شهادات عن التعذيب في السجون المصرية.. كشوف عذرية وتهديد بالاغتصاب والقتل والتحرش الجنسي

حجم الخط
1

القاهرة- “القدس العربي”: أنماط عديدة من التعذيب الجسدي والنفسي تعرض لها سجناء في مقر الاحتجاز المصرية، ليس فقط لإجبارهم على الإدلاء باعترافات مزورة، ولكن بغرض الإهانة وتكريس شعورهم بالعجز واليأس والحط من كرامتهم وخصوصيتهم، فضلاً عن تعذيبهم بالخوف المستمر من القتل أو الموت أو الاحتجاز في غرف “التأديب”، للأحياء، بحسب ما وثقه تقرير جديد لمنظمة “كوميتي فور جستس”.

التقرير الجديد الذي حمل عنوان “ناجون من السجون: مقطوعون من الحياة”، تناول التعذيب وآثاره على حياة الناجين من السجون ومقار الاحتجاز المصرية.

تطرق التقرير لبيان أنماط التعذيب الجسدي والنفسي والجنسي داخل السجون ومقار الاحتجاز، ونقل شهادات لناجين من محاولات الانتحار المكتملة وغير الناجحة، وأثر تجارب التعذيب تلك والسجن على حياة الناجين.

وفي الوقت ذاته، أشارت “كوميتي فور جستس”، في تقريرها، إلى أنه على الرغم من أن التقرير يؤكد على عدم تعميم النتائج بشأن تأثير تجارب السجن على حياة الناجين من قضبانه، فإنه يقر ما أبرزته دراسات السجون لسنوات من الرابط بين تعرض السجناء لأنماط التعذيب النفسي والجسدي؛ وشعورهم بفقدان الأمل وفقدان المعنى وسوداوية التفكير وصولًا لمحاولات الانتحار، وكذلك التأكيد على أثر العوامل الذاتية والتاريخية في دفع الأفراد، لاسيما الناجين والمشاركين بالتقرير، بعيدًا عن هذا المصير أو قريبًا منه، وأخيرًا الإضافة إلى دراسات السجون بإجراء المقابلات، لا مع السلطات والهيئات المنوطة بالرقابة على مؤسسات العقاب، وإنما مع السجناء السابقين (الناجين) أنفسهم للتوصل لأهم الأسباب وممارسات التعذيب التي تدفع نزلاء مؤسسات العقاب المصرية لمحاولات الانتحار.

أنماط التعذيب

وتضمن التقرير شهادات لخمسة من الناجين، وهم شباب بمتوسط العمر (18-35 عامًا)، اثنان من الإناث وثلاثة من الذكور، عن أنماط التعذيب النفسي المستخدمة داخل السجون ومقار الاحتجاز المصرية، منها؛ التعذيب بالإقصاء والعزل “التغريب”، التعذيب الجسدي والإهانة والاعتداء على السلامة النفسية والجنسية للضحايا، وكذلك التعذيب بالتلاعب بالحواس، والتعذيب بالتوتر المستمر، ما يدفع بالضحايا إلى الانتحار سواء داخل السجن أو حتى بعد خروجه للمجتمع الخارجي يظل هذا الهاجس يطارده.

تفتيش مهين

وعن أنماط التعذيب داخل أحد مقار الأمن الوطني وسجني وادي النطرون وبرج العرب يقول أحد الناجين: “أثناء التعذيب في مقر الأمن الوطني، قام ضباط الأمن بتصويري أثناء ترديد أقوال مزورة، وكان يتم إجباري على قضاء الحاجة مقيد اليدين أمام كاميرا ضخمة بدورة المياه، وعندما تم ترحيلي إلى السجن، كنت أتعرض للتفتيش المهين بشكل دوري، وأثناء الزيارات الأسرية كان ضابط الأمن يأمرنا بالجلوس القرفصاء وتشبيك أيدينا خلف الرأس والنظر أرضًا في ما يشبه السجود له كي يسمح لنا برؤية ذوينا أثناء الزيارات، كان السبّ متواصلاً  للذات الإلهية.

هتك عرض

وتقول إحدى الناجيات عن التفتيش في الزيارات: كان أقرب لهتك العرض والاغتصاب بدون إيلاج عضو ذكري، وفي حال الاعتراض يكون الجزاء أشد من الانتهاك نفسه، ففي إحدى المرات، وقعت مشادة بيني وبين مأمور القسم وقام الأخير بضربي فأصررت على إيقاع الكشف الطبي لتسجيل ما وقع بحقي، وحينها تم إرسالي إلى مستشفى تعرضت فيها للتعرية والاعتداء على عرضي، وتم توقيع الكشف بطريقة شديدة الإهانة ثم نقلي من هناك إلى السجن كنوع من العقاب.

كشوف عذرية

وتقول إحدى الناجيات: تعرضت لكشوف العذرية ثلاث مرات خلال فترة احتجازي لشهرين في ستة من أقسام الشرطة، في كل يوم منها كنت في عالم آخر، تعرضت لمرات لا تحصى للتحرش والاعتداء الجنسي والضرب والجرح، تعرضت للتعرية والسخرية والتنمر من جسدي، وفي مرة قال لي أمين شرطة يقولون إنك آنسة (لم تتزوجي)، لكن هذا الجسد، جسد امرأة (سيدة متزوجة).

وبحسب التقرير، تطرّق كثير من الشهادات لممارسات التعذيب التي يستهدف بها مسؤولو الاحتجاز والسجون إشعار الأفراد بالتهديد الحقيقي بالاغتصاب أو بالقتل، فضلاً عن مختلف أشكال الاستغلال ضدهم وضد ذويهم وتعريضهم لمشاهد قتل وتعذيب حقيقية.

التهديد بالأهل

ونقل التقرير عن إحدى الناجيات قولها: في مقر الأمن الوطني، أجبرت على الوقوف معصوبة العينين لساعات طويلة أسمع أصوات الصراخ وتعذيب المحتجزين، كنت أسمع أصوات الصراخ وأنا نائمة، تعرضت للتهديد المتواصل باعتقال أهلي واغتصاب أمي لإجباري على الإدلاء باعترافات مزورة، تكرر هذا في كل تحقيق، شهدت حالة قتل داخل مقر الأمن الوطني، وتم تهديدنا بالقتل والإلقاء بنا في “جوال” إذا بلغنا عن الواقعة، كما أعرف فتيات تعرضن للتهديد المتواصل بالاغتصاب، وبعضهن حكى عن وقوع الاغتصاب بحقهن أثناء الحبس.

وقالت المؤسسة إن التعذيب النفسي والجسدي وشهادات الانتحار الحية داخل السجون ومقار الاحتجاز المصرية أضافت كثيرًا من الدروس لحياة الناجين، منها لا سيما درس البقاء في الحياة وعدم الانهزام لأفكار الموت، إلا أن جميع المشاركين أكدوا على الاحتياج المسيس للدعم النفسي والتأهيل الاجتماعي بعد الخروج من السجن، وأن واقع المجتمع والاقتصاد وسياسة سلطات الأمن حتى الآن، مفادها أن الخروج من خلف قضبان السجون ومقار الاحتجاز قد يكون خروجًا إلى سجن آخر من العزلة والافتقار للأمان المادي والاجتماعي والعيش الكريم، وهو عكس ما يروج له النظام المصري الآن من خلال الحوار الوطني الذي يزعم النظام أنه سيؤدي لخروج الآلاف من المعتقلين والمعتقلات من داخل السجون، والأهم تأهيلهم لإعادة إدماجهم في المجتمع وتيسير كل السبل لذلك.

محاولات الانتحار

ظروف ذاتية دفعت ثلاثاً من الحالات الست التي وثق التقرير شهادتهم لطرد أفكار الانتحار وإنهاء حياتهم داخل مقار الاحتجاز، منها حالة تعرضت للتعذيب الجسدي والنفسي الشديد في مرحلة الطفولة، وكان موت أحد أبويها مفتاح الحياة الذي لم تفرط به مهما عانت داخل مقار الاحتجاز.

ويقول أحد الناجين: كان أبي يضربني بإهانة، كان يجبرني على الوقوف على قدم واحدة أحمل سلة قمامة مليئة بالديدان حتى تصل الديدان لجسدي ويضربني إذا خفضت قدمي، طوال حياتي كنت أحمل سكينًا تحت مخدتي وأحلم أني أقتله وأدفنه، بعدما مات أمام عيني، جعلتني صدمة موته أفكر بحياتي التي لم أحياها، في السجن كنت ألاقي ما لاقيته في طفولتي على يده، لكني للحظة الأخيرة كنت أقول لنفسي: لا تنهزمي.

وزاد التقرير: في حالة أخرى، كان الوازع الديني وتجربة السجن “الدينية” حاجزًا بين أحد المشاركين وبين التفكير بالانتحار، وفي أخرى كان حب الحياة يدفع بالضحايا بعيداً، إلا أن أنماط التعذيب الجسدي والنفسي، مثلت صدمة نفسية وإنسانية كبرى للقسم الآخر من المشاركين، في أحدها كان الإقصاء والعزلة هو الدافع الأول، وفي أخرى كان الألم الجسدي الذي لا يحتمل، وفي ثالثة كان عجز المشارك عن استيعاب الإهانة وحقيقة حرمانه من الحرية.

 إحدى الشهادات جاء نصها: ضاقت الحياة لأبعد مدى، السجن يمثل كوكباً، كانت الحياة تضيق بمساحة الـ 60 سنتيمتر التي أنام وأعيش فيها، كانت اللاحياة تقتلني وكانت زيارات الأهل تتباعد بطول شهرين وربما ثلاثة أشهر، بسبب منعي من الزيارة.

ويقول آخر: حاولت الانتحار في قفص التأديب بسبب الألم الجسدي الذي لم أستطع احتماله، كنت أعاني الأرق الشديد وهياجاً بالعين والجسد، عرفت فيما بعد أني كنت مصاباً بالفشل الكلوي، لم أكن أقدر على القيام من الأرض او تحريك جسدي، عجزت عن المشي وانتفخت قدمي، تقيؤ مستمر، وكنت أشعر بحيوان ينهش عظامي، كنت على وشك الجنون لأني عجزت عن إنهاء حياتي. لماذا يتركني الله في هذا الحال ولماذا لا أموت، وكنت أتمنى أن يقتلني أحدهم لأرتاح من الألم.

وجاءت الشهادة الثالثة: كنت أفكر كثيراً، حاولت الانتحار أثناء اختفائي قسرياً، كان الدافع لمحاولتي الأولى هو إجبار سلطات الاحتجاز على إخراجي من مقر الاحتجاز  لاستيعاب حقيقة سلبي حريتي ظلماً لو صرت جثة هامدة، في المرة الثانية حاولت الانتحار أثناء تعذيبي، تعرضت للتعذيب والضرب وهتك العرض وكنت أرد الإهانة بالإهانة، لكن لم أستطع تقبّل حقيقة أني ظُلمت وانهارت حياتي، بينما يعيش من ظلموني.

تجريم التعذيب

وأوصى التقرير في ختامه بتجريم كافة أشكال التعذيب النفسي والجسدي داخل السجون ومقار الاحتجاز، لا سيما مقار الأمن الوطني وغرف “التأديب” و”الحبس الانفرادي” في السجون، وخاصة الواقع منها بمناطق الصعيد، والتي يشيع التغريب فيها، وتسبب “التأديب” فيها لمقتل السجناء بالجوع أو الغرق أو المرض أو الانتحار.

كذلك أوصت “كوميتي فور جستس” بإعادة تأسيس مفهوم وأدوات وممارسات “التأديب”، لا سيما داخل سجون الصعيد لتوافق المعايير الدنيا لحقوق الإنسان في الحياة والماء والطعام والكرامة الإنسانية، مع ضرورة توفير الوصول إلى استشاريين نفسيين داخل السجن، أو سجناء مؤهلين للتعامل مع ضحايا التنمر أو “مستمعين” لهم، أو توفير هواتف محمولة للتبليغ عن الاعتداءات، وتيسير تواصل الأسر مع ذويهم وإشراكهم في إدارة عوامل الخطر المفضية للانتحار، وتوفير نقاط أو مراكز الليلة الأولى لدعم السجناء فور وصولهم للسجن ووحدات طبية مؤهلة لمتابعة وعلاج المساجين الذين يتلقون علاجًا نفسيًا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية