شهادات من قلب العاصفة: معطف الأبوة في غزة يحمي الرضيع والعالم نائم

بهاء طباسي
حجم الخط
1

غزة ـ «القدس العربي»: لم يكن أمام عبد الرحمن زقوت، الثلاثيني النازح من شمال قطاع غزة، إلا أن يحتضن طفله الرضيع إبراهيم، الذي لم يتجاوز أسبوعه الأول، ويغطيه بمعطفه المتواضع، ليحميه من قسوة المنخفض الجوي، الذي ضرب قطاع غزة قبل أيام. كانت الرياح تصفع الخيام بقوة، ومياه الأمطار تتسلل من تحتها، بينما زوجته تحمل ابنته ذات الخمس سنوات وتحاول تهدئتها. يقول عبد الرحمن لـ«القدس العربي» بصوت يملؤه الأسى وهو يتفقد خيمته التي مزقتها العاصفة: «طوال الليل كنت أعيد تثبيت الخيمة الممزقة، والمياه تحيط بنا من كل جانب. كل ما نملكه غرق في المياه، ولم يبق لدينا ما يحمينا من البرد. لقد أمضينا الليلة نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن لا شيء يجدي نفعًا».
سكت لحظة ثم نظر إلى جسد ابنه النحيل المرتجف، مناشدًا العالم: «ما ذنب هذا الطفل ليولد في هذا الجحيم؟ كيف يمكن له أن ينجو من البرد والصقيع؟ يا أصحاب القلوب الرحيمة انظروا إلينا، فالوضع لا يحتمل مزيدًا من التجاهل. إلى متى سنظل نكافح وحدنا؟».
وضرب منخفض جوي عنيف قطاع غزة، منذ ليلة الخميس 6 شباط/فبراير 2025، مصحوبًا بأمطار غزيرة ورياح عاتية، ما فاقم معاناة النازحين في مخيمات خان يونس ورفح. في ظل عدم توفر أي تجهيزات تحميهم من الأمطار، وجد الآلاف منهم أنفسهم وسط الطين والمياه المتسربة إلى داخل خيامهم المهترئة.
وتسببت الرياح القوية في اقتلاع العديد من الخيام، بينما غمرت المياه المخيمات، ما أدى إلى تلف الأغطية والملابس القليلة التي يملكها النازحون. وبحسب شهود عيان، قضت العديد من العائلات الليل واقفة أو جالسة في العراء، بعد أن فقدت خيامها المهترئة المغطاة بالنايلون، وسط انعدام كامل للتدفئة في ظل شح الوقود.

الرياح اقتلعت الخيام

أبو فراس الأخرس، رجل ستيني يعيش مع أسرته في المخيم الجزائري للنازحين بمدينة خان يونس، يصف ما حدث قائلاً: «غرقنا تمامًا. أولادي كانوا يحاولون كسح المياه، بينما كنت أبحث عن أي شيء نضعه تحتنا ليفصلنا عن الوحل. لكن لا فائدة، المياه غمرت الخيمة بالكامل».
يضيف بحزن لـ«القدس العربي»: «هذه الليلة كانت قاسية. شاهدت الرياح تقتلع خيام جيراني، وبعضهم أمضى الليل واقفًا في الشارع بلا مأوى. لم نتمكن من النوم لحظة واحدة».
فاطمة الزيان، أربعينية نزحت من مدينة غزة إلى خان يونس إبان حرب السابع من أكتوبر، تكافح يوميًا من أجل تدبير أمور أسرتها. تقول بصوت مرتجف: «الأمطار تدخل علينا في الخيمة، والرياح شديدة جدًا. لا نملك أي فرش أو أغطية كافية، وأطفالي لديهم فقط ملابس قليلة. إن تبللت أو اتسخت، فلا يوجد لديهم ما يرتدونه».
تطالب فاطمة المجتمع الدولي بزيادة المساعدات الإنسانية، لنجدة أهالي غزة من الكوارث الطبيعية بعد تدمير معظم المنشآت السكنية في غزة على يد جيش الاحتلال، وبينها منزلها في حي الزيتون: «كل ما نريده هو القليل من الملابس، وأغطية تقي أطفالنا من هذا البرد. لا نطالب بالكثير، فقط أن نشعر أننا بشر لنا حقوق. معاناتنا مستمرة حتى بعد انتهاء الحرب».
أما ليلى صيام، خمسينية تعاني من مرض التهاب المفاصل الروماتويدي، فكان البرد بالنسبة لها كابوسًا آخر. تقول: «لا أستطيع المشي جيدًا، وهذا البرد القارس يضاعف ألمي وينخر في عظمي. طوال الليل كنت أرتجف وأدعو الله أن تمر هذه الليلة بسلام».
لا تدري ليلى كيف سيتحمل أطفالها ما تبقى من ليالي الشتاء قارسة البرودة بعد أن تضررت خيمتهم، وفقدوا غالبية أغراضهم. وتضيف لـ«القدس العربي»: «كل أقمشة الشادر تمزقت، ولم يبق لدينا سوى أغطية بالكاد تكفي الأطفال. لا أعرف ما السبيل لإنقاذهم من هذا المصير المؤلم؟!».

نزوح إجباري

محمد البريم، رئيس لجنة المخيم الجزائري في خان يونس، يقول إن ليلة الخميس كانت «الأصعب على النازحين». ويوضح لـ«القدس العربي»: «جميع العائلات هنا لم تتمكن من النوم بسبب الرياح العنيفة التي مزقت الخيام».
ويؤكد أن الرياح العاتية، التي وصلت سرعتها إلى 80 كيلومترا في الساعة أدت إلى اقتلاع العديد من الخيام من مكانها، ما أجبر عشرات الأسر على النزوح، مستشهدًا بأسرة محارب: «فقدوا خيمتهم بالكامل وملابسهم غرقت في الماء، واضطر جيرانهم لاستضافتهم حتى الصباح، وهم الآن يبحثون عن خيمة صالحة للسكن في المخيم المصري».
ويشير البريم إلى أن الوضع في المخيم كارثي: «مياه الأمطار اجتاحت العديد من الخيام، ونحن نحاول بكل جهدنا تأمين مأوى للعائلات التي فقدت كل شيء، لكن الاحتياجات أكبر بكثير من إمكانياتنا».
قال المهندس جواد الأغا، وكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة، في تصريح لـ«القدس العربي» إن الأمطار الغزيرة والرياح العاتية تسببت في أضرار واسعة النطاق داخل مخيمات النازحين في خان يونس ورفح، حيث تضررت أكثر من 500 خيمة بشكل كلي أو جزئي، ما أدى إلى تشريد مئات العائلات.
وأضاف الأغا أن الخسائر المادية تشمل تلفًا كاملًا في العديد من الخيام، وغرق الفرش والبطانيات، فضلًا عن تعطل شبكات الصرف الصحي البدائية، ما ينذر بكارثة صحية. وأشار إلى أن الفرق المختصة تواصل عمليات الحصر وإيجاد حلول بديلة، لكن الإمكانيات محدودة جدًا، ولا توجد موارد كافية لتغطية الاحتياجات العاجلة للمتضررين.

«الأونروا» تحذر

من جهتها، حذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» من أن الأمطار الغزيرة والرياح العاتية في قطاع غزة تعرض مئات الآلاف من الفلسطينيين لخطر البرد القاتل، بعد أن دمرت إسرائيل منازلهم خلال الإبادة التي استمرت أكثر من 15 شهرًا.
وأضافت الوكالة أن «العديد من العائلات الفلسطينية لا تزال تعيش في ملاجئ مؤقتة بسبب الدمار الواسع النطاق في القطاع»، مشيرة إلى أن «الأمطار الغزيرة والرياح العاتية التي اشتدت خلال الـ 24 ساعة الماضية تسببت في أضرار كارثية داخل المخيمات».
وأوضحت أن فرقها تواصل تقديم المساعدات العاجلة، بما في ذلك الخيام والمراتب والبطانيات والملابس للنازحين في أنحاء القطاع. كما نشرت مقطعًا مصورًا يظهر الرياح العاتية وهي تقتلع خيام النازحين المصنوعة من القماش والنايلون، وتبعثر أغراضهم في منطقة المواصي شمال غرب مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.
وسط هذه الأوضاع المأساوية، يبقى صوت النازحين يتردد: «إلى متى سنظل نكافح للبقاء؟». البرد القارس ينهش أجساد الأطفال، والمياه تتسرب إلى الخيام، فيما تغيب أي حلول حقيقية. ينتظر سكان المخيمات استجابة عاجلة، قبل أن تحصد العواصف أرواح المزيد منهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية