شهادة الدكتورة غادة الكرمي

حجم الخط
0

شهادة الدكتورة غادة الكرمي

رشاد أبوشاور شهادة الدكتورة غادة الكرميفي عدد مجلة (الآداب) العريقة، لشهري كانون الثاني وشباط2006، كتبت الدكتورة غادة الكرمي مقالة بعنوان: سياسة دعم الفلسطينيين، المنظمات غير الحكوميّة وصناعة العطف.الدكتورة غادة الكرمي كانت حتي تشرين الأول 2005 مستشارة للسلطة الفلسطينيّة في مجال المعلومات، وفي ملاحظة هّامة من (الآداب) أن المقالة أرسلت إلي المجلة قبل يوم واحد من فوز حماس في الانتخابات التشريعيّة.تطرح الدكتورة الكرمي السؤال التالي: وسط هذه الفورة المفرطة من التمويل الدولي للفلسطينيين، ما هو دور هذه المساعدات في خضّم الاحتلال الكولونيالي؟تجيب: حين كنت أعمل في (رام الله) السنة الماضية، شاهدت بأم عيني ما يعنيه التهرّب من هذا السؤال علي أرض الواقع. فلقد رأيت المكان طافحاً بـ(فاعلي الخير) من كّل جنسيّة. والحال أن (العطف) علي الفلسطينيين قد بات صناعة كبري، وغدا هدفاً بحّد ذاته، ذلك أن الغائب بشكل مذهل عن هذه النشاطات هو أخذ سياقها السياسي في الاعتبار.تحدد الكرمي مخاطر هذه العمليّة: وهذه العمليّة ليست حميدةً تماماً، إذ نمت في ظلّها عمليّة معقدّة وذات تبعات اجتماعيّة، وثقافيّة، تطاول الفلسطينيين بشكل واسع. فلقد تمّ (خطف) أكثر الفلسطينيين علماً، وأعظمهم إمكانيّات، من أجل العمل في خدمة المنظمات غير الحكوميّة، فازداد ابتعادهم عن الفئات الأقل حظوةً في المجتمع، وهكذا نشأت طبقة جديدة من الخبراء، والمحترفين الفلسطينيين في صفوف المنظمات غير الحكوميّة، وجري امتصاص طاقاتهم في مشاريع لا تعكس ـ بالضرورة ـ الأولويّات الفلسطينيّة.انتبهوا إلي الخلاصة التي توصّلت لها الدكتورة الكرمي: ولمّا كانت المنظمات غير الحكوميّة مجدولة جدلاً في نسيج الحياة الأكاديميّة والسياسيّة في فلسطين، فإنّ ذلك لا محالة سيؤثّر في تشكيل الوعي الفلسطيني، وفي صياغة عمليّة اتخاذ القرارات الفلسطينيّة أيضاً.أليس هذا ما نراه حاليّاً، وما يفجعنا بكثير من الأكاديميين، والمثقفين، الذين كان بعضهم ثوريّاً يساريّاً، وقوميّاً جذريّاً في زمن ما قبل (أوسلو)، ونراه اليوم يروّج للواقعية السياسيّة، ويعيش حياة رفاهيّة بتأجير ملكاته العقليّة، وتحوّله إلي (عين) تري عمق أحشاء شعبه، وتوظيفه لقدراته الأكاديميّة والثقافيّة لخدمة أغراض الهيئات غير الحكوميّة التي تفتّقر للبراءة والنزاهة، والتي لا يمكن أن يكون (قلبها) علي شعب فلسطين! ماذا تنتج المساعدات الدوليّة للفلسطينيين؟الباحثة الكرمي تجيب: جعلت المساعدات الدوليّة من الاحتلال عملاً مجّانيّاً، لا يكلّف المحتل شيئاً، وهذا ما يظهر في إصلاح الدمار البنيوي الذي سببه الاحتلال (مثل إصلاح مطار غزّة الذي دمّرته إسرائيل، وكلّفت إعادة إعماره الاتحاد الأوربي بليون دولار)..بل إن المعونات الدوليّة أثرت الاقتصاد (الإسرائيلي) في حقيقة الأمر، إذ بحسب (مؤتمر الأمم المتحدة عن التجارة والتنمية) unctad فإنه من كّل دولار ينتج في المناطق المحتلّة يعود ما نسبته 45%إلي (إسرائيل)…إشارة هيئة تحرير مجلّة الآداب إلي وصول مقالة الدكتورة الكرمي قبل يوم من فوز حماس، تنبيه للقارئ، ورّد علي دعوات الحرص من منتفعي السلطة (الأوسلويين)، وتهديدات الدول المانحة بقطع المساعدات، هذه التي وعّتنا بخلفياتها، ومخاطرها، وأمراضها الدكتورة الكرمي، والتي ستضع حماس، وكل وطني فلسطيني، وكل مثقف ثوري حقيقي أمام مسؤوليّاته متسلّحاً بمعلومات دقيقة تفضح عمليات التخريب المنظّم لمجتمعنا، وثقافتنا، والانحياز التمويلي الغربي الذي يغطّي جرائم الاحتلال ويريحه من تحمّل تبعات احتلاله!.تصف الدكتورة الكرمي جهود المانحين: أقول إن جهود المانحين تلك ليست كلبيّة فقط، بل ولا أخلاقيّة أيضاً!.في مقالتها الشجاعة، والعلميّة، والمستندة إلي خبرة ميدانيّة، تكتب: إن الساسة الغربيين بتركيزهم علي الانتخابات الفلسطينيّة مثلاً دون النظر إلي (سياسات إسرائيل)، يتهرّبون من مسؤولياتهم، والأسوأ من ذلك أنهم يبعدون الفلسطينيين عن نضالهم الوطني، ذلك أن المعونات الدوليّة توجّه الفلسطينيين إلي التركيز علي التعامل مع مشاكلهم اليوميّة، وخاصة تلك الناجمة عن منع تنقّلهم داخل فلسطين، بدلاً من أن يتوجهوا إلي النضال ضد النظام المسؤول عن حال التفتت الشامل لمجتمعهم، وهذا الأمر لن يؤدّي إلاّ إلي مساعدة (إسرائيل) علي فرض شروطها النهائيّة عليهم.هذه المقالة الشجاعة تضع كل مثقف، أكاديميّاً كان أم مبدعاً، أمام ضميره، أمام دوره تجاه مجتمعه، ووطنه، وأمته، وإنسانيته. هذه المقالة دحض لكل تلفيقات المتبجحين بمصطلح (المجتمع الدولي)، والتخويف من قطع المساعدات والدعم الخارجي بحجّة الحرص علي (حياة) شعبنا، فمن يقرأ ويعي سيتسلح بهذه المعلومات المستخلصة من تجربة الباحثة العيانيّة.إذا كانت الجهات غير الحكوميّة تسرق باحثينا، ومفكرينا ومثقفينا ـ إلاً من عصم ربّك ـ وتفقر الوعي الفلسطيني، وتتوغّل في تلافيف عقولنا، وتنتج لنا مثقفين وباحثين خدماتيين يؤجّرون (قوّة) عقولهم، يبيعون جهودهم المعرفيّة، يتاجرون ببضاعة هي من صلب ممتلكات شعبنا، وأدق أسراره وخصائصه، فما العمل؟!أحد أهّم واجبات الوزارة الفلسطينيّة القادمة ـ وزارة حماس ومن سيتوافق معها وطنيّاً ـ توعية الشعب الفلسطيني بخلفيات التمويل الأجنبي وأدواته الفلسطينيّة، وتغطيته لجرائم الاحتلال التدميريّة، ونفاق الجهات المانحة التي (ترمم) بدلاً من اتخاذ مواقف حازمة تدين الاحتلال، وتحمّله تكلفة جرائمه ماديّاً، وسياسيّاً، وأخلاقيّاً…لا بدّ من التصدّي لسياسة إفساد الشريحة الثقافيّة الفلسطينيّة، وتحويلها إلي أفراد منتفعين، همّهم مكاسبهم الذاتيّة البائسة والتي هي رشاوي، وتوظيفهم في عمل يوشك أن يكون استخباريّاً ـ تقديم تقارير توصف بأنها دراسات عن كل جوانب حياة شعبنا، وانتماءاته، واتجاهات الرأي فيه، ومكوناته الاجتماعية، وعاداته، وتقاليده، وما يؤثّر فيه ـ ناهيك عن توظيف هذه الشريحة للقيام بدور إحباطي وطنيّاً وسياسيّاً، بالترويّج للمزيد من التنازلات، واعتبار كل فعل ثوري مسلّح يستهدف الاحتلال فعلاً ضّاراً (يفقدنا) دعم وتعاطف (المجتمع الدولي)! شعبنا الفلسطيني في الضفّة والقطاع، في الانتخابات التشريعيّة، قام بفعل ثوري تصحيحي، دون تنظير، مستنداً إلي معاناته وخبراته، ولا بدّ من استكمال هذا الفعل بتطهير حياتنا من الفساد بكّل مظاهره وتجليّاته. ما كتبته الدكتورة الكرمي هو سلاح فكري نفضح به الانحياز الأمريكي والأوربي للاحتلال الإسرائيلي.انحياز المثقفــــين لشعبــــهم يبدأ من فضح صناعة (العطف) الأوربية ـ الأمريكيّة، والتمويل التخريبي، فنحن لسنا شعباً من المتسولين… هذا واجبنا، وهو ليس ترفاً، وهناك فرصة لاستثمار فوز (حماس) في فضحه، وإنهاء بضاعته الفاسدة (المسممّة)…0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية