شهوة الطريق ولذة العبور

حجم الخط
0

الطريق تُولّد المسافة، والمسافة تخلق الانتباه والدهشة.. هذه الدهشة التي تترصد الرحالة عند عتبة الخارج. ويبدأ الخارج لحظة انقداح شرارة المسافة النفسية. بهذا المعني تصبح الطريق مسلكا نحو الافتتان والغواية، ورمزا للتواصل والتعدد من طريق البصر والتبصر. فالطريق هو المسلك نحو استكشاف فضاء المغايرة من منظور معين. وفي الطريق تبدأ المغامرة.. مغامرة العين والحواس والاحاسيس. انها مغامرة العبور والاعتبار والتنقل في الفضاءات والازمنة.

الطريق توحي بالبداية والنهاية، وتومئ الي النقلة في المكان الذي يحمل زمانه، مثلما تشير الي الاتصال والانفصال، المألوف واللامألوف، القريب والبعيد، المعلوم والمجهول، المعتاد والمفاجيء. بمعني ان الطريق هي التي تتيح للمسافر فرصة الاحالة علي مكان الهناك، بعد ان يكون قد غادر ـ ولو نفسيا وليس وجدانيا ـ فضاء الهنا. ولا تتحقق صدمة اللقاء الا من عبور الطريق او من طريق العبور وهما وجهان لعملة واحدة، القصد من ورائهما العبور الي ضفاف المعني والمعرفة وتسلق تضاريس تأويل الرموز الثقافية الغيرية.

بدايةُ الطريق طرْقٌ وترقُّب وتعرُّف، ونهايتها تمثيل وتمثل. والطريق بقدر ما تعبرها بقدمك واِقدامك، تعبر بك الي ملاقي المعاني والرموز والدلالات.

الطريق توصلك ـ ان كنت من المتعجلين في السير، او من الذين يلوون اعناقهم نحو المعاني المطروحة في الطريق ـ الي تخوم الحكم المغرض او المطروق، وان كنت من المتأملين المتريثين ابلغتك حدائق الالفة والائتلاف، وفراديس الاختلاف والمعني الخصيب بالتطلعات الاَنَسية والكوسموبّوليتية.

ان تتبع مسالك الفضاء الخارجي وجغرافيات البَرّاني، استكشاف لمعالم الفضاء الباطني (الجوّاني) وجغرافية الروح الراحلة. وهذا يفيد ان الطريق توهم بان الرحلة سير خارجي في الظاهر، بينما هي ـ في العمق ـ سير داخلي وسفر في منعطفات النفس واعطاف الوجدان.. سفر يستبطن مكنونات الذات ودهاليزها السرية. وبهذا المعني يكون الطريق هو المسار نحو الانا حين يستهويها المسير نحو الغير او الآخر.

في بداية الطريق اكون واحدا، وعند نهايتها اصير متعددا ومتكاملا. انها مسلك باتجاه مضاعفة الذات واستكمال فجواتها الاونطولوجية.

الطريق مفتاح جدلية الباطن والخارج، الانا والآخر، الانا والغير، الهنا والهناك. ولولا الطريق لما تم التمكن من لمس المفارقة بين تجربة الداخل وتجربة الخارج، بين السكون والحركة، بين الثبات والتحول، بين الاقامة او الظَّعَن والسفر، بين رتابة الزمن وتقلبات الاحوال واحوال التقلبات. لكن هل طريق الذهاب هي طريق الاياب مهما تماثلت او اختلفت؟ انها ليست كذلك بحكم ان طريق الذهاب اشد اشراقا وتوهجا من طريق العودة التي تخبو جذوتها الدلالية بحكم كسل العين اللماحة وقد انهكتها واستنزفتها شراهة العبور الاول، فعوضتها باشواق معانقة الحبيب الاول: البلد المنطلق او بداية الطريق.. سدرة المنتهي ومَلقي عصا التسيار.

د. عبد النبي ذاكررسالة علي البريد الالكتروني6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية