في روايتها سجاد عجمي تكتب الروائية السورية مدينتها المنذورة للخراب بتقيّة عالية تذهب فيها إلى تأريخ متخيل، تستمدّ عناصره الأولى من نثارات شحيحة في كتب التاريخ، وتبني عليه عمراناً جمالياً ممتعاً.
كان في إمكانها أن تذهب مذهب الأفغاني خالد حسيني في روايتيه عداء الطائرة الورقية و ألف شمس منتصرة، وهو يصوّر مآلات الحياة الجديدة في أفغانستان بعدما دمّرت «حروب الآخرين» المدنية الرائعة التي تمتعت بها البلاد طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولكن العجيلي آثرت أن تقف على أعتاب الحرب، و تقدّم رؤياها من خلال استعارة فضاء زمني بعيد، في تقنية لجأ إليها كثير من الروائيين والمسرحيين العرب لتمرير مقولاتهم ومواقفهم التي يصعب عليهم التصريح بها كتوترات القبطي لأمير تاج السرّ مثالاً.
تأخذ الرقة مكانتها في التاريخ الإسلامي مبكّراً، ففي قربها حدثت أهمّ معركة فاصلة في تحديد شكل الدولة الإسلامية، حين تقابل جيشا عليّ ومعاوية رضي الله عنهما في صفّين، وعلى إثرها يميل الثقل المركزي نحو الغرب قرابة قرن كامل حيث دمشق الأمويّة، بالرغم من تمدّد العراق نحو الشرق بفضل الفتوحات المتلاحقة، وتقترب فيها الرقّة عبر الرصافة من اهتمام بني أميّة منذ هشام بن عبد الملك. وحين تولّي الزعامة شطر المشرق لقرابة خمسة قرون في يد بني العبّاس، تجد الرقّة فرصة للازدهار حين يتخذها الرشيد مقراً يصطاف به، ويتخذه مقراً ومنطلقاً لحملاته ضد الروم.
تقترب العجيلي من التاريخي لتكتب قصتها المعاصرة، تذهب إلى الحجارة والناس و الطبيعة وتبني فضاء متخيلاً بحذر، تهرب فيه من نقاط العلاّم المركزية فلا حديث عن عمار بن ياسر الصحابي مثلاً، ولا عن بيت شعر لربيعة الرقيّ ابن المدينة، ولا عن أعلام الصحابة والتابعين في المدينة، العجيلي تذهب إلى المتخيّل، وترسم روايتها بين فضاءين؛ فضاء الرواية التاريخية التي تبني حكايتها على تخومها، وفضاء الفانتازيا التي برع فيها السوريون منذ عام 1994 ولكن على صعيد الدراما، فالمجال الزمني غائم مضبّب، يتمدّد على خيط تاريخي من أواخر حكم الأمويين إلى أواخر حكم العباسيين، تريد الروائية من ذلك أن تنتصر للجمال الذي يمرّ بالمدينة مرور الفرات العابر، فلا هي أرض المنبع ولا هي أرض المصبّ كما جاء في ثنيات العمل.
الرقة بحجارة مبانيها الملوّنة، بأشجارها وورودها، ودوابّها وطيورها، بحاراتها وجسورها، في فضاء مكاني مركزه الرقة وتتناثر على حدوده دمشق وبغداد ونصيبين وميافارقين والرها، الرقة التي تدرك عبر أهلها أنها لا تحدث تغييراً في الحياة السياسية التي تتصارع حولها قوّتان، يلخصهما قول الشاعر:
أرى الشام تكره ملك العراق وأهل العراق لها كارهونا
ولهذا فإن أهلها زاهدون في حياة العسكر والسياسيين بفضل ريوع أراضيهم وفضول تجارتهم، ومكاسب أعمالهم من صناعة الخزف، وصناعة السجاد، وتربية الخيل وغير ذلك.
في رواية «سجاد عجمي» تسطو على السرد عصبة نسوية لطيفة، وجدن تعاطفاً من شهلا العجيلي شهرزاد الحكي التي رسمت حكايات غارقة في الشعرية تنتمي لألف ليلة جديدة، حيث الغناء والشعر والشراب، و فنون حياكة السجّاد والخزف والخطّ والنسخ وتربية الخيول، فنحن أمام رواية مثقفين أو «الخاصّة « المجتمع العربي القديم، ثمة بغداد صغيرة غارقة في الفتنة بفتياتها و صباباتها ومكائد الصدود والإعراض، لكنّ الجميع يهجر المدينة وقد فوجئوا بالخراب إثر الفتنة التي أحدثتها حزازات الماضي الذي يهيمن دائماً في العقل العربي بحسب الجابري.
لبابة وخود وريّا، ثلاثة وجوه تهيمن على السرد، بطلات العجيلي الغارقات في عالم الفنّ، فلبابة النسّاخة التي تركت المدينة شابّة إثر زواجها من نسّاخ تعود من بغداد بعد تجربة متعثّرة أثمرت عن طفل وزوج هارب، حيث أهلها في الرقّة، و خود التي يمنعها أهلها العمل كمعلمة للصبيان، فتجد في العزف والغناء سلواها وهي تعاني صدود ابن عمها عمر، في حين تعيش ريّا الخزّافة معاناتها بين حبيبها القديم حسن السعدي ذلك المولى الذي تزوّجته رغم أعراف القبيلة، ولكنّه جُنّ ليلة العرس بفعل فاعل، وحسن الأشجعي ابن عمها الذي تزوجت منه وأنجبت ولكنها لا تحبه أبداً، ثلاثة وجوه بحكايات مختلفة، تلتقي في المكان وتتقاطع مصائرهنّ في بؤرة زمكانية، عاشتها المدينة حيث يؤثر مزاج الوالي السيء في حياة المدينة الوادعة التي تركن إلى الدعة والهدوء، إذ ينبش أحداث صفّين التي وقعت جانب المدينة، ويحارب الملثّمين، يحارب المدينة بافتراض وجود مصحف الشيعة المعروف بمصحف فاطمة، رغم أن أهلها لا يفرّقون بين الصحابة بدليل أسمائهم : «حسن- عمر- سليمان- قيس…».
لكنّ الرواية لا تستغرق هذا العالَم المؤرّق، بل تهرب بأبطالها إلى مشهديات رائعة في وصف بيئة فراتية أثيرة؛ الأطعمة الشهية (ذكرتني بأطعمة ربيع جابر في دروز بلغراد) والألبسة وهي تفصّل لبطلاتها ثياباً تصلح لعروض الأزياء في ابتكارها لألبسة قديمة، ومشاهد فراتية على جانبي النهر حيث أشجار الفرات وطيور الفرات و جواسقه و أديرته المتناثرة، ومشاهد الغناء والاحتفالات الدينية المسيحية، لتشير إلى سلوكات جديدة حدثت في المدينة بعد أن هيمن التطرف على المدينة.
لا تحضر النقاشات المذهبية إلاّ في نطاق ضيّق حين يناقش القائد سعد المجنون حرز، نقاشاً يبدو خارجاً عن السياق العام للرواية. بل تذهب نحو أثر القمع و التمرّد العنيف اللذين أفسدا حياة الدعة، رغم أن العسكر الذين احتلّوا المدينة تغيرت أمزجتهم وتطبّعوا بالحياة المدنية، والنساء انجذبن إليهم حين تميل خود إلى حارثة وريّا إلى سعد، ما يشير إلى مقولة فاضل الربيعي في كتابه يوسف والبئر- الوقوع في هوى الغريب، حيث يرى الربيعي في قصة يوسف عليه السلام وزليخا أن ذلك موضوع تناولته العقائد والثقافات و الآداب القديمة، حيث الغريب موضوع قائم بذاته، ومادة للاكتشاف بسبب امتلاكه لسحره الخاص والخفيّ والغامض، جاذبيته الجنسية أو امتيازه الذي يكرّسه كآخر مفارِق.
ثلاث سيدات بتجارب متعثرة، مجبولات على فحوى الاتصال بحسب توصيف كارول جيليان إذ يولين الترابط اهتماماً كبيراً، على عكس ما يبدو في البطل الذكوري الذي إلى التأكيد على الانفصالية والاستقلالية -والكلام لجيليان- التي ترى أن المرأة تميل المرأة إلى تعريف ذاتها في سياق العلاقات مع الآخرين والتفاعل معهم. فلبانة تجد في قريبها سليمان ما يعوضها عن الزوج الهارب، بالرغم من زواجه من ديجور الفتاة الفارسية النحيفة، ويخيب أمل خود في صدّ ابن عمها عمر، وتجد في حبّ القائد حارثة لها، ما يعوّضها عن ذلك، ويستطيل صدود ريّا للقائد سعد، ولكنها تستجيب في النهاية لأنها وجدت نفسها مع رجل قويّ مهاب على غير حبيبها ثم زوجها اللذين كانا ليّني العريكة، قبل أن تهجره في المشهد الأخير بعدما دهست سنابك خيل القائد وجنوده حانوتها :» وهي ترقب الخزف الذي أفنت روحها وزمانها في شغله، يفنى بسنابك خيل آخر رجل أمكنها أن تحبه إلى الأبد».
تعتني شهلا العجيلي بلغتها كأستاذة جامعية تظهر في ثنايا الرواية وخاصة في الحوار، وتحضر هذه الثقافة بخاصة في توصيف عمل لبابة، في حين ترقّ لغتها أثناء الوصف؛ وصف المدينة المبنية من الطين المخبوز تظلله خضرة وارفة من الزيتون، والمناخ الصحراوي حيث :»يكتسي كل شيء مثل هذا النوء بالغبار فتشحب خضرة الربيع ويصفرّ الفرات..» دون أن تخطف الأحداثَ تلك الصياغةُ الشعرية والنثر الموحي والصور المكدّسة ولحظات التأمل، بحسب ما ذهب إليه شكري ماضي.
وعلى الرغم من انسيابية العمل الروائي وحيويته فإنه يقع في مطبّ الأدلجة حين تشير الكاتبة إلى الروم المتربّصين للأحداث الساخنة في المدينة في انتظار الفرصة السانحة مسقطة ما يجري في المتخيّل السردي على أحداث اليوم حيث تختلط الأوراق.
تؤكد العجيلي تعريفاً مشهوراً للثقافة في نهاية روايتها الفاجعة، وهي أن الثقافة هي ما يتبقى إذا ذهب كلّ شيء، حين تنزح بطلتها لبابة إلى طبرق مع التاجر عبدالرحمن الذي زار الرقّة المنكوبة والتقى الفتاة المفجوعة بابنها الغريق وحبيبها القالي ومدينتها المدمّرة، تنكب من جديد على النسخ في مدينة مطلّة على البحر، و تعيش ذكرياتها، وتشكر لزوجها هديته التي لايعرف قصتها معها، السجادة العجمية التي نسجها من أجلها حبيبها البعيد.
٭ كاتب سوري
عيسى الشيخ حسن