الناصرة – “القدس العربي”:
تواصل القناة الإسرائيلية 13 بث حلقات مسلسل تلفزيوني وثائقي (أربع حلقات) عن عدوان “السور الواقي” في ذكراها العشرين بعنوان “معركة على البيت” وهي الحملة العسكرية التي شنتها قوات الاحتلال على الضفة الغربية واستغرقت نحو أسبوعين بدءا من الاثنين من أبريل/نيسان 2002 انتقاما من عمليات فلسطينية آخرها داخل فندق بارك في مدينة نتانيا. ويوضح معد المسلسل التلفزيوني المراسل العسكري للقناة 13 ألون بن دافيد إن الحملة التي تم فيها احتلال مدن الضفة الغربية بسهولة نسبيا قد اصطدمت بمقاومة شرسة في جنين لدرجة أن القتال فيها تحول إلى سيناريو رعب تحقق على الأرض. ويضيف: “مع دخول القوات الإسرائيلية مخيم جنين تضاعفت ضغوط القيادة العسكرية باقتحامه وتطهيره من المقاومة وإنهاء المواجهة بعدما بدأت إسرائيل تتعرض لانتقادات دولية متصاعدة”. ويستذكر بن دافيد أن حكومة الاحتلال استدعت وقتها 30 ألف جندي من جيش الاحتياط للمشاركة في عملية “السور الواقي” منوها الى أن هذا هو العدد الأكبر من الجنود الذين يتم حشدهم منذ حرب لبنان الأولى.
في شهادته يروي أحد الجنود الإسرائيليين اليوم الأول بالقول “شعرنا أننا ذاهبون للحرب وخيل إلينا بأننا ربما نعود أحياء وربما لا نعود فيما أشار يورام لافي أحد قادة العملية للنقص في العتاد والسلاح الشخصي لدى الجنود عشية الشروع في عدوان “السور الواقي” لكنه يقول إن الجنود حركتهم دافعية كبيرة رغم أنهم غير مدربين بالكامل. ويتابع: “وصلنا بداية إلى معسكر “اليكيم” للتدريب قبل أيام من مهاجمة جنين لكننا لم نكن نعلم أن مخيم جنين جاهز بمهنية وكفاءة حتى وصلناه بعد أيام ووجدنا مقاتلين مدربين ومسلحين ومجربين. توقعنا إطلاق نار عشوائي لكن لم نتوقع مقاومة منسقة وناجعة داخل المخيم واكتشفنا أن التقديرات الاستخباراتية لم تكتشف ما ينتظرنا”. وهذا ما يؤكده وزير الأمن في حكومة الاحتلال وقتها الجنرال شاؤول موفاز الذي يقول إن “الشاباك” أيضا فشل في الحصول على هذه المعلومات الاستخباراتية الحيوية حول مخيم جنين. ويمضي موفاز في استعادة الخلل الاستخباراتي الذي يسوقه ربما لتبرير محنة جيشه في المخيم رغم عدم وجود أي نوع من موازين القوى “لم نطلع على قرار الجهاد الإسلامي بتفخيخ المخيم بعبوات ناسفة وبمواد متفجرة بدائية وكانت جنين أسطورة بعدما صمدت عقب احتلال بقية المدن الفلسطينية”.
تورطنا في الوحل
ويوضح ألون بن دافيد أن الجيش أوكل الكتيبة الخامسة لاحتلال مخيم جنين، ويقول إن ما انتظرها هناك لم تصطدم به بقية القوات الإسرائيلية في مدن الضفة الغربية. وعن ذلك يقول أحد الجنود في شهادته “وصلنا أعتاب جنين في جو شتوي عاصف فتبللنا وتورطنا في الوحل وشاهدنا وحدة البحرية الخاصة “الشييطت” مجهزة أفضل منا وكان علينا عدم الشكوى والالتزام بالصمت فيما كانت مكبرات الصوت في المساجد داخل جنين تدعو للفداء والمقاومة ولذبح اليهود مما رفع منسوب الخوف والتوتر”. ويشير زميل له لليوم الأول مصادقا على ما قاله أحد مقاومي المخيم زكريا زبيدي في شهادة تاريخية لـ “القدس العربي” قبل سنوات: “عندما وصلنا استقبلونا بصليات نار وألعاب نارية احتفالية وما زلت أسمع أزيز الرصاص في أذني حتى اليوم وتنبهنا للتو أننا دخلنا في حالة حرب وكنا داخل مجنزرات خوفا من القناصة، وكنا خائفين لأننا محتجزون داخل المجنزرة كعلبة السردين وكان “المخربون” قد استعدوا لنا كما يجب وفخخوا الكثير من الأزقة داخل المخيم بل أعدوا حقولا من الألغام البدائية”.
وعن شراسة القتال في الأيام الأولى يقول أحد الجنود الإسرائيليين: “تقدمنا داخل المخيم من بيت لبيت كي نحمي أنفسنا وذلك من خلال فتح ثغرات في الجدران ووجدنا أنهم أعدوا لنا مثل هذه الفتحات ونصبوا كمائن. كنا ندخل البيت ونطهره ونمضي للبيت الآخر وكانوا يحاولون استهدافنا من النوافذ “. ويشمل الفيلم الوثائقي مقاطع حقيقية من القتال داخل المخيم بين جيش وبين عشرات المقاومين الفلسطينيين. ويشير ألون بن دافيد الى أن الجنود حاولوا القتال بحذر وتجنب الظهور في الميدان فتقدموا من دواخل البيوت ولم يحدد موعد لإنهاء العملية فتقدموا ببطء في محاولة فهم الواقع الذي اصطدموا فيه داخل مخيم جنين”.
ويقول بن دافيد إن الأجواء في القيادة العامة لدى الجيش الإسرائيلي انقلبت وباتت متكدرة بعدما تبين أن احتلال جنين ليس مهمة سهلة. وينقل عن قائد لواء الشمال في جيش الاحتلال قوله في تلك المرحلة إن الأوضاع في مخيم جنين لا تبشر بالخير ومنذ الأيام الأولى بدأنا نشعر أنه مكان مختلف وأننا نشهد عملية تبلور رواية ستالينغراد الفلسطينية”. وعلى خلفية تساؤلات لدى المستوى السياسي وازدياد الانتقادات لإسرائيل في العالم طلب شاؤول موفاز إنهاء العملية فورا في جنين بعدما طالت خاصة أن هناك ضغوطا دبلوماسية. ويستذكر بن دافيد أن رئيس الحكومة أرئيل شارون قد أبلغ وزراءه بأن الرئيس الأمريكي جورج بوش طلب منه الانسحاب من أراضي السلطة الفلسطينية. وعن ذلك يقول أحد قادة العملية في شهادته عن ذلك: “حاولنا حث الخطى في جنين لإنهاء العملية فأعطيت الأوامر بإطلاق النار بشكل حر ودون قيود وعززوا قواتنا وسط ضغوط لإنهاء المهمة. رويدا رويدا اختزلنا المسافة بيننا وبين المخربين الفلسطينيين وتنبهنا لوجود عشرات منهم في قلب المخيم فرفضت قيادة الجيش طلب القادة الميدانين بإنزال قنبلة بزنة ربع طن على قلب المخيم لإنهاء المقاومة”.
ويوضح جندي آخر أن القتال حتى الآن سار ببطء بسبب الخوف من مقتل الجنود ويضيف: “خلال القتال كنا كـمن يقاتل أشباحا يروننا ولا نراهم ولاحقا تبين لنا أنهم كانوا مثلنا ينتقلون من بيت لبيت بعد فتح ثغرات في جدران البيوت بعد أن ترك معظم أهالي المخيم منازلهم. في اليوم الخامس بدأنا نقصف المخيم بالطائرات المروحية بعدما رفضت قيادة الجيش طلب القادة الميدانيين باستخدام طائرات من طراز إف 16 وذلك خوفا من أثمان تسددها إسرائيل في العالم”. ويقول موفاز”أدركت أننا نواجه مشكلة ووصلت لأعتاب جنين وتيقنت من ذلك وشاهدت التقدم البطيء للجنود رغم ضغوط قائد الجيش بالتحرك أسرع والذي يعني المزيد من الإصابات في صفوفنا”. وبحثا عن حل قال أحد الضباط المشاركين في الاجتياح “أصدرنا تعليمات بالتقدم بسرعة وخارج البيوت رغم خطورة ذلك وفعلا هذا ما حصل: السرية رقم 8 من فيلق “نحشون” انطلقت في اليوم السابع من الحملة للسيطرة على بيت داخل المخيم ففجرنا بابه وعلى الفور انهالت علينا أمطار من الرصاص من البنادق الرشاشة ودخل الجنود إلى مصيدة داخل الزقاق عندما أطلق المقاتلون الفلسطينيون النار من كل الاتجاهات دون أن نتمكن من رصدهم”. عندها أدرك الجميع أن السرية 8 تورطت لكننا لم نعلم أين هي بالضبط فبدأنا نبحث عنهم وكنا نتجه نحو صوت الرصاص. وما أن وصلنا حتى أطلقوا النار علينا وشاهدت عددا كبيرا من الجنود الإسرائيليين ممددين أرضا ولا نعرف من هو ميت ومن هو جريح”.
وأشاد البرنامج التلفزيوني بصمود وشجاعة ومهنية قادة المقاومة داخل المخيم بل استحضر مقاطع بالصوت والصورة وهم يعاهدون الله وشعبهم على الثبات منهم أبو جندل كبها ومحمود طوالبة وغيرهما.
وقال جندي آخر عن تلك المصيدة إن القتال صار وجها لوجه أحيانا وفقط خمسة أمتار كانت تفصل بيننا وبينهم مشيرا هو الآخر لخطورة المواقع المفخخة بقوله: “دخلت غرفة وفجأة شدني من الخلف جندي ونبهني لخيط مرتبط بلغم كاد ينفجر بنا”. وتابع أحد الجنود الجرحى في المعركة “كنت جريحا وممددا على الأرض وفجأة سمعت أشخاصا يتحدثون بالعربية ويعدون قتلانا فقررت إلقاء قنبلة كي أموت معهم بدلا من الوقوع في الأسر ولكن فجأة ساد هدوء فقررت عدم إلقاء القنبلة. ولاحقا تبين أننا تعرضنا لمذبحة فقد أصابوا كافة الجنود الذين مروا من ذاك الزقاق وبدا لنا كأننا في فيلم رعب وليس على أرض الواقع”.
ويقول ضابط آخر شارك بنفسه في القتال في شهادته إنه بعد اشتباك عنيف ساد هدوء وبدأنا نعد قتلانا وجرحانا وإسعافهم فاكتشفنا بعد دقائق أن هناك ثلاثة جنود مفقودين منهم إيال نائب قائد القوات الإسرائيلية في جنين وعندما تقدمنا شاهدنا فلسطينيا يجر جثة جندي من جنودنا فأطلقنا النار عليه لكننا أخفقنا في الوصول بسرعة للمفقودين الآخرين بسبب عدم وجود معلومات استخباراتية ونتيجة فوضى على الأرض.
ويعتبر موفاز أن خطف ثلاثة جنود هو حدث استراتيجي ويتابع: “كنت في احتفالية خاصة بذكرى المحرقة وبعدها كان من المفروض أن أشارك في جلسة حكومة وقد وصل وزير الدفاع الأمريكي كولن باول للبلاد لوقف الحرب فقررت الطيران لجنين. هناك التقيت بقائد وحدة البحرية الخاصة (شييطت 13) رام روتبيرغ وطلبت منه العثور على الجنود الثلاثة بكل ثمن وقلت له: خذ معك عتادا وكلابا ولا تعود بدونهم” وغادرت بعدما طلبت منه إبلاغي مباشرة بالنتائج. ويتذكر قائد الوحدة البحرية الخاصة في شهادته أن الجيش لم يعرف هل المفقودون قتلى أم لا. ويضيف: “لقد خشينا أن يقوم المخربون بخلع بلباسهم العسكري وارتدائه من أجل التغرير بنا ولاحقا عثرنا عليهم قتلى. وقتها سادت البلاد شائعات عن تورط الجيش في جنين وأن هناك عشرات القتلى والجرحى إضافة الى جنود أسرى وطائرة تحطمت مما اضطر قادة الجيش للتحذير من الشائعات ومن معلومات لا تستند لبيانات رسمية”. ويستذكر معد البرنامج التلفزيوني ألون بن دافيد أن شائعة أخرى سرت في طول البلاد وعرضها مفادها أن قائد الجيش الجنرال موشيه يعلون قد قتل فسارع لإبلاغ زوجته بأنه حي.
الجرافات العملاقة
ويوضح ألون بن دافيد أن المصيدة التي أدت لقتل 13 جنديا إسرائيليا وإصابة سبعة آخرين والاستيلاء على أسلحتهم قد أربكت الجيش وزادت حالة الضغط لدى المستويين العسكري والسياسي فجاء قرار التصعيد باستخدام الجرافة العملاقة من طراز “دي 09” لهدم ما تبقى من منازل مخيم جنين وفعلا شاركت عشر جرافات بتسوية البيوت بالأرض لإنهاء المعركة بسرعة ودون التعرض للإصابات. وقال سائق إحدى الجرافات إن الجرافة مصفحة ولا يخترقها الرصاص وأنه اعتاد تناول الويسكي خلال هدم بيوت المخيم بعدما رفع العلم الإسرائيلي عليها وقال: “كنت أهدم انتقاما وكلما تعبت كنت أتناول الويسكي حتى صار المخيم أشبه بملعب كرة قدم.
ويوضح معد البرنامج أنه بواسطة الجرافات تم إنهاء المعركة لكنها خلفت مشاهد مروعة بعدما صارت البيوت أكواما من الركام وعلى خلفية مقتل 23 جنديا إسرائيليا داخل مخيم جنين عدا إصابات كثيرة (قتل في كل حملة السور الواقي 30 جنديا إسرائيليا وأصيب 75 آخرون) قال شارون محاولا رفع معنويات الجنود إنهم يواجهون معركة شرسة على الأرض وأن هناك معركة دبلوماسية تخوضها إسرائيل في العالم الذي يوجه إصبع الاتهام لنا بشكل ساخر.
في المقابل يقول جمال حويل الذي قاتل في جنين ووثق ما جرى في كتاب إنه على أرض الواقع، مثّل الاجتياح انتصارا للمقاومة بالرغم من قدراتها المحدودة. ويتابع: “هذه المعركة التي خلقت تضامنا شعبيا ودوليا، حولت المخيم إلى أيقونة مقاومة. ولم يمض الكثير من الوقت حتى عادت العمليات العسكرية للخروج من المخيم”. حويل الذي وثق تفاصيل المعركة في كتاب صدر تزامنا مع الذكرى الـ 20 لها بعنوان “معركة مخيم جنين الكبرى 2002: التاريخ الحي”، أضاف للجزيرة أن إسرائيل حاولت من خلال اجتياح المخيم خلق حالة ردع، ولكن فلسطينيا تحول المخيم إلى أيقونة. وأرجع حويل هدوء المقاومة في المخيم في بعض السنوات إلى إعطاء فرصة للمسار السياسي مع عودته من جديد بين عامي 2004 و2006 وما رافقها من تنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية. ويرى أن ما يميز المخيم منذ احتلال الضفة الغربية وحتى الآن في مقاومته للاحتلال وجعله علامة فارقة في المقاومة في جميع مراحل النضال الفلسطيني، هو أن الهوية الجمعية لأبنائه هي اللجوء وليس التنظيم والفصائل، وهي النقطة التي يتوحد حولها الجميع من مختلف الفصائل. ويعتقد حويل أيضا، أن معركة المخيم كسرت حاجز الخوف لأبنائه أمام جيش الاحتلال، ففكرة “الجيش الذي لا يقهر” التي حاولت إسرائيل زرعها بالقوة والقتل غير موجودة في عقول هذا الجيل الذي ينتمي أبناؤه لعوائل قدمت الشهداء، وكبروا وتربوا على سيرهم وبطولاتهم.