صدقت يا أبا العلاء حين قلت: ‘يسوسون الأمور بغير عقل.. فينفذ أمرهم ويقال ساسة’. لقد نفذ الأمر أمرنا، وبات من الواضح أننا مازلنا لم نتدارك وضعنا السياسي والاجتماعي، من دون الحديث عن الأوضاع الأخرى، وضعنا الباعث فعلا على القلق إن لم نقل الفزع.. وبتنا نتخبط داخل صراعات بيزنطية، ضمن حلقات مملوءة وفارغة في نفس الوقت، تشكٌّل داخل الساحات والشوارع والأحياء وصلب المنابر التلفزية والإذاعية، نبحث عن مخرج من الفوضى التي وجدنا أنفسنا فيها، بعد شجاعة شعب منقطعة النظير داهمت نظاما عاتيا فلفظته لفظ النواة خارج كيانه، محققة بذلك سلمه الذي أرٌّق جفنيه منذ سنين، وظهر جليّا أن هذا السّلم أنتج له راحة من كلّ التّبعات التي كانت تكبّله وتقبض على أنفاسه وتسدّ أفق المستقبل أمام ناظريه.
سلمنا وللسّلم راحة هذا لا شك فيه، ولكن ما علمنا أنّ كل راحة تتبعها الفوضى وكلّ فوضى تؤدّي حتما إلى الخراب، كما قال المنظٌّر السياسي ميكيافلي. جميل وعلامة من علامات صحّة مجتمعنا أن نرى كلّ واحد منّا يغنّي ليلاه ولكن إلى متى؟
ضعنا وراء اللّيالي وفي اللّيالي، وسيأخذ البرد منا مأخذه ومازال الصّيف في انتظارنا.. لنقل كما قالت آخر نداءات السّياسة الأمريكية ‘هذه هي الفوضى الخلاقة’: بعد طرد غريمنا الأزلي شرّ طرد، صحنا وصحنا، غنينا ورقصنا كما لم يرقص أحد من قبل، التحفنا بالعلم المفدى رداء واقيا لأجسامنا من فرط عزّته ومكانته في قلوبنا، كتبنا على الجدران والأبواب واللافتات ما كتبنا.. علّقنا أحلامنا وأمانينا في أغصان الأشجار وأعناق الأطيار ما انتهينا.. سمحنا لأنفسنا حتى بخلع الأبواب والنوافذ وكسّرنا الواجهات البلورية زينة مدننا، وامتدّت أيدينا للسّلب والنّهب من دون أيّ رادع أخلاقي… قلعنا الأرصفة وتراشقنا رميا بما كسّرناه منها فأصبنا كبيرنا وصغيرنا وما انتهينا.. بقايا غبار الثورة ما انفكّت تقتل منّا أعزّ أبنائنا في عمر الزهور وما وعينا.
ألهذا الحدّ نحن أغبياء؟ حدّثني عمن شئت، أما أن تقول لي إنّ التونسيّ غبيّ فهذا ما لا يقتنع به أحد.
كفانا جنونا واستهتارا، وبصريح العبارة، نقولها لبعضنا من دون خوف ولا وجل: الكبح واجب مقدّس في مثل هذه الحال.. والعقل يا ساسة وأنا لا أفهم في السياسة، ولكن يبدو أن الجميع بدأ يمتهن هذه الحرفة الملعونة مع الاحترام والتقدير لرجالها، يدعونا إلى ‘سياسة ضبط النفس’، عبارة مقيتة كانت وما زالت تستعملها خالتنا أمريكا سابقا، حين تهاجم إسرائيل بعض العرب في أراضي العرب وتبدأ في هرسهم.. لما لا؟ سياسة ضبط النفس مفتاح الحلّ، به ينشأ الرّجوع إلى النّظام رويدا رويدا بعد هذه الفوضى الممكن وصفها بالخلاّقة رغم خسائرها الباهظة والمؤلمة، ولكنها مسحت الكثير من الشوائب العالقة، وصححت كمّا هائلا من المواقف في طريق الثورة المجيدة، حتى لا ننكر جهود ومثابرة الكرام من شبابنا الغالي.. رجوعنا إلى النّظام بعد هذه الفوضى يؤسس إلى شجاعة من صنف ثان، بها يستقيم الفعل الهادف إلى اختيار الأسلوب السياسي الملائم لطينة مجتمعنا الجديد الذي يصبو إلى آفاق بعيدة ملؤها الحرية والديمقراطية وكرامة العيش.
من المسلّم به أن الفكر التونسي معروف بالبحث عن التّميز في كلّ شيء، وألتّوق إلى الكمال في الفعل. هذا يأتي تباعا مع الأيام، ونحن جاهزون في كلّ لحظة لوضع النقاط على الحروف متى استوجب ذلك.
باختصار شديد، ملفنا السياسي مازال مفتوحا ينتظر الإصلاح المرجو حتى تتم عملية الانتقال الديمقراطي بكل ثبات ونجاح.. لا يتحقق هذا الرجاء إلا من خلال وفاق وطني كامل يضمّ جميع أطراف اللعبة السياسية في البلاد، هذه الأطراف مطالبة بتشكيل مجلس وطني تأسيسي منتخب يضع دستورا جديدا لجمهوريتنا المرتقبة، متوليا إدارة المرحلة الانتقالية باقتدار، مستجيبا للشرعية الشعبية، ملبيا ما تبقى من طلبات دفع ثمنها اعتصاما تلوى الاعتصام، وهتافا تلوى الهتاف لأيام وليال طويلة وباردة تحت زخات المطر.. أما نظام الحكم، إن لم يكن برلمانيا كما ينادي البعض، وفي حالتنا قد يصاب بعدم الاستقرار لكثرة الأحزاب ولربما عدم قوة البعض منها للحصول على نسب مئوية محترمة في الانتخابات، فإنه من المحبذ أن يكون نظاما شبه رئاسي موصوفا بالاعتدال والتوازن، تتقلص فيه صلاحيات الرئيس وتفصل السّلط في ما بينها.
بذلك فقط، يقتنع الرأي العام التونسي وتنطلق الحياة من جديد في خضم سمفونية من عزف الشباب.
صالح مورو – تونس