول في قصيدته الصغيرة، «إن كنت سأموت- فليكن موتا نظيفا- لا ركام فوق رفاتي- لا جروح في رأسي أو صدري- لا دمار في مخدعي- لا أنية ولا كؤوس متكسّرة- أبقوا سترتي- وسراويلي- حديثة الكيّ- على حالها- في الخزانة – فقد أرتدي بعضا منها بعد أن تمرّ جنازتي».
في هذه الكلمات القليلة رفضٌ لكون الكتابة تابعة لما يمليه عليها الموت الساعي إلى استتباعها، ذاك لأن ما يقوله الشاعر مخالف لما كان ينتظر منه أن يقوله. فهو هنا يلعب بدل أن يرثي نفسه مستبقا رحيلها.
يستشهد مانغويل في مقدّمته بنصّ لمحمود درويش يقول فيه، إنه على الرغم من إخفاق اللغة في إيصال أعمق حالات المعاناة، كان على الشاعر أن يواصل الكتابة، مستخدما الكلمات ضد ضعف الكلمات، لكن يتساءل قارئ الوصايا في هذا الكتاب: لماذا يُلجأ إلى الشعر والأدب في الوقت الذي يعلن المشاركون فيه عن عجز الكلمات؟ هل من أجل إعلان انتصار الموت على كل ما هو سواه؟ وإذ يخطر لقارئ هذه النصوص أن السبيل لارتفاع الشعر إلى مصاف ما يدّعي تمثيله، غير متمثّل إلا بتحييد الموت. يردّ مانغويل في وجه آخر من مقدّمته قائلا، إن المقابل لذلك الاعتراف بعجز الكلمات هو الصمت، ذاك الذي يتيح لمرتكب القتل أن يستمر في عنفه بطريقة مطردة. ثم إن فعل الكتابة «أيضا هو نداء» حسبما تقول جوديث بتلر أستاذة البلاغة والأدب المقارن في جامعة كاليفورنيا، في تقديمها، هي أيضا، للكتاب. «حتى في الوقت الذي لا يتبقى شيء يمكن تقديمه، تظل الوصية بمثابة فعل وصية، كلمات جُمعت قسرا، اللإصرار على أواصر المتضامنين الأحياء والأموات».
الكتاب يضم ستة عشر نصا يصح القول في وصفها، إنها شهادة على الحيوات المنتظِرة الموت، أو المهدَّدة به، أو المقترب مهو ن الوصول.
معظم المشاركين الستة عشر، نساء ورجالا، لم يهملوا في نصوصهم، ما استدعى المقدمان بتلر ومانغويل للقول إن الكتابة تظل عاجزة، إن كانت على ذلك القرب من الموت، لكن مع ذلك لا مفرّ من الكتابة.
«كتاب الوصايا- شهادات من مبدعات ومبدعين من غزّة في مواجهة الموت». فكرة الكتاب وتحريره لريم غنايم، وهو مهدى إلى روح الفنانة التشكيلية هبة زقّوت، التي «ارتقت مع طفلها جرّاء القصف الإسرائيلي في الثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2023» وقد نشرت صور الراحلة على صفحات من الكتاب الذي صدر عن «دار مرفأ» سنة 2024.
كاتب لبناني