‘شو… ناسيتيني بالمرّة؟ ‘

حجم الخط
0

عناية جابر كيف تتصرّف وماذا تفعل وأنت في غمار عملك الإعلامي، ويستدعي هذا الكثير من اللطف للحفاظ على شعرة معاوية بينك وبين قرائك، بينك وبين أصحابك وأغلبهم كُتّاب، روائيون وشعراء وقاصون ومطربون وتشكيليون وسواها من الإجتراحات الرقيقة لأعمال الروح والموهبة والإجتهاد، ثم بينك وبين الكتابة الحقّة والإبداع الحقّ؟

ماذا لو أرسل لك صديق تحبه، باكورته الروائية مذيلة بإهداء رقيق وتمنّ بأن تعجبك.

؟ حسناً، لم تعجبك الرواية على ما تمنّى صديقك الذي تكلّف إرسالها من مكان إقامته في بلاد بعيدة، وطبعاً طلب رأيك فيها ثم: ‘ياريت تقراها وتكتب عنها ‘يعني أنت مزروك’ ومحشور بفعل الكتابة، فماذا انت بفاعل ايها العبقري؟ ماذا لو أرسل شاعر شاب لم تسمع به يوماً، مجموعته الشعرية متوسماً فيك الحب قبل النقد، فيما مجموعته تُسقطه من فعل الحب، فكيف بالنقد؟ ماذا لو لم يتركك تتدبّر أمراً ذكياً لتجنّبهُ ‘البهدلة’ كأن تنسى أو تتناسى ذكر مجموعته في كتاباتك في محاولة منك للإبقاء على علاقة الصداقة على الأقل، فيبقى يزّن على رأسك مُذكرّك بدُرّته المكنونة وجوهرته المصونة طالباً إطلاق سراح نفائسها والكتابة عنها حالاً وسريعاً قبل أن تستفحل هوّة العداء بينك وبينه!! : ‘شو ناسيتيني بالمرّة.. اللي عم تكتبي عنهن أحسن منيّ؟’مضت أعوام لم أكذب كذبات كبيرة. الكذب شيء صعب على خلاف ما يعتقد البعض ولم تعد عندي طاقة على الاشياء الصعبة. ماذا أكتب أرّد على صديقي ينتظر رأيي بإصداره الأول ُمرسلا من المقلب الآخر من الارض؟ ما أدهشني أكثر، أن الكتاب لا يشبه صديقي، معماره على حذلقة لغوية وأسلوبه على تباه وغرور بعكس حقيقته الإنسانية. لا أعرف ما الذي انعكس في كتابه وجعله عاجزا عن التميّز، متنافراً مقنّعاً، وهو في تنافره وتباهيه يبدو غريباً عما أعهده عن صديقي، ان لم يكن مضحكاً. استغربت سرده فأنا اثق برقة صديقي، بثقافته، وأعرف كيف يرى الي الحياة، الى الكتب والكتابة. استغربت سرده الذي ينقض فكرتي عنه شخصياً، ورحت أبرّر الامر بأن الغرابة في كتابه اذا وجدت، فهي فيّ. لا بد ان شيئاً فيّ ليس على ما يرام، شيئاً في داخلي لا علاقة لكتابة صديقي به، ضاق بنوع سرده، وبقدر مخاتلته واستعراضه وبما انتهى اليه كتابه من فقر معني وادعاء.

لطالما صفحت في مجال عملي، عن هفوات في الصياغة واللغة، الخيال والحرفة، في روايات وقصص وأعمال فنية ومجموعات شعرية تقع بين يدي وتحت ناظري، اما مع كتاب صديقي فيبدو الصفح نفسه غير كاف. الأرجح ان ما أخافني، احتمال انني أسأت قراءة صديقي نفسه، كتابه الآن يحكي عنه ويدلّني عليه. لطالما إعتقدت أن النصوص الابداعية مرايا أصحابها، وهي مرآة صديقي تعكس فصولاً لا تقول شيئاً بل قسطاً من العدم يسكن الصفحات. كلمات منمقة وقدر من الوحشة السلبية هشمت ألفته في خاطري، وذكاء رسائله، ونجوى تلك الرسائل.

حيرتي الآن اصعب من اي وقت. هي أشبه بحيرة المرء من نفسه التي يعرف، من بحره الذي يتقراه غيباً، من سمائه التي يحدسها نجماً نجماً. حيرة من ظنّ طويلاً بأنه عثر على توأم روحه، الى ان كتب احد التوأمين، ما يكذّب ذلك وينسفهُ نسفاً.

ليست نادرة النصوص التي لا تشبه اصحابها. بل من النادر وعبر متابعات منتبهة، وجود النص الذي يقترب من جوهر صاحبه. اتذكر لقاءاتنا القليلة في بلدان شتي، أحاديثنا معاً، افكارنا، أكلنا، عاداتنا، وشعورنا بجمال رفقتنا وفضلها.

لكنني ما كنت لأتوقف لحظة امام قراءة مثل كتاب صديقي، لو لم يكن صديقي.

قلّبت في الصفحات حتى آخرها، غارقة في ضآلتها الحقيقية، وغرقت معها في حيرتي. ماذا أكتب أردّ على سؤاله؟ كذبة اضافية في سجلي ليست بالأمر الباهظ الى الحدّ الذي يربكني هكذا. بيد انها الجرأة في غير أوانها، وأخسر لا شك صديقاً آخر، في رصيدي من الاصدقاء الذي لا يني يفرغ بإطراد.

انني أدري كم أنا متطلبة، بسبب إهتمامي بغياب الشكل التقليدي عن الرواية والشعر، لكن هذا لا يحرجني، بما أنني أشعر أن غياب الشكل على ما اتفق عليه كلاسيكياً، حاجة ملحة للكتابة الجديدة، كما عدم الانقياد المنضبط للكاتب، لوحدة الزمان والمكان. أحب الكتابة عن شخصيات وكائنات لا تتصف بأبعاد ضخمة، على الاقل ليس ظاهرياً.

كما وتستهويني الكتابة عن شخصيات صغيرة، تلعب في الظل (الناس والطبيعة) غير أنها تعيش وتشعر بكثافة.

هل أظلم هذا الكتاب بين يدي، حين أريد له ان يكون على قياس أحلامي وتصوراتي؟ كلا، فثمة ما هو أخطر مما أطلبه منه، وهو أن يبدو حراً في كتابته، الحرية التي تحقق كينونة كاتب حقيقي. كتبت له بأنه لم ينجز حياته من خلال كتابته، لم يكتب ما يريده فعلاً، لم يكن رحّالة سطوره، ولم ُيذقها حرية الوجود. كتبت لصديقي على الطريقة اللبنانية الآن محدسة بأني أخسره، فالخسارات هي نوع الربح الذي ارتضيه: كتابة غير مشروعة، ومخالفة للدستور ولا تتمتع بأهلية.. فنية، وطبعاً لم يرد، حتى اللحظة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية