شولتس وماكرون ودراغي يزورون كييف… وروسيا تحذر من إمداد أوكرانيا بالسلاح

حجم الخط
0

برلين ـ «القدس العربي»: منذ اللحظات الأولى لزيارتهم إربين الأوكرانية، لمس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس، ورئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي، حجم الدمار اللاحق بأوكرانيا، واصفين ما شاهدوه بأنه “همجية” الحرب وجرائمها.
وخلال زيارتهم الأولى إلى أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي للبلاد، توجّه القادة الثلاثة الذين وصلوا إلى كييف بالقطار مباشرة إلى إربين، وقد لاقاهم في كييف الرئيس الروماني، كلاوس يوهانيس.
وعلى بعد نحو 20 كيلومتراً بدأت مشاهد الدمار تتجلى أمام أعينهم ولا سيما جسر إربين مع أعمدته المنهارة. وفي أولى أيام الحرب فرّ مئات السكان مع تقدّم القوات الروسية مستخدمين ألواحاً لعبور الجسر المدمّر.

«سنعيد إعمار كل شيء»

وعند مدخل المدينة، تحمل المباني المدمّرة آثار الحرائق وتتدلى منها إطارات النوافذ والأسلاك في كل الجهات.
وفي اليوم الـ113 للحرب، بدأ القادة الأربعة زيارة لأوكرانيا للإطلاع على حجم الدمار رفقة الوزير الأوكراني لشؤون اللامركزية أوليكسي تشيرنيشوف، الذي أبلغهم بأن نية إعادة الإعمار بأسرع وقت موجودة، وبأن السكان بدأوا يعودون إلى ديارهم.
وقال ماكرون: “هنا أوقف الأوكرانيون زحف الجيش الروسي نحو كييف”، مضيفاً: “آثار الهمجية وندوبها ظاهرة بادية عليكم”، ومشيراً إلى أنها “أولى مؤشرات جرائم الحرب”.
وقادهم الوزير الأوكراني إلى أحد المباني وعرض عليهم تسجيل فيديو يظهر المدينة “قبل” الحرب ومن ثم تجميعاً لصور توثق الرعب الذي عاشه السكان: المباني مدمرة من الداخل وفي وسط الركام دمية طفل متروكة.
وقال رئيس الوزراء الإيطالي: “سنعيد إعمار كل شيء”، ليضيف ماكرون: “جرائم الحرب يجب أن يُحاكم مرتكبوها”.

صفارات الإنذار

ونشرت صحيفة بيلد الألمانية أنه وفور وصول الوفد الأوروبي إلى العاصمة الأوكرانية كييف، انطلقت صفارات الإنذار محذرة من اقتراب طائرات روسية، وقالت الصحيفة: كان جزء من الوفد الألماني بالفعل أمام الفندق عندما انطلق جرس الإنذار. على ما يبدو لم ينزعج أحد، لأنها المرة الرابعة التي تندفع فيها صفارات الإنذار اليوم (أمس). وبعد بضع دقائق، خرج المستشار الألماني من الفندق وركض إلى الموكب وابتسم للكاميرات. بدا ماكرون مرتاحاً أيضاً. وذكرت الصحيفة أنه ولأسباب أمنية، يجب أن تظل وجهة القافلة سرية في الوقت الحالي.
على جدار أحد المباني رسم يجسد أوروبا مع شعار بالإنكليزية والأوكرانية يدعو إلى الانضمام إلى أوروبا ونبذ الحرب.
وتوقف الرئيس الفرنسي عند الشعار الذي يلخّص هدف الزيارة التي قرر القادة الأربعة إجراءها لأوكرانيا والمتمثل بضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي من دون انتظار نهاية النزاع الدائر مع روسيا.
وبالإنكليزية قال ماكرون “إنها الرسالة الصائبة”، مضيفاً “إنها مؤثرة جداً”، علماً بأن الاتحاد الأوروبي سيبحث الأسبوع المقبل في منح أوكرانيا رسمياً وضعية دولة مرشحة لعضوية التكتل.
والجمعة تصدر المفوضية الأوروبية موقفها بهذا الشأن في مؤشر أولي ذي دلالة كبيرة قبل القمة الأوروبية المقررة في 23 حزيران/يونيو و24 منه.
ثم قاد الوزير الأوكراني القادة الأربعة إلى سيارة نخر الرصاص هيكلها. وأوضح الوزير: “لقد استهدفوا عمداً ركابها ولم يكن بينهم أي رجل”، مشيراً إلى مئات من الحالات المماثلة.

