الناصرة ـ «القدس العربي»: عبثا تحاول الإدارة الأمريكية تجميل دعمها الكامل لإسرائيل في حربها على غزة المستمرة منذ شهرين بعناوين إنسانية.
في هذا الإطار وحده يمكن فهم «الضغوط» التي تمارسها واشنطن على إسرائيل من أجل زيادة عدد شاحنات الوقود إلى القطاع المنكوب من شاحنتين إلى أربع، وهي تنطلق من أهداف سياسية وليس إنسانية، في محاولة للحدّ من الضغوط الداخلية التي تواجهها إدارة بايدن، ولتحسين صورتها في العالم التي تضررت بسبب دعمها المطلق لحرب هي الأطول والأكثر دموية وبشاعة في تاريخ إسرائيل.
من دون هذا الدعم الأمريكي ما كانت إسرائيل قادرة على إدارة حرب استخدمت فيها حتى الآن أكثر من 40 ألف طن من المتفجرات و100 ألف قذيفة مدفعية على قطاع غزة الذي تشكّل مساحته 2% فقط من مساحة فلسطين التاريخية.
الدعم الأمريكي لإسرائيل ليس جديدا، فهو تعبير عن شراكة استراتيجية ممتدة منذ عقود، لكن الدعم في الحرب الحالية تحرّكه اعتبارات شخصية لدى الرئيس جو بايدن، فحركة «حماس» بدا أنها تسقط مخططا بدا وشيكا ومهما لحساباته الانتخابية وهو ضمّ السعودية الى دائرة التطبيع عشية انتخابات الرئاسة في نهاية العام المقبل.
والتسريبات الأمريكية والإسرائيلية بشأن التوتر بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية ينطوي على مبالغات ورغبة بصرف النظر عن الدعم السخي للحرب من قبل واشنطن ومن قبل بايدن الذي زار البلاد بنفسه وشارك في اجتماعات مجلس وزراء الحرب الإسرائيلي، وحذا حذوه مسؤولون امريكيون آخرون.
في المقابل تتفهم حكومة الاحتلال حاجة الإدارة الأمريكية لمثل هذه الخطوات الأقرب للعلاقات العامة، وللتظاهر بالتزام القانون الدولي.
والتسريبات عن ضغوط بايدن تلبي حاجة سياسية إسرائيلية داخلية تتمثل برغبة نتنياهو بإقناع الوزراء الأكثر تطرفا في حكومته (سموتريتش وبن غفير) المعارضين لموقف الإدارة الأمريكية بزيادة حجم المساعدات الإنسانية، والرافضين لإدخال الوقود والدواء، وكذلك تعكس رغبته بالحفاظ على ائتلافه الحاكم بالزعم أن تلبية لمطالب وضغوط البيت الأبيض حيوية لـمواصلة التوغّل البري والمضي في الحرب حتى تحقيق أهدافها.
الحد الأدنى
وقرّر مجلس الحرب الإسرائيلي المصغّر إدخال «الحد الأدنى» من المساعدات الإنسانية من دون تحديد الكمية، كي يحتفظ لنفسه بالقدرة على اتخاذ قرارات جدية دون العودة الى المجلس الوزاري الموسّع، فيما قال وزراء بارزون في حكومة الاحتلال إن تغير الموقف الرافض لإدخال قطرة وقود كما كان في بداية الحرب ينم عن رغبة بالحصول على موافقة أمريكية بالتوّغل في جنوب القطاع المزدحم سكانيا.
«ملفّ الوقود» حملة علاقات عامة أمريكية وتعمية عن الحقيقة
وصادق المجلس الوزاري الموسّع (المجلس الأمني- السياسي) على توصية مجلس الحرب المصغّر بزيادة الحد الأدنى للوقود، لكن الوزيرين بن غفير وسموتريتش صوتّا ضد القرار. وطبقا لمصادر صحافية إسرائيلية، فالحديث يدور عن زيادة كمية الوقود من 60 ألف لتر في اليوم (شاحنتان) إلى 120 ألف لتر في اليوم (أربع شاحنات).
وأوضح موقع «والا» الإخباري أن وزير الأمن القومي ايتمار بن غفير قال محتجا خلال اجتماع المجلس الوزاري ليلة أمس الأول إن الوقود يخدم حركة حماس، وتساءل «قلنا قبل أسابيع إننا لن نسمح بدخول قطرة وقود وفجأة نغيّر الخط الأحمر؟ من أجل الانتصار على حماس والإرهاب نحن ملزمون بالتحرّر من العقيدة التقليدية التي فشلت».
كما قال وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر خلال اجتماع المجلس الوزاري إن القرار بإدخال كمية أكبر من الوقود «حيوي جدا» كي تتمكن إسرائيل من مواصلة الحصول على الدعم الأمريكي للعمليات في جنوب القطاع. وفي نطاق هذا النقاش الإسرائيلي المعلن أشارت القناة 12 العبرية إلى أن وزير الأمن يوآف غالانت طلب أن يكون إدخال الوقود الى القطاع متدّرجا على أن يُشرط في النهاية بزيارة الصليب الأحمر ولقاء الأسرى الإسرائيليين.
وانضم رئيس حكومة الاحتلال السابق نفتالي بينيت إلى معارضي القرار، واعتبر أنه ينطوي على خطأ فادح، وزعم أن الوقود يزود حماس بالطاقة والأوكسجين فيما يقبع الأسرى الإسرائيليون في ظروف صعبة.
دعوات متزايدة لوقف الحرب
وتتفاوت التقديرات الإسرائيلية حول طول الحرب واحتمالات تحقيق أهدافها العالية المتناقضة، وسط دعوات متزايدة لتأجيلها ريثما تتم استعادة كافة الأسرى الإسرائيليين من غزة.
منذ البدايات أجمع الإسرائيليون على ضرورة شن الحرب على غزة للانتقام ومسح عار السابع من أكتوبر واستعادة الأسرى، ولكنهم اليوم منقسمون حيالها.
ويتطرق المعلق السياسي للقناة 12 العبرية نداف أيال إلى استطلاعين لم ينشرا بعد، وفيهما تؤيد أغلبية من الإسرائيليين، وللمرة الأولى، صفقة تبادل كبيرة حتى بثمن وقف الحرب الآن، وقبل قبل تحقيق أهدافها المعلنة، فيرى أن الاستطلاعات قد تكون غير دقيقة، وأن قناعات الإسرائيليين حيال الحرب متذبذبة، «لكن المؤكد أن الإجماع على الحرب بات أقل تماسكا من الماضي بعد شهرين من الحرب المكلفة إسرائيليا أيضا».
وانضم الجنرال في الاحتياط نوعم تيبون الى عدد من الجهات الإسرائيلية الداعية لإنقاذ الأسرى قبل فوات الأوان وحتى بثمن وقف الحرب، فقال إن الباب يبقى دائما مفتوحا للعودة للقتال. وموقف تيبون يتسق مع مواقف جنرالات في الاحتياط من أبرزهم الرئيس الأسبق للموساد تامير باردو الذي حذّر قبل أيام من خطورة إبقاء الأسرى في غزة خصوصا أن القصف الإسرائيلي يهدد حياتهم، وهو ما كانت أشارت إليه حركة حماس أيضا قبل أسابيع.
ورغم محاولات الإسكات والتضليل تتجه عائلات الأسرى الإسرائيليين لتصعيد الضغط على حكومة الاحتلال لوقف الحرب واعتبار أن استمرارها لا يقرّب عودتهم، بل يهدد حياتهم، بعكس الرواية الإسرائيلية الرسمية، كما شكّكت العائلات بنوايا نتنياهو الذي تشتبه دوائر داخلية وأمريكية بأنه يسعى إلى خلط الحسابات وإطالة أمد الحرب ليبعد عنه يوم الحساب الذي ينتظره.
ومن غير المستبعد أن تناصر الصحافة العبرية عائلات الأسرى مجددا كما حصل عشية الهدن وعمليات التبادل السابقة، فهي تتجاهل تقريبا جرائم الحرب داخل القطاع، لكنها بدأت تقدم أكثر من الماضي على طرح تساؤلات عن جدوى الحرب وصحة أولوياتها بعد وقف مفاوضات تبادل الأسرى. وربما تتزايد أعداد الإسرائيليين المؤيدين لموقف العائلات الداعي لوقف الحرب الآن خاصة في حال زاد عدد الجنود القتلى والمصابين، وفي حال بدت مؤشّرات باحتمال تورط الغزاة في أوحال غزة وفي حرب استنزاف طويلة ومكلفة. وهذا ما لمّحت له صحيفة «يديعوت أحرونوت» أمس بقولها إنه لا تبدو في الأفق نهاية للحرب. وتأتي في الإطار نفسه تصريحات الإذاعي البارز في الإذاعة العبرية الرسمية ارييه غولان الذي قال أمس: «اعتقد أننا سننتصر في نهاية المطاف لكننا اليوم لا نرى نهاية الحرب ونهاية ضيف وسنوار وعودة الأسرى من غزة.. وحتى تأتي النهاية يبدو أن وجعا كبيرا ينتظرنا».
وشكّك المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس» عاموس هارئيل باحتمالات نجاح الحرب، متوقعا أن تتيح الولايات المتحدة لإسرائيل مواصلة الحرب لمدة شهر إضافي، و«ربما أكثر قليلا».
ويتزامن هذا النقاش مع تزايد العدد المعلن رسميا للقتلى والمصابين في صفوف جيش الاحتلال حيث أعلن أمس عن مقتل جنديين إضافيين بعد إعلان مقتل عشرة جنود أمس الأول. وكشف موقع «واينت» الأربعاء عن وجود 300 جندي إسرائيلي جريح في مستشفى واحد فقط – مستشفى تل هشومير والكثير منهم إصابته بالغة نتيجة استخدام صواريخ فلسطينية مضادة للدروع. كما كشف «واينت» أن الجنود الإسرائيليين اصطدموا أمس الأول داخل الشجاعية بخمسين عملية مقاومة، وخسر 200 من جنوده من دون أن يشير الى عدد الإصابات في الجيش الإسرائيلي، علما أن هذا يعلن عن خسائره بالقطارة وبالتدريج.
وينقل «واينت» عن مصادر عسكرية قولها إن القتال الضاري في الشجاعية سيطول أياما كثيرة.
حماس ضلّلت الاحتلال
وبعد شهرين على عملية «طوفان الأقصى» ما زالت إسرائيل منشغلة بدراسة تداعياتها وأسبابها، وبالتساؤلات عن نجاح حماس بالحصول على معلومات في غاية الحساسية مسبقا. وفي هذا السياق قالت اللواء في الاحتياط ميري آيزين لـ «واشنطن بوست» إن المظاهرات الحدودية طيلة الأسابيع قبيل السابع من أكتوبر هي الأخرى جزء من عملية التخدير التي قامت بها حماس وبواسطتها رغبت بتطبيع مشهد وجود الغزيين في المناطق الحدودية، لافتة الى أن الجهات الإسرائيلية المعنية كانت موجهة لخطر الاقتحام من جهة جنوب لبنان نحو الجليل.