شياطين الفتنة يتنقلون بين الفضائيات العربية
د. عماد عبد الرازقشياطين الفتنة يتنقلون بين الفضائيات العربيةصاحب قلم رصاص علي قناة دبي، المذيع المخضرم حمدي قنديل، تناول في حلقته الأخيرة شياطين وأشباح الفتنة الطائفية التي تعيث فسادا في أرجاء العراق، وأشار الي قنوات عراقية بعينها لا هم لها سوي نشر سموم هذه الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة. واقترح قنديل درءا للفتنة الإسراع بإغلاق هذه القنوات. ولا أدري بمن كان يتوجه بكلماته هذه، للحكومة العراقية القائمة علي المحاصصة الطائفية، وهي المحاصصة التي لم تقتصر علي توزيع الحقائب بل تحولت معها الوزارات ذاتها الي معاقل لهذه الطائفة أو تلك (هل تذكرون الفظائع التي ارتكبت في عهد وزير الداخلية بيان جبر صولاغ بالأمس القريب؟). قنديل مع ذلك تدارك الأمر وقال علي استحياء إنه يكره أن يكون إعلاميا ويطالب بإغلاق منفذ إعلامي، لكن للضرورة أحكام. وهذه خطورة ما يدعو إليه، لأنه قد ينسحب علي أي منبر إعلامي بدءا به هو شخصيا. فالحكومة المصرية لاشك يحلو لها أن تحتج لدي دبي علي برنامجه بحجة أنه يشجع علي كراهية النظام وتحديدا كراهية جمال مبارك (وكأنما أي منهما ليس مكروها بالفعل!) وألم يذق هو نفسه كعم المنع والمصادرة حتي فر ببرنامجه السابق رئيس التحرير من مصر وهي تشهد أزهي عصور الديمقراطية ؟ ولو سألت وزارة الدفاع الأمريكية ستقول لك إنهم يودون إغلاق قناة الجزيرة لأنها تحض علي كراهية الأمريكان.تماما كما تحتج إسرائيل علي صحف مصرية بحجة أنها تحض علي معاداة السامية . لكن الانصاف يقتضي منا أن ننظر الي الوجه الآخر من هذه القضية، ذلك المتعلق بأداء الإعلام ومدي التزامه الموضوعية والقواعد المهنية التي يتشدق بها الجميع، خاصة القنوات التليفزيونية في دعاياتها التي تروج فيها لنهجها الاعلامي. أصبح الاستقطاب السياسي في العالم العربي علي اشده، ولم يكن ممكنا ان يفلت الاعلام من هذا الاستقطاب، وبوجه خاص التليفزيون بسبب تأثيره الجماهيري الكاسح (وفي القلب من جماهيره أغلبية عريضة من الأميين)، وبوجه أخص الفضائيات بسبب امتدادها العابر للقارات. الغرق في المحليات ولننظر الي التليفزيون اللبناني بقنواته المتعددة كدليل ساطع ليس فقط علي انعكاس الاستقطاب السياسي علي القنوات، بل تحول هذه القنوات الي أبواق دعائية تنضح بالمباشرة والفجاجة في تبنيها للأجندة الحزبية ضاربة بعرض الحائط كل ما كانت تدعيه يوما ما من موضوعية وما كان لديها من قدر من المصداقية. الوسيلة الاعلامية التي تتخلي عن رسالتها في الإعلام وفي تبليغ الحقيقة بالقدر الأكبر من الموضوعية والحيادية (لأن الموضوعية تظل نسبية في وسيلة تظل محكومة بأهواء العاملين فيها حتي ولو علي المستوي اللاشعوري)، لا تفقد مشروعية وجودها فحسب، بل تضع نفسها طواعية في قلب المعركة السياسية، كما هو جلي في لبنان، وحين تنحدر الأمور من الردح والتحريض الاعلامي الي معارك الشوارع بالعصي والبنادق، لن يكون مستغربا أن تطال بعض الشظايا هذا الاعلام الذي تم تجييشه، أو تجنيده أو تجييره طائفيا وحزبيا. ليس هذا تبريرا بأي حال للاعتداءات الأخيرة ولكنه مجرد تفسير لها. الإعلام المتحزب طائفيا أو سياسيا، الإعلام المنحاز والمتعصب، هو إعلام ساقط وبلا شرف مهني، ولن يجدي نفعا اتباع منطق النعام ودفن الرؤوس في الرمال وإطلاق صيحات الشجب والادانة. إن لم يرتق الإعلام بأدواته ورسالته فوق مستوي الشبهات فلا يلومن إلا أصحابه والمسؤولين عنه والعاملين فيه، لأنهم ارتضوا أن يتحولوا إلي أدوات أو قفازات في يد السياسيين، يستخدمونها لتوجيه اللكمات والركلات لخصومهم في حلبة السياسة. هذا عن الإعلام المحلي ونموذجه الأوضح في لبنان، لأنه رغم أذرعه الفضائية لايزال غارقا في لبنانيته. لكن الطامة تكون أكبر إذا كان الإعلام يرتدي مسوحا قومية عابرة للأقطار، ليس بمعني تبني فكر قومي أو عروبي بل بمعني مخاطبته جماهير العالم العربي علي اتساعه. إحدي الفضائيات الكبري لدولة عربية كبري تبنت الحكومات العراقية التي توالت علي الحكم منذ الاحتلال، وأغرقت المشاهدين ببرامج ودعايات عن المستقبل المشرق الذي ينتظر العراق، وعن العراق الواحد القوي الديمقراطي المسالم لجيرانه، ومحاربة الإرهاب والإرهابيين، وتماهت تماما مع الأجندة الأمريكية علي نحو تخجل منه الشبكات الأمريكية ذاتها بل ولا تجرؤ علي تبنيه بهذا النهج الفاضح. بل إن مثل هذه الدعايات لا تزال تبث من علي شاشة الفضائية ذاتها رغم تكشف طائفية الحكومة العراقية ودمويتها. حين تتبني قناة إعلامية فريقا سياسيا ضد آخر لدرجة تسقط عنها ورقة التوت، يصبح من العسير التنبؤ بردود فعل الجماهير، خاصة إذا كانت هذه القناة قد تمتعت لدي الجماهير ذاتها في وقت سابق بشيء من المصداقية، أفلا يكون غضب الجماهير مبررا؟ الجزيرة الخصم والحكم أما أسخف ما سمعته في هذا الصدد علي طريقة شر البلية ما يضحك فهو اتهام بعض رجالات فتح قناة الجزيرة بالتحيز لصالح حركة وحكومة حماس . وكأنما حماس حزب مشارك في الائتلاف الإسرائيلي الحاكم، وليست حكومة وحركة فلسطينية. أما المضحك المبكي حقا هو أن يوجه مثل هذا الاتهام الي الجزيرة ، القناة التي تبنت القضية الفلسطينية منذ أول يوم بث لها، ولا تزال أخبار وأحوال ومحن ومآسي هذه القضية تحتل مساحة كبيرة وحيز الصدارة من تغطيات القناة إخباريا وبرامجيا ووثائقيا وحتي لحظة كتابة هذه السطور.(وهو أمر ليس بالمستغرب خاصة إذا ما علمنا بارتفاع نسبة الفلسطينيين بين العاملين في قناة الجزيرة ، والتي تفوق حتي انتشار اللبنانيين في كافة الفضائيات العربية). فهل نسي هؤلاء الأشاوس الفتحاويون تغطيات الجزيرة للانتفاضة علي مدار الأربع والعشرين ساعة طوال سنواتها؟ فإن كان هناك تحيز حقيقي فهو بالتأكيد لصالح رجالات فتح الذين احتكروا السلطة الفلسطينية منذ اختراعها (تماما ككل الأنظمة العربية الفاسدة المتأبدة)، ولو لم تكن الجزيرة منحازة لهم ، لرأينا مثلا برامج عن الفساد المستشري في صفوفهم الذي يتحدث به القاصي والداني في الشارع الفلسطيني لكنه لا يجد طريقه ابدا إلي عناوين الأخبار ولا حتي في الصفحات الداخلية. ناقد من مصر يقيم في امريكا