قد لا يقف المشهد حقا عند حدود “تصرفات فردية”، بعد الآن، كما يشير بيان أصدرته السفارة التركية في العاصمة عمان، فالسلوكيات “المشينة” ضد أي شخص “لا يتحدث التركية”، أو يشتبه بأنه “سوري وعربي”، أصبحت ظاهرة، ونفيها بدبلوماسية لا يعالجها.
يعرف الأتراك ذلك جيدا، بدلالة أن النسخة المحلية من محطة “سي أن أن” استضافت أحد المحللين وأرسل رسالته الصاخبة بصيغة “العرب يدفعون المال لنا، وهم أصدقاؤنا وعلينا الانتباه”.
في حوارية مبثوثة عبر محطة إسمها “تورك 4” إقرار من خبراء ومراقبين أتراك أن التحرش بالعرب والاعتداء عليهم والتمييز ضدهم لم يعد حكرا على شوارع إسطنبول، بل ظهر في انطاليا طرابزون، وحتى مدينة أنقرة.
كيف يمكن التمييز بين سيدة أردنية وأخرى سورية ترتدي كل منهما “غطاء الرأس”؟
إحدى قريباتي كانت في حافلة تنقلها مع عائلتها من أنقره إلى مدينة أماسرة تعرضت للدفع من سيدة تركية كانت ترطن ضد السوريات.
وأحد الفتية، وهو من فلسطين رفض استلام مبلغ نقدي في إسطنبول أرسله والده مع قريب إلا داخل شقته، لأنه “خائف من ملاحقته كعربي”!
ثمة إعتداءات على طلبة وسياح ومراجعين وزوار عرب ارتفع معدلها ونقلتها مواقع التواصل، كما جرت.
ظاهرة غريبة
مقابل تلك الصورة ثمة أخرى لا تتحدث عنها الفضائيات.
أحدهم شاب مريض زار مع والديه صيدلية، وفي اليوم التالي كان طاقم الصيدلية برمته في مقر إقامته للزيارة والمجاملة مع ما تيسر من الهدايا.
نحب تركيا ونحترمها، وكأردنيين “نفضلها على غيرها”.
ما يحصل في الشوارع أحيانا ضد “كل ما هو عربي” يستوجب الازدراء والتعامل معه فورا، لا بل اجتثاثه من جذره الكريه، وهذا واجب الدولة التركية وبسرعة. وعبر رسائل واضحة الملامح قوامها أن المؤسسة التركية لا تقبل ذلك وتتصرف فورا وبقوة القانون لحماية زوارها وضيوفها.
أقل من ذلك “غير مقبول”، والحديث الناعم عن “تصرفات فردية” نختلف معه أيضا لأن القصة “تكبر”.
«مش حتئدر تغمض»
“من أمن العقوبة أساء الأدب”. هي نفسها الوصفة، التي أمطرتنا بها الحكومة الأردنية، وهي تحاول عبثا “تزويق” نصوص القانون الجديد للجرائم الإلكترونية، والذي نرى أنه، ورغم كل ما قيل ضده ومعه وفي “دسترته” سينتج “أزمة وطنية” لا قبل لنا بها قريبا.
يخرج علينا خبير التشريعات الزميل يحيى شقير على الهواء المباشر في إذاعة حسنى بلهجة التحدي، رافعا يديه: “لدي قانون مماثل صدر في دولة الإمارات، ولدي القانون في الأردن، إنهما نسخة طبق الأصل وأتحدى اثبات عكس ذلك”.
يصفعنا شقير، بعدما التقطت مداخلته عدة شبكات تلفزيونية بالعبارة المقلقة: “تم نسخ القانون دون أي تصرف”.
لم يخطر في ذهن أي منا يوما أن “قومنا” سينسخون تشريعا عن دولة أخرى، دون مؤشرات “أردنة” النص على الأقل!
ما يقلقنا أكثر في صفعة شقير هو التالي: لم يخرج علينا أي مشرع أو مسؤول محلي لينفي أو يندد، أو حتى يناقش ما قاله زميلنا الخبير.
قلناها ونعيدها: أصبح القانون إياه دستوريا وعلينا الالتزام به واحترامه بعد الآن. لكن رقصة الزار، التي رافقت إصداره ستنتهي قريبا على طريقة شبكة “روتانا سينما”، ومع تطبيق القانون “مش حتئدر تغمض عينيك”، وحصرا عن “اللي حيصل في المحاكم”! نعم، كانت عملية التشريع الأخير أقرب وصفة إلى “أزمة مجتمعية”.
سألت وزيرا صديقا ينافح عن القانون، ويستغرب رفضي له باعتباري من دعاة “مسؤولية النشر”: إذا نشرت تعليقا على صفحتك التواصلية ينطوي على جريمة إلكترونية، وأنت نائم أو في الحمام أو في طائرة، ماذا سيحصل؟! أجابني بسؤال مماثل فقلت: ببساطة سيأخذني المشتكي معك إلى المحكمة، دون أي اعتبار لمكان وجودك وحضورك، أثناء نشر التعليق، وعليه يمكنني توريطك بجريمة عبر تعليق صغير بسرعة وأنت تغتسل أو تلبي نداء الطبيعية في دورة المياه.
حكومة «نص إلكترونية»
ما علينا. محطة “المملكة” المحلية أبرزت بوضوح نص التعميم الجديد الذي أصدره دولة رئيس الوزراء وفكرته دون الاسترسال بالشرح “عزيزي الموظف لا تطالب المواطن أو المراجع بعد الآن بوثائق أصلية مختومة. فقط افتح على التراسل وتوثق من الأوراق عبر رابط الحكومة الإلكترونية”.
ثمة وزارة للروابط والريادة في الأردن. إي والله، وثمة وعود تشبه الباص السريع في حكومة إلكترونية بالكامل منذ 17 عاما دون فائدة.
ما يغفله التعميم الأخير هو “تطوير مهارة وذهنية الموظف” قبل تمكينه من شاشة كمبيوتر، فيها كل المعطيات بكبسة زر.
تلك لعمري المهمة الأصعب، التي لم تبحث بعد.
فضائية “المملكة” تخفي بعض الأسرار، وقررت أن أكشف بعضها.
نصف أو ربع حكومة إلكترونية لا ينفعنا في عهد الذكاء الاصطناعي وحتى “يزبط” الملف لا بد من 3 قرارات إستراتيجية هي في اختصار: تبديل كل مفهوم “العمليات” في مؤسسات الدولة، ثم إطلاق الرصاص وقتل ودفن “المحاصصة”، وثالثا “عقوبة” ضد أي موظف عمومي، صغر أم كبر، “يعيق” ما تريده الوزارة المختصة ببتوع “الريادة”. دون ذلك “سواليف حصيدة”!
٭ مدير مكتب «القدس العربي» في عمان