شهادة مجروحة

حجم الخط
0

حكمت النوايسةيقول العرب: فلان شهادته مجروحة لأنّه ليس خليّ الشهوة، وهذا القول لمن أراد أن يشهد على قريب أو حبيب، فماذا نقول في من يشهد على نفسه، وهي أمّارة بالعجب، قوّادة من كل صبب إلى خبب؟ ما ذا يقول متحري الصدق والدقّة إلا أن يقول لكم إن شهادته مجروحة، بل مفضوحة، في عالم لم يعد يخفى فيه شيء، يمارس بفضحه ووضوحه أعتى فنون الإخفاء.سأقول إنني جريح رئم، وقتيل أمّة، وطريح رهان لم يجد مضمارا.سأقول إنني أتيت العجب، وقاربت الأعجب، وأعجبت المعجب.وسأقول إنني أنهضت الريح لتزور القرى، وحجبت الليل لكي تنهض وردة، وأجّلت الصبح لكي ترضع كلبةٌ صغارها..وسأقول، والكلام على عاتقي مرسل، ومن شليلي يتدفّق ويرشل، كلَّ ما أريد أن أقول، ولا أحد يمنعني من حديث شاب تغرّب، وشايب مات مجايلوه.إنّني شاهد لم ير شيئا، وحاضر لم يفهم طيّا، وراشد لم يدع غيّا، وناسك لم يترك خفيّا، وممسك لم يترك مطويّا، ومفرّط لم يملك أيّا.وعلى هذا، وبه، أقرّ وأشهد أنني لست أنا، وأن هذا الذي في هذا ليس سوى ذاك، وأنّ ذاك الذي أنتبذه هناك ليس فيه من ذاك شيئا… هذا أوضح ما لدي في هذه الشهادة.سأحدّثكم عن ذلك الذي ولد في العام ألف وتسعمئة وأربعة وستين، وعاش حياة عادية جدا، في زمان عادي جدا، ثم كبر، ورأى كثيرا مما يميت ولم يمت، فتح قلبه على فلسطين تلحق بفلسطين، ثمّ رأى الكرامة، ثمّ رأى حرب التحريك، رأى مجزرة صبرا وشاتيلا، ثمّ خاض معركة الأمة على الأمل، ثم رأى بغداد تنتصر، ثم رأى بغداد لا تنتصر، ثمّ رأى كلّ ما قرأ عنه في الكتب عن غزو المغول، وحرق العقول، ولم يمت، ثم رأى التسابق في الشرف والتشارف يتحول إلى تسابق في الخسّة والتخاسس، ولم يمت، ثم ها هو الآن، يجلس بينكم ويقول كلاما عن نفسه، لأنّه لم يمت، ويقول:إنني لست قادرا على الشهادة على الشعر، لأنني لو أردت الشهادة عن الشعر فإنني سأشهد شهادة من لم ير شيئا، ولم يلمس شيئا، ولم يراوض جسدا، ولم يكشف مخبوءا… لأنني لا أعرف ما الذي يجعل المتنبي شاعرا في الوقت الذي يكون فيه المعري شاعرا ويكونان شاعرين في الوقت الذي يكون فيه البحتري شاعرا… وإذا كان محمود درويش شاعرا فماذا يكون عبدالرزاق عبدالواحد، وإذا كان هذان شاعرين فماذا يكون أمجد ناصر..وطاهر رياض وزهير أبو شايب ويوسف أبو لوز… سأصل إلي وأقول، ماذا أكون وجيلي من نبت شيطاني: زياد العناني، علي العامري وباسل رفايعة وغازي الذيبة وعاطف الفراية ومهند ساري ومحمد عبيد الله وأحمد الحشوش وماجد المجالي.سأقول إنني كنت أكتب مشاعري، وما يفرّج همي وغمي، عندما تكون الكتابة الملاذ الأخير، وعندما تكون الكتابة مقاومة ليست عبثية، أي ليست تلك المقاومة التي تشبه لعبة القط والفار..عندما تلتبس المسارب أكتب، وعندما أجوع أكتب، وعندما أشتهي أكتب، وعندما أكون في أحس حال أكتب، وهنا أكتب لأن هناك خللا ما لا يعرفه أحد ولا أعرفه، وهنا يجب أن أكون نكداطريقي الشر أو الشعر، وهنا أو هناك، أنا شاهد زور، وما ثمّ سوى غيمة صيفية عبرت، وكنت أظنّها لا تعبر.وهنا، أنا ، والآن، وهنا، وهمٌ لا أدري كيف يمكن أن أقول لكم ما هو.. هذا الذي ولد في العام 1964، وما زال على قيد الحياة، ورأى كلّ ما رأى وما زال على قيد الحياة..إنني أدرك تماما أن ثمّة بلاهة وغباء يختبئان في أحد جيناتي، وهما، بارك الله فيهما، المسؤولان عن وجودي بينكم، حيا، وأحاول أن أكذب.شهادة قدمها الشاعر في ندوة أقامها منتدى الرواد الكبار حول تجربته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية