شيترا : محاولة جميلة قتلها الملل لكنها ذكرتنا بقيمة روحية غابت عنا

حجم الخط
0

شيترا : محاولة جميلة قتلها الملل لكنها ذكرتنا بقيمة روحية غابت عنا

مسرحية لطاغور رواها عبدالرحمن آل رشي شيترا : محاولة جميلة قتلها الملل لكنها ذكرتنا بقيمة روحية غابت عنادمشق ـ القدس العربي ـ من يارا بدر: برعاية وزارة الثقافة، قدّمت دار الأوبرا في دمشق ضمن موسمها الجديد، عرض شيترا للمخرج رمزي شقير الذي كتب في كلمته علي بروشور العرض: إنّ افتتان عبد الرحمن آل رشي بالنص وعشقه له وإدراكه لمعناه قادنا إلي اختيار الراوي وليس الحكواتي كشكل لهذا العرض ثم يعلن أنه تمّ تحويل هذه القصة البسيطة إلي فرجة مسرحية، و بأقل قدر ممكن من مفردات العرض المسرحي .وبداية، ما هي هذه القصة البسيطة التي يقدمها المسرح السوري الآن؟! شيترا مسرحية لطاغور، كتبت عام (1889)، وهي تتكئ كما العديد من أعمال الحائز علي جائزة نوبل للآداب سنة (1914) إلي القصص والأساطير، وبالتحديد علي قصة مأخوذة من الكتاب الهندي الأعظم في الفن المهابهاراتا . تتحدث مسرحية طاغور عن المحارب العظيم أرجونا بانداما من مدينة نايبور، المنتمي إلي طائفة كشتاريا العظيمة، وقد أخذ علي نفسه عهداً بالتنسّك اثني عشر عاماً، ولكنه يلقي صدفة شيترا نفادا ابنة شيترا فاهانا ملك المقاطعة، ابنته الوحيدة التي رباها لتكون رجلاً، فما عرفت من عالم النساء إلا القليل. شيترا تتعرّف الحب أول مرة في مواجهة أرجونا العظيم، ولكن من أين لها به، وهي التي ما حظيت بالجمال أكثر مما حظيت بتعاليم الأنوثة.تشتكي وتتوسل إلي مادنا إله الحب، أن يهبها جمالاً ليوم واحد، وتهبه هي بقيّة عمرها، ولكن الآلهة العادلة تهبها جمالاً يفوق جمال البشر الفانون لعام كامل. تعيشه مع أرجونا الذي استسلم لسحرها وفتنتها، لجمال روحها وصفاء قلبها مُتخلياً عن نذره. إلا أنّ النهاية آتية لا محال، ويزول قناع الربيع وتسقط أوراق شيترا ، فلا يبقي لأرجونا إلا جمال الروح وطهارة الحب. أرجونا الحكيم ينقل رسالة طاغور، بأنّ جمال الروح أسمي من جمال الشكل، باق ٍ لا يزول.أعمال رابراندت طاغور التي شبهها أندريه جيد بأغنية لشومان، أو لحن آريا لجان سيباستيان باخ، تزخر بنفس ٍ أسطوري، حيث صورهُ كالحلم أو الخيال مُشرقة بالنور، ولكن فيها الخصب والحركة، ألفاظه رقيقة، وفي شعره موسيقي خفيفة. الإشراق سمة مميزة في أعمال طاغور المختلفة الفلسفية منها أو الشعرية، الروائية أو المسرحية. إنه الإيمان بجمال الحياة، روح الطبيعة والتأكيد علي نقاء الجوهر الإنساني وطهارته… بسكون ورقة المتعبّد الهندي.قصة الرجل والمرأة هذه، هي أيضاً حكاية عن الجمال، تأتينا مترجمة عن الترجمة الإنكليزية للنص الهندي، في عرض ٍ كان قوامه شخص واحد هو الراوي . وهنا أخالف الأستاذ رمزي شقير حين قال في كلمته (… تحوّل هذه القصة البسيطة إلي فرجة مسرحية ممتعة عبر تقديمها بممثل واحد). إذ لم يكن الدور المناط بالممثل القدير عبد الرحمن آل رشي دوراً تمثيلياً، بل كان كما يصرّح البروشور دور الراوي.إلا أنني أتفق معه بأنّ ما شاهدناه اقترب من الفرجة المسرحية، حيث افتقد لعنصر العرض show كما ابتعد طواعية عن الكثير من مفردات العرض المسرحي، وإن تحدّث البعض عن أنّ هذا العرض يندرج تحت خانة المونودراما حيث قوام الأداء ممثل واحد، فإنّ المونودراما في التعريف مصطلح منحوت من كلمتين يونانيتين هما (Monosوحيد) و(Dramaالفعل). ويقوم هذا النوع المسرحي في الأساس علي مهارة الممثل في الأداء، وهنا منذ إعلان عبد الرحمن آل رشي راوياً وليس حتي حكواتياً، فقد أبعد عن حيّز الأداء إلي حيّز السرد، وإن جري في بعض الحالات المسرحية تداخل الحيزان، إلا أننا هنا شاهدنا راوياً يقص حكاية ولم نشاهد أي نوع ٍ من أنواع الأداء. عبر ساعة من الاستماع، يُعيدنا الصوت الرخيم إلي الماضي البعيد، في حكاية وقعت خارج خشبتنا، ولا يكسر هذا الصوت إلا بعض التسجيلات لصوتٍ أو لآخر يعود افتراضاً إلي واحدٍ من أبطال المسرحية الهندية. بموسيقي ناعمة لمحمد آل رشي حاولت أن تعكس أجواء الحكاية الشفافة، جماليتها ولحظات التوتر والضعف الإنساني فيها