فتيات يلعبن في باحة إحدى مدارس إدلب
دمشق – «القدس العربي»: تهيمن ثلاثة ملفات رئيسية على القمة المزع عقدها في مدينة سوتشي الروسية للدول الضامنة لمسار «أستانة»، على رأسها ملف إدلب والمنطقة العازلة، إضافة إلى ترتيبات ملء الفراغ شرق سوريا في اعقاب الانسحاب الأمريكي المرتقب من المنطقة، وإعلان اللجنة الدستورية، وفي اطار التحضيرات للاجتماع تكثف موسكو وأنقرة من مشاوراتهما حول الملفات الأكثر جدلاً، وأهمها منطقة إدلب ومحيطها إذ توحي إيقاعات التصريحات بوجود مقترحات جديدة يصعب تجاهلها، لوجود أكثر من 3 ملايين مدني في المنطقة المعنية، حيث اتفق طرفا الصراع الروسي والتركي على «ضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة» فيما يخص إرساء الاستقرار في منطقة إدلب شمال غربي سوريا رغم الاستفزازات، بينما لم يكشف أي منهما عن جوهر «الحسم» المقصود في إدلب، الامر الذي ترك الباب موارباً امام جملة من السيناريوهات.
وسط تحضيرات دولية مكثفة قبيل «ستوشي» تمهيداً لتفاهمات السياسية في سوريا
وذكر بيان لوزارة الدفاع التركية، أن الوزير خلوصي أكار التقى نظيره الروسي سيرغي شويغو، واكدا على أهمية مواصلة التعاون الاستخباراتي والعسكري لإرساء السلام والاستقرار في إدلب، مشيراً إلى أن الجانبين أكدا على التزامهما بتعهدات تفاهم «أستانة»، ومواصلة التعاون بشأن إرساء الأمن والاستقرار في إدلب.
حزمة تفاهمات
ويبدو ان القمة ستخرج بحزمة جديدة من التفاهمات والتعمق باتفاق ادلب تماشياً مع وضعها الحالي، كما يرجح مراقبون ان تنتهي جولة المباحثات المنتظرة بتسوية حاسمة تكون بمثابة مخرج إيجابي لـ»سوتشي»، لتفادي توسع الخلافات بين الفاعلين الدوليين.
وفي هذا الإطار اشار الباحث السياسي نوار أوليفر إلى تباين أجندات ومصالح ثلاثي «أستانة» تجاه الملفات المطروحة على طاولة المباحثات، وهو ما يقلل حسب رؤيته من فرص التوصل إلى تفاهمات شاملة بين الثلاثي، وقال المتحدث لـ»القدس العربي» في اطار الحيلولة دون تفاقم خلافات الدول الثلاث، إنه يتوقع «توسيع اتفاق سوتشي الناظم لإدلب، مع إقرار الدول الثلاث لمبادئ عريضة بخصوص الوضع في المنطقة الشرقية، أساسها الناظم «اتفاق أضنة» الذي يشكل نقطة توافق روسية – إيرانية».
وبرأي اوليفر، فإن المعضلة الأساسية التي تحول دون التوصل لاتفاق شامل على مستوى سوريا، هي اختلاف أولوية الملفات بالنسبة للدول الفاعلة، إذ ان كل دولة تنظر إلى الملفات بطريقة مغايرة، حسب اهميتها نسبياً، موضحاً ان هذا الاختلاف بالرغم من التوافق على أهمية الملفات هو ما يصعب التوصل إلى اتفاق ينقل المعضلة السورية إلى مرحلة متقدمة من التسوية المستدامة.
ويركز خطاب الدول الراعية لمسار استانة دائماً على عدم الاصطدام او الوصول إلى اختلاف كامل، ولهذا فمن المتوقع في هذه الجولة التعمق اكثر باتفاق ادلب والمنطقة العازلة إضافة إلى وضع آلية لملء الفراغ على الجبهات الشرقية بالاعتماد على اتفاق أضنة.
ويشكل اتفاق أضنة حسب الباحث السياسي، نقطة توافق بين روسيا وإيران كونه «يؤدي إلى احتواء التركي من وجهة نظر إيران وروسيا واقتصارها على مساحة محددة، بينما يعطي المجال لإيران أكثر بالعمق في الشرق السوري في المنطقة الداخلية، ويسمح لانقرة بأن تتجه للتنسيق مع النظام السوري وهو بحد ذاته هدف مشترك لروسيا وإيران».
واثمرت الجهود التركية على المستوى الدبلوماسي والميداني في تجنيب إدلب معركة دموية كان من الممكن أن تؤدي إلى كارثة إنسانية بكل المقاييس، وأشارت انقرة في بيانها الأخير إلى تأكيدها مع حليفها الروسي على التزام تعهدات تفاهم أستانة، ومواصلة التعاون بشأن إرساء الأمن والاستقرار في إدلب، وقالت الخارجية في بيانها ان الجانبين توصلا إلى توافق في «وجهات النظر فيما يتعلق بضرورة تبديد هواجس تركيا الأمنية، والتعاون في مكافحة أشكال الإرهاب كافة في إطار احترام وحدة أراضي سوريا وكيانها السياسي». وفسر التصريح التركي القيادي في المعارضة السورية المسلحة مصطفى سيجري على مواصلة تعهد تركيا بالتزاماتها حيال حليفها المحلي على الأرض السوري واعرب عن اعتقاده «بأن القمة سوف تساعد في تهدئة الأوضاع في المنطقة، تمهيداً للاعلان عن المرحلة الثانية من اتفاق سوتشي وتسمية التشكيلة النهائية للجنة إعادة صياغة الدستور». مؤكداً «أن تركيا لن تسمح بأي عمل عسكري على المنطقة» وقال لـ»القدس العربي» ان المقصود بالإجراءات الحاسمة، أي مجموعة القرارات المشتركة بين كل من تركيا وروسيا والتي ستفضي إلى قطع الطريق على المحاولات الخارجية الداعمة للمجموعات الإرهابية والساعية إلى تقويض الاتفاق.
احتمال عمل عسكري
ومن وجهة نظر معاكسة يقول البعض إن اجتماع وزير الدفاع الروسي والتركي في أنقرة بحضور رئيس المخابرات التركي، يشير إلى احتمال القيام بعمل عسكري بإدلب تجاه التنظيمات المتطرفة التي تعيق فتح الطرق الدولية، وهو ما يتم التحضير له قبيل القمة المرتقبة. وفي هذا الاطار رجح المعارض السوري سمير نشار أن يكون «حسم إدلب» هو الملف الذي سيترأس المرحلة المقبلة لافتاً إلى ضبابية الموقف التركي حول المشاركة بأي عمل عسكري هناك «إلى جانب الروس والايرانيين وميليشيات النظام لان ذلك يشكل حرجاً بالغاً عليها». ورأى نشار في حديث مع «القدس العربي» ان المرحلة القادمة ستنهي ملف إدلب عسكرياً، من أجل التفرغ لإيجاد حل سياسي خاصة بعد التسريبات غير المؤكدة عن الانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية التي تعد مدخل التسوية السورية المتوقعة، وضرورة مناقشة الخيارات في منطقة شرق الفرات في حال تم الانسحاب الأمريكي منها.
ويتضح ان اللقاءات الثنائية التي تمت بين الروس والاتراك ركزت بشكل أساسي على ملف ادلب وذكر المتحدث ان الجانب الروسي تحدث اكثر من مرة عن ضرورة تنفيذ اتفاق سوتشي بنقطتين أساسيتين هما، تنفيذ فتح الطرق الدولية بين حلب – دمشق ، وحلب – اللاذقية، حيث يفترض أن يعودا إلى العمل منذ مطلع عام 2019 إضافة إلى محاربة التنظيمات الإرهابية المتمثّلة بشكل رئيسي بهيئة تحرير الشام وهو الأكثر تعقيداً من البند الأول. وحسب تفسيره للاجتماع الأخير قال نشار ان الروس أمهلوا الاتراك لكن على ما يبدو بدا صبرهم ينفد من عدم تنفيذ هذه البنود، وهذا ما تؤكد عليه المحادثات التي جرت منذ ايّام في أنقرة في زيارة غير مقررة.