شهوة الأمكنة للمغربي مصطفى لغتيري

حجم الخط
0

شهوة الأمكنة هو العنوان الذي اختاره الكاتب مصطفى لغتيري لمؤلفه الجديد، الذي يدخل ضمن جنس «السيرة الروائية» وقد صدر عن منشورات غاليري الأدب في الدار البيضاء في 90 صفحة من الحجم المتوسط، ويبسط الكاتب في هذه الرواية الثامنة عشرة في مساره الإبداعي تفاصيل أماكن عايشها في حياته، وأثرت بعمق في نفسيته، وظل تأثيرها حاضرا إلى يومنا هذا. في هذه السيرة الروائية نصغي بكامل حواسنا إلى فضاءات ناطقة، تعبر عن مكنوناتها من خلال طفولة الكاتب وشبابه، فضاءات مفتوحة كالبحر والبادية ومدن قضى فيها بعضا من أيامه، فظلت ذكراها منغرسة في ذاته، وأخرى منغلقة كقاعات السينما وملاعب كرة القدم والحلقة، وغيرها.
ومن الفصل الأول لهذه الرواية نقرأ:
هكذا هي الأماكن زئبقية ومخاتلة. تفرض علينا سطوتها ولو بعد حين، ففي اللحظة التي يتملكنا فيها الوهم، ونعتقد بأننا شببنا عن الطوق، وتحررنا منها ومن سطوتها نهائيا، نكتشف فجأة أنها تسكننا كما سكناها في مرحلة ما من حياتنا، حذو النعل بالنعل. لهذا لم أعد أشك لحظة في أنها تشتاقنا بقدر ما نشتاقها، حتى وإن بدا لأعيننا العكس، حين ننظر إليها من مسافة بعيدة وبحياد تام، فتبدو لنا جامدة ولا حياة فيها. الحقيقة التي لا يكاد الشك يخالطها، أقصد الحقيقة التي أعتنقها وأومن بها، أن للأماكن ذاكرة تختزن الوجوه والمشاعر، وأفئدة خفية، تخفق كلما اشتد بها الشوق والحنين للناس الذين زاروها يوما، وربطوا معها وشائج من أي نوع. ربما لهذا السبب تبعث تلك الأماكن، في لحظات معينة، كيمياءها الخاصة عبر المسافات الطويلة، تقطع تلك الكيمياء الطرقات والشعاب والأجواء، تحركها طاقتها الذاتية الكامنة المتجددة، فلا يعتــــورها الضعف أو الملل، وحين تشرف علينا، ما تلبث أن تتسرب إلى دواخلـــنا لتحــرك فينا الرغبة في زيارتها، والالتحام بها بعد زمن الغياب، أو على الأقل نعيد حكايتنا معها. حكاية نلتذ بسردها شفاهة أو كتابة، أو نسترجعها في دواخلنا، كنسيم خفيف يداعب أهداب الوجود فينا، فنتلمظ حلاوتها، متمنين لو يستمر هذا الإحساس إلى ما لا نهاية، وحينما نفعل ذلك، يعود إلينا من بعيد، ذلك الشعور الغض، الطري، الذي شعرنا به يوما، وتعمق في ذواتنا ونحن نحيا في كنفها، فيغدو وكأنه ابن اللحظة الآنية، ينبثق فجأة من ثنايا العدم، ويضمخها بعطره الأخاذ. إنها لعبة أثيرة تتقنها الأمكنة وتمارسها بين حين وآخر، ونحن بعض من وسائلها في ممارستها تلك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية