شيء ما يذهب خطأ: عزلة الذهب… أو المثقف في حياته البرية!
فاروق يوسفشيء ما يذهب خطأ: عزلة الذهب… أو المثقف في حياته البرية!إنك ميت وهم ميتون.(الزمر) من القرآن الكريم(1) لو عدت متخفيا مثل لص بريء إلي بغداد، المدينة التي صارت الان تتلفت أكثر من ذي قبل هل سيكون لي الحق في أن أقارن بينها وبين المدينة التي أعرفها (لست متأكدا من حدود تلك المعرفة لأصفها)؟ غالبا ما يعذبني هذا السؤال، لا بسبب التباس القصد منه، حسب بل وأيضا بسبب ترفه الجارح والفاجر. فالشيء الذي هو موضوعه ليس مدينة مرسومة علي الخرائط، حفنة من الحروف، صنع منها الايقاع شكلا مدويا، ولا حفلة تنكرية لأشباح احاول أن أستذكر هيئاتهم لأؤشراسماءهم في قائمة المدعوين التي وقعت بين يدي بالصدفة بعد سنوات. مع استمرار الفراق هنالك شيء ما يختفي لتحل محله اللوعة. ما أسم ذلك الشيء؟ (شان شاو) وهو مصور امريكي من أصل بورمي، عاد الي بورما بعد قطيعة كاملة دامت 18 عاما ليتعرف علي ذلك الشي، لكن بصريا، لا ليصفه للاخرين، بل ليتأمله من الداخل، ليبقيه حيا تحت جلده، وليتخلص منه بصفته ذكري إلي الأبد. جمع شاو صوره تلك في كتاب، حمل اسما هو (شيء ما ذهب خطأ). لا يزال شاو في الثلاثين من عمره، وهو لم يعش بورما إلا علي مستوي الحكايات التي تنسجها ذاكرة والديه المعطوبة بالحنين، الذي هو صورة عن النسيان. بسبب شاو اكتشفت الكاميرا، لكنه اكتشاف متأخر لا ينفع إلا علي مستوي الاحتفاء بالاشياء التي هي في طريقها الي الزوال، اما الاشياء الغائبة فانها تدفعني الي الحيرة، ذلك لان استحضارها صوريا يحتاج الي عين ثالثة، لا أملكها، هي عين شاو، الذي لم يزخرف الخوف (الذكريات السيئة) لوعته مثلما حدث معي. لقد كرست هذه اللوعة مفهوم الانفصال الثقافي الذي أعيشه، هي في الحقيقة الينبوع الذي تصدر عنه كل حركة معرفية أقوم بها، لقد تحول كل شيء الي خيال، بالتدريج صرت حين التفت لا أري ما عشته إلا كونه نوعا من الاحلام التي يلتصق بعضها بالبعض الآخر، كما في أعمال روبرت راوشنبرغ علي سبيل المثال. لم يعد الزمن كتلة متراصة، ولم تعد وقائعه ركاما متجانسا ومتناغما ومتصلا. أمد يدي فلا القي إلا الشظايا الجارحة التي أجد أن علي أن اشكل من فتاتها مادة هلعي اليومي. ولكن هل الكاتب او الفنان صانع في معمل النسيان؟ (2) في العزلة يحتاط المرء كثيرا: فالطرق المفتوحة هي مصائد أيضا. بالتأكيد هنالك فرق جلي بين أن تكون الطريق مسدودة وبين أن لا تؤدي إلي مكان بعينه، أي مكان. لكن الفراغ هو الآخر جدل موحش، جدل تشكل ذراته المتناثرة جدارا لا يجرؤ المرء علي اختراقه. لذلك فان جغرافيا العزلة تتحول تدريجيا إلي سياق وهمي، سياق تتخطي فيه المسافات قياساتها الفعليه، بالاحري يتحول الواقع كله الي نوع من الوجود الافتراضي. في العزلة يحضر روبنسن كروزو. كل عزلة هي جزيرة ذلك الكائن الذي اقترحته المخيلة الشعرية لـ(دانيال دوفو). العزلة التي صنعت كروزو صارت فيما بعد صنيع عبقريته، ذلك الصنيع الذي أثثه برؤي يديه الحالمتين بالقبض علي قلب العالم. الكتابة تصنع المعجزات الصغيرة، التي تكون بمثابة رد المخيلة علي ما يقترفه الواقع من آثام. هل تترك الكتابة ثغرة في جدار العزلة أم أنها تؤثث تلك العزلة بما يجعلها وطنا مريحا؟ هل قلت قلب العالم وأنا أقصد المكان الحقيقي؟ الكنز موجود تحت أقدامنا، هذا ما يتحقق منه المرء من غير حاجة الي قراءة روايات كوايهلو التافهة. يعلمنا فن الـPerformance ياالهي كيف يمكننا ترجمة هذه المفردة من غير خيانة معناها؟) أن الحياة يمكن اعادة تصويرها، لا عن طريق الاستعادة بل عن طريق الانشاء والتركيب المستحضرين بمواد جديدة، مواد قابلة هي الأخري للطي والاثارة والنسيان. فلا فائدة من استعادة حياة نكون غير قادرين علي تلمس الطريق إليها. أعتقد أن ما تقوم به فنانة مثل مارينا ابراموفتش (المولودة في بلغراد عام 1946) انما يمثل مقاربة متشنجة هي الأقرب لوظيفة المثقف في زمان عصيب ويائس مثل زماننا. موعظتها تكمن في الاستمرار في انتاج الصور، الصورة تدفع بصورة تليها الي الظهور. الالهة هي الأخري تنتج صورا، يهمها أن تكون صورها علي قدر عال من الاتقان والكفاءة، أقصد الالهة وليس مارينا. الصور تنبثق هكذا، مثل حكاية جرة الذهب، فيما ركام من الموتي وغابة من النباتات العملاقة وبحيرات من الاسماك المتحجرة ترقد تحت كل قدم يلقيها المسافر في طريقه المفتوحة. تكافح مارينا بجسدها، مسبوقا بعريه المحتشم، من أجل أن لا تذكر الصورة التي تنتجها بصور يمكن أن تنتجها الذاكرة، صورها تطلع من مكان لم تطأه قدم أنسي بعد. (3)ليس للصور اي مغزي دلالي ثابت. في الفن نهب حساسيتنا المفارقة والنافرة صورا. فعل تجسيد غامض نقوم به هو اشبه بمحاولة تصوير الأشباح. إننا نمد أيدينا إلي الهواء، لنصنع مما نقبض عليه من ذلك الهواء أشكالا، بالكلمات أم بالأصباغ أم بمواد أخري أو كما تفعل مارينا بالجسد المباشر. يعيش الفنان (بالمعني الشامل) أينما وجد انفصالا تجسده هذه الصور المتخيلة التي تزيح الصور الواقعية لتقترح بداهات عيش ضرورية لتعزيز الكرامة البشرية. وهي كرامة تتغذي علي الخيال، بصفته موقفا لا يمكن اخضاعه لاية رقابة وليس من اليسير قمعه. سواء كانت تلك العزلة افتراضية أم واقعية فان الفنان يستطيع عن طريق انفصاله أن يكون ايجابيا في صلته بالعالم الذي تاكد انفصاله عنه. فما هو إلا جزيرة، توترها يشي بثروات لم تستهلك بعد، أو أنها في الحقيقة تغري الجمال في أن يأخذ الأشكال التي تقترحها عليه أشياؤها الغامضة. بهذا المعني تهب العزلة الجمال هيأته وهو غذاؤها في الوقت نفسه. ما لا يحدث إلا مرة واحدة يجد طريقه الي الفن وما يحتفي به الفن لا يحدث إلا مرة واحدة، قد تظل تلك المرة الوحيدة سجينة بين دفتي كتاب أو علي سطح لوحة أو بين جملتين موسيقيتين، غير أنها تبقي مشحونة بلمعان، بامكان تاثيره أن يأسر كونا من التلاقيات العجيبة، كونا عاكفا علي صفائه المضطرب. قياسا لهذا التحول يمكننا أن ندرك جزء من اسرار اللغة الجديدة التي صار فن اليوم يسعي الي التعريف بابجديتها، وهي ابجدية لا تزال في الكثير من مواقع حساسيتها مبهمة وعصية ومسترسلة في خفائها، بل وقاسية. غير مرة قرأت (الالف) كتاب خورخه لويس بورخيس، ما فهمته منه أقل بكثير مما يتوقعه أي قارئ عادي. لكن في المقابل هناك ما يغني عن الفهم. هذا الكتاب ينتمي الي الاعمال الفنية النادرة التي تنطوي علي مفهوم المكان الآخر، حيث تقيم المخيلة أعراسها بضيافة تشهد علي كرمها. إنه كتاب مكتوب بخفق أجنحة لامرئية. حكايات لا زمن لها، مع أنها معنية بفكرة الزمن. ولكن أي زمن ذاك؟ إنه زمنها الذي تحدسه، تشي بغواياته، تتلمس الطريق إلي أبواب جنته، تشيده بأحجار هي من الخفة بحيث تبدو كما لو أن ريشا أبيض يحيط بها من كل الجهات. الفن الجديد لا رصيد له في خزائنه من الجمل أو من الأشكال أو من المساحات أو من الكتل. والفنان الجديد لا يقترض من الارث الفني شيئا، بقدر ما يعيد النظر في علاقته بالطبيعة. علينا دائما أن نلتفت إلي روبنسن كروزو. (4)هل نتجه الان الي الحقيقة أم أن كل المفاهيم قد تعرضت لإزاحة، جعلتها تبدو كما لو أنها سواها؟ فالشعر غير الشعر، والرسم غير الرسم، والعمارة غير العمارة، والموسيقي غير الموسيقي، كل شيء هو سواه تماما، ليس نقيضه بالضرورة، ولكنه شيء آخر. ما أفكر به يتجه إلي عجينة الجوهر، تلك العجينة التي تشكلت منها قصائد امرؤ القيس ولوحات بوسان واللبوة الآشورية الجريحة وأعمدة بعلبك ونشيد الانشاد والاهرام الفرعونية وروايات ديستوفسكي واشراقات رامبو وواحدة ابن زريق البغدادي (لا تعذليه فان العذل يوجعه/ قد قلت حقا ولكن ليس ينفعه) وصوت فيروز وارتجالات جاكسون بولوك وتبقيعية هنري ميشو وسور الصين وبحيرة تشاكوفسكي وقصص يوسف ادريس والثيران المجنحة وحقائب يوزف بويز والمعابد المكسيكية والدمي السومرية. هناك حيث لا شعر ولا رسم ولا نحت ولا موسيقي ولا عمارة، انما الوجود العاكف علي سحر رخائه ودهشة كلمته المحلقة الأولي. ما يفعله فنان اليوم وهو يفلت من كل الحقب التاريخية، ومن وظيفته المرتجاة اجتماعيا، انما هو تعبير عن العودة الي الحقيقة. حقيقة الهامه: داعية جمال يعيد للانسان صفته وارثا لجنة، تؤثثها يد المجهول بما يليق بالخالق لا بما يليق بالمخلوق. هناك عبث عظيم يحيط بمعني كل فعل يروم الذهاب إلي الخلق النقي. الزهرة والحجر والفقاعة والحلزون والحمامة والثلج والكثبان الرملية والزئبق والغيمة والصبح والفراشة وصفير الريح والكلمة والامواج والتفاتة الغزال والبئر والكمأة وعطر الخشب المبتل وسواها من هبات الطبيعة ما هي إلا دلائل المعجزة النابتة في ذلك الجوهر الحي الذي يغص بكبرياء عزلته. لقد ارتكبنا الخطيئة وطردنا، وها نحن عن طريق الفن نسعي الي أن يكون منفانا نوعا من الفردوس، لا صورة عنه. وهو مسعي يحيط به الكثير من سوء الفهم. فحين يقول المرء : أنا عائد إلي بغداد مثلا، فأي بغداد يقصد؟ أنا في كل لحظة حديث يذكرها أقع في فخها. المدينة التي أعرف أني لن أعود اليها مسلحا بكاميرا (شان شاو)، فما أرغب في رؤيته منها قد ذهب الي الابد. بغداد اليوم هي الاخري صناعة مثلما كان الشرق دائما. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0