لقاء زيلينسكي

وفي نهاية الزيارة، توجّه القادة الأربعة إلى قصر مارينسكي في كييف حيث التقوا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وبعد المصافحة، بدأ القادة اجتماعاً مغلقاً للبحث في منح أوكرانيا وضع دولة مرشحة للعضوية.
وكان قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا قد بعثوا برسالة بهذا التوجّه لزيلينسكي خلال رحلتهم بالقطار إلى كييف في ما يمكن اعتباره قمة دبلوماسية مصغرة.
وسبق لماكرون أن عاد للتو من زيارة إلى مولدافيا، وخلال اجتماعه مع شولتس ودراغي لم يكن يرتدي لا سترة ولا ربطة عنق فيما كان المستشار الألماني يرتدي قميصاً أسود غير رسمي. أما دراغي فكان يرتدي كنزة تحتها قميص أبيض.
وقد جلس القادة الثلاثة حول طاولة وأجروا محادثات استمرت ليلاً حتى وقت متأخر.
وخلال الرحلة، تحدّث شولتس إلى عدد من الصحافيين الألمان. وأكد شولتس أن العقوبات المفروضة ضد روسيا تتمتع بأهمية كبيرة، وقال: “لأنها تسهم في توفير فرصة أن تتخلى روسيا عن نواياها وأن تسحب قواتها. ولأن ذلك هو الهدف بالتحديد”.
وأعلن المستشار الألماني الذي وُجّهت إليه انتقادات لعدم إمداده كييف بأسلحة كافية، أنه مستعد لدعم كييف لا سيما بالأسلحة “ما دام الأمر يقتضي ذلك”، وفق صحيفة “بيلد”.
والتعهدات التي أطلقها شولتس أثارت اهتمام المراقبين، خاصة أن كييف صرحت مراراً أنها تحتاج بشكل خاص إلى الأسلحة الثقيلة الألمانية والدبابات المتطورة من برلين من أجل التمكن من صد التقدم البري الروسي.
وكان قد صرح مراراً لوسائل إعلام ألمانية أنه لن يزور كييف إلا إذا كان هناك سبب وجيه، وقال بهذا الخصوص: “لن أكون ضمن الأشخاص الذين يدخلون ويخرجون بسرعة من أجل التقاط الصور. ولكن إذا قمت بذلك وزرت أوكرانيا فلا بد أن يكون هناك شيء ملموس للغاية”.
وسبق لزعيم حزب المحافظين المعارض فريدريش ميرتس، أن زار كييف كأول سياسي ألماني رفيع المستوى يزورها، كما زارت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك من حزب الخضر كييف أيضاً.
وتأتي زيارة الزعماء الأوروبيين في وقت ناشدت فيه أوكرانيا مرة أخرى إمدادها بمزيد من الأسلحة لمواجهة تقدم روسيا في الجنوب والشرق. وقال الميجر جنرال دميترو مارشينكو، قائد القوات الأوكرانية في ميكولايف، إن قواته يمكن أن تحقق النصر على روسيا إذا حصلت على الأسلحة المناسبة.
واستغرق الإعداد لهذه الزيارة أسابيع، إذ يتطلع الزعماء الأوروبيون الثلاثة إلى تخفيف انتقادات داخل أوكرانيا بسبب ردود فعلهم تجاه الحرب.

رهان على الأسلحة الألمانية

وتفتقر حكومة كييف إلى الدبابات المضادة للطائرات الموعودة من نوع كيببارد والتي تم إيقاف تشغيلها منذ فترة طويلة في ألمانيا.
وأعلنت وزارة الدفاع، الأسبوع الماضي، أنه سيتم تسليم أول 15 قطعة من هذه الدبابات في يوليو/ تموز، مع 15 دبابة أخرى بحلول نهاية أغسطس/ آب.
وبالإضافة إلى الدبابات ومدافع الهاوتزر، وعد المستشار الألماني شولتس مؤخراً بإرسال نظام الدفاع الجوي الحديث أي أر أي أس تي، وأربع قاذفات صواريخ متعددة. ومع ذلك، لم تصل أوكرانيا حتى الآن سوى الأسلحة الخفيفة والذخيرة. في المجموع، تحتاج أوكرانيا 1000 قطعة مدفعية ثقيلة (هاوتزر)، و300 راجمات صواريخ متعددة، و500 دبابة، و2000 مركبة مدرعة، و1000 طائرة مسيرة، حسب قناة التلفزيون الألمانية الثانية ”تسي دي إف”.
وفي مقابلة مع صحيفة “راينيشه بوست”، دعا السفير الأوكراني في ألمانيا أندريه ميلنيك، شولتس إلى التعهد بمزيد من شحنات الأسلحة خلال زيارة إلى كييف. حيث يأمل الأوكرانيون ألا تكون أهمية هذه الزيارة “رمزية” فحسب، بل “رائدة”، كما يجب رفع المساعدات العسكرية الألمانية “إلى مستوى جديد ونوعي، بحسب السفير الأوكراني.
بيد أن مجلة “شبيغل” الألمانية توقفت عند قول المستشار الألماني أنه سيتم مواصلة الدعم ما دام “كان ذلك ضرورياً لنضال أوكرانيا من أجل الاستقلال”.
وأبرزت ذلك عبر عنوانها الرئيسي لزيارة شولتس عبر موقعها الألكتروني، وتريد المجلة التسليط على ذلك، بسبب النظر إلى شولتس على أنه متردد سياسياً على صعيد السياسة المحلية والدولية فيما يتعلق بمجال الحرب.
وعبر تحالف إشارة المرور المكون من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي) يتخذ وزيرا الخارجية أنالينا بيربوك، والاقتصاد روبرت هابيك (كلاهما من حزب الخضر) مواقف أكثر قوة فيما يتعلق بتسليم أسلحة ثقيلة لأوكرانيا.
وقد نفى المستشار الألماني مراراً اتهامات بالتردد في توريد أسلحة وعد بها أوكرانيا. ورد شولتس على مزاعم السفير والرئيس الأوكراني بأن تدريب القوات المسلحة الأوكرانية ضروري لأنظمة الأسلحة الحديثة جداً والمعقدة في بعض الأحيان، وقال شولتس: “يتعلق الأمر بالمعدات الثقيلة ذاتها. يجب أن تكون قادراً على استخدامها، يجب أن تكون مدرباً على ذلك، وهذا يحدث حالياً في جمهورية ألمانيا الاتحادية”. وأكد أنه سيتم تسليم جميع الأسلحة الموعودة.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قد حذر خلال محادثة هاتفية نهاية مايو/ أيار مع شولتس وماكرون، من تسليم أسلحة ثقيلة إلى أوكرانيا. وفي المحادثة التي استغرقت 80 دقيقة، دعاهما مجدداً إلى إنهاء الحرب، حسبما ذكر المتحدث باسم الحكومة الألمانية.
وأمس أيضاً، قال الكرملين إنه على القادة الأوروبيين الأربعة الذين يزورون كييف تشجيع الرئيس زيلينسكي على “النظر بصورة جدية للوضع” بدلاً من “ضخ مزيد من الأسلحة لأوكرانيا”.
وأضاف المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن الوعد بتوفير الأسلحة “سوف يطيل من أمد معاناة الشعب؛ إذ إنه سوف يتسبب في مزيد من الضرر لهذه الدولة”.
كذلك، حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، من مخاطر إرسال الدول الغربية أسلحة ثقيلة إلى أوكرانيا.
وقال في مقابلة مصورة على هامش اليوبيل الـ25 لمنتدى بطرسبرغ الاقتصادي الدولي: “آمل أن يدرك العسكريون الغربيون مخاطر إرسال الأسلحة الثقيلة إلى أوكرانيا”، حسبما نقل موقع قناة “روسيا اليوم”.
وأضاف: “صواريخ سترينغر وغوفيلين صارت في السوق السوداء (في أوكرانيا) وظهرت في ألبانيا وكوسوفو.. يتم التحدث عن هذا علانية وبيعها بسعر مخفض”.
ويرى مراقبون أن شولتس بالرغم من جهوده الحالية ما زال يبحث عن حل وسط يضمن عدم تورط ألمانيا في الحرب الدائرة، كما يضمن خروجاً مناسباً من الحرب الدائرة لكل من أوكرانيا وروسيا. ويرى خبراء ألمان أن الارتباط بشكل وثيق للغاية بأهداف أوكرانيا قد يعد “خطأ فادحاً”، حيث حذر خبراء ألمان مثل يوهانس فارفيك، من أن تصرفات المستشار الألماني “ليست بدافع الجبن أو العجز، ولكن لأنهم لا يريدون المشاركة في الحرب، ويبدو أنه ينظر في الآثار الجانبية والمخاطر المترتبة على تسليم الأسلحة”.
وبالرغم من الجهود المبذولة، يسود الاعتقاد أوروبياً أن الحرب الروسية الأوكرانية قد تطول، وقد يعني ذلك بالنسبة لحلفاء كييف، أنه سيتعين عليهم دعم البلاد بالمال والأسلحة ومساعدة اللاجئين لفترة طويلة مقبلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية