شهر عسل على حدود “كورونا”: كيف يفسر التعاون بين فلسطينيي شرقي القدس وبلدية المدينة في مواجهة الوباء؟

حجم الخط
0

عشية عيد الاستقلال توجه موشيه ليئون إلى سلاح الجو وطلب منه خط الطيران التكريمي الخاص برجال الطب ليمر أيضاً فوق مستشفى سانت جوزيف في الشيخ جراح. المستشفى الوحيد في شرقي القدس الذي فتح قسماً لكورونا. وفي اليوم التالي عندما انتهى الطيران فوق “هداسا” و”شعاري تصيدق” واصلت الطائرات تحليقها نحو الشرق. “هذا حدث تاريخي ومثير للانفعال، ويرمز إلى الوحدة أمام فيروس كورونا”، صرح رئيس البلدية. وفي الأيام التي يتحول فيها الاستثنائي إلى عادي، فإن تكريم سرب من الطائرات العسكرية لمستشفى فلسطيني يعدّ حدثاً ليس له شبيه. في المستشفى وشرقي القدس استقبلت هذه المبادرة لحسن النية بصورة إيجابية. “للمرة الأولى يعترفون بنا، هذا مبعث فخر لنا”، قال مدير “سانت جوزيف”، جميل كوسا، وأضاف بابتسامة: “ليت كل الأعوام كورونا”.

بعد يومين على العيد شوهد في شرقي القدس مشهد غريب، ثمة جنود من الجبهة الداخلية يرتدون الزي العسكري ولكن أغلبيتهم بدون سلاح هذه المرة، أنزلوا صناديق من الطعام في حي الطور. الشرطيان اللذان رافقاهم بقيا واقفين بدون عمل. ورئيس البلدية حضر يرافقه حارس وحيد، وأعلن: “لن يجوع أحد في شرقي المدينة”.

يبدو أن أزمة كورونا افتتحت شهر عسل بين سكان شرقي القدس والسلطات الإسرائيلية، وفي المقام الأول البلدية. نشطاء فلسطينيون ورئيس البلدية يتحدثون عن تعاون وطيد وناجع، وممثلو الطرفين التقوا بصورة دائمة عدة مرات هذا الأسبوع.

البلدية توزع آلاف سلات الغذاء للمحتاجين في شرقي القدس بمساعدة متطوعين محليين، وتعمل مع الجبهة الداخلية لحل المشكلات بكل ما يتعلق بالفحوصات والعزل ومعالجة المرضى في المنطقة.

أحد جوانب شهر العسل هذا هو المجتمع المدني الفلسطيني. كل من يعنيهم الأمر يوافقون على أن التغيير لم يكن ليحدث لولا الانتظام الاستثنائي لنشطاء في شرقي القدس. في معظم الأحياء تشكلت لجان عمل ناجعة قامت بتطبيق الإغلاق وقدمت المساعدة للمحتاجين واهتمت بعزل المرضى. وشكلت، إلى جانب لجان الأحياء، عشرات المنظمات “التجمع المقدسي لمحاربة كورونا”، التي تنسق الدعاية والمساعدة في الأحياء. ذروة نشاط التجمع كان فتح فندق عزل لسكان شرقي القدس بتمويل من رجال أعمال فلسطينيين. بعد فترة تكيف قصيرة بدأت قيادة الجبهة الداخلية بالتعاون مع المبادرة ونقلت إلى هذا المستشفى معزولين مباشرة من المطار، وهي عملية تطلبت تنسيقاً معقداً مع وزارة الصحة التي لم تعرف عن الفندق.

ولرئيس البلدية دور رئيسي في هذه التطورات، فلم تكن هذه هي المرة الأولى التي يفاجئ فيها ليئون الناس، وهو رجل يمين واضح يقف على رأس تحالف حريدي – متدينين وطنيين – سكان شرقي القدس، إنما كانت المرة السابقة عندما جاء لزيارة الطفل مالك عيسى من العيسوية في المستشفى، الذي فقد عينه من إصابة برصاصة مطاطية أطلقها شرطي، أما إعلانه تجميد هدم البيوت في العيسوية من أجل بلورة خطة هيكلية للحي كان مفاجأة إيجابية أيضاً.

نشطاء في المدينة يعزون ذلك بالضبط إلى أن يمينية ليئون ليست محل شك: خلافاً لسلفه نير بركات، فهو غير مطلوب منه أن يعرض أي نشاط في شرقي القدس كتعزيز للسيادة الإسرائيلية وتلوينها بألوان سياسية. “ليئون رجل تنفيذي، وليس رجل كلمات كبيرة أو رؤية”، قال أفيف تترسكي الباحث في جمعية “عير عاميم” الذي يتابع منذ سنوات شبكة العلاقات بين الفلسطينيين والبلدية. “هذا ما يجب فعله بشأن كورونا، وبسببه أيضاً الأمر ناجح”.

في الأسابيع الأخيرة يحظى ليئون بالتشجيع الأكبر الذي يمكن للسكان الفلسطينيين القدامى في المدينة أن يعطوه له: مقارنته بتيدي كوليك، الذي يذكره العديد منهم كآخر رئيس للبلدية اهتم بهم. “نحن في بداية فترة جديدة”، قال داود صيام، ناشط اجتماعي من سلوان. “إذا قمنا باستغلال ذلك فهذا سيكون أفضل من تيدي كوليك. ليئون يتحدث مع الناس في العيون، لا تهمه السياسة. آمل أن يستمر هذا حتى بعد كورونا”.

هاني غيث هو مدير المركز الثقافي في حي سلوان والطور ورأس العامود، وناشط سابق في تنظيم (فتح) وابن عم عدنان غيث (محافظ القدس الذين عينته السلطة الفلسطينية واعتقل الشرطة في السنة الأخيرة تسع مراتعلى الأقل بتهمة عمله في حدود المدينة خلافاً للقانون). “جزء من الأشخاص غاضبون (على التعاون مع البلدية) ولكنهم يعرفون أن هدفي هو مساعدة الناس، وسابقاً لم أنجح في المساعدة”، قال غيث. “هذا لا يعني أننا لسنا فلسطينيين، بل نحن كذلك وهذا لن يتغير، ولكننا علينا في هذه الأثناء أن نستند إلى المؤسسة الإسرائيلية”.

نشطاء فلسطينيون يتساءلون هل ستظهر الروح الإيجابية أيضاً في معالجة المشكلات الكبرى حقاً لشرقي القدس مثل الخطط الهيكلية وتراخيص البناء ومكافحة الفقر الذي سيضرب شرقي المدينة. تحفظات أخرى تتعلق بالتزام ليئون لليمين والأصوليين. في الأيام القريبة القادمة، من المتوقع أن يتم تعيين عضو المجلس آريه كينغ، وهو ناشط في تهويد شرقي القدس وكان مرشحاً للكنيست من قبل “العظمة لإسرائيل”، أن يتعين كنائب لرئيس البلدية، وفي الأسبوع الماضي أوصت لجنة التخطيط البلدية بإقامة حي يهودي جديد في قلب حي بيت حنينا الفلسطيني.

انتقاد آخر يتعلق بالتجاهل شبه المطلق للبلدية والسلطات الأخرى للأحياء التي تقع خلف جدار الفصل، خاصة كفر عقب الذي يقع خلف حاجز قلندية، هذه القرية هي جزء من القدس، ولكن عضو لجنة مكافحة كورونا المحلية سميح أبو ارميلة قال: “البلدية تنصلت من كل مسؤولية. ليس هناك نظافة وليس هناك نقطة فحص داخل القرية ولا يوجد أحد مسؤول عن التعليم في المدارس غير الرسمية، وليس هناك من يشرف على إغلاق المحلات”.

بيانات الإصابة في شرقي القدس مشجعة في هذه الأثناء، مقارنة مع ما يحدث في الأحياء المتدينة في المدينة أو سيناريوهات الرعب منذ بداية التفشي. وزارة الصحة تقدر بأن في الأحياء الفلسطينية حوالي 150 مريضاً معظمهم في حالة بسيطة، والعديد منهم أصيبوا أثناء عملهم في المستشفيات أو في دور المسنين. حتى الآن توفي في المنطقة امرأتان. التفسير الرئيسي للفجوة بين شطري المدينة هو الانضباط الذاتي الذي أظهره سكان شرقي القدس. وحسب أقوال دكتور سامر عوار من لجنة الأطباء في سلوان، فقد ساهم في ذلك بالتحديد حقيقة أن جزءاً كبيراً من عائلات شرقي القدس تسكن أجيال مختلفة في نفس المبنى..”الناس يخافون على شيوخهم، وهذا ساعدنا على نقل رسالة المكوث في البيت”، قال يوم الخميس في نقاش بادرت إليه منظمة “0202”.

“في أعقاب مواجهة كورونا سيكون على البلدية إبداء التزام أكثر برفاه سكان شرقي القدس، وهذا سيقتضي تغييراً حقيقياً في السياسة، مثلاً: في مجال التخطيط والبناء وفي الأحياء التي تقع خلف الجدار”، قال تترسكي. “لن يستقبل هذا بمباركة جميع المؤسسة الإسرائيلية، أما في أوساط الفلسطينيين فسيكون هناك من يباركون وهناك من يعتقدون أن هذا جاء على حساب هويتهم الوطنية. هذا التوتر سيؤثر على مستقبل العلاقات بين المجموعات المقدسية، وبينها وبين البلدية.

“أفضلية كورونا أن الفيروس غير مرتبط بالنزاع، وبالإمكان محاربته بصورة خالية من السياسة”، قال دكتور حاجي امنون شمير، مدير المركز متعدد الثقافات في القدس، الذي يساعد في خلق العلاقات بين السلطات ومنظمات المجتمع المدني الفلسطيني. “نرى توجهاً فيه تلك الرؤية المنحازة القديمة التي تقول إن شرقي القدس مكون من قرى وعائلات ووجهاء ومنظمات فلسطينية معادية، تتغير برؤية جديدة عن شرقي المدينة كمكان فيه مجتمع مدني فعال، أصحاب مهن حرة ورجال طب، بالضبط مثلما هو في غربي المدينة. هذا لا يعني أن الواقع القديم اختفى، بل موجود، ولكن النظارات التي ترى مجتمعاً مدنياً يمكنها أن ترى أيضاً أبعد من ذلك”.

بقلمنير حسون

هآرتس 3/5/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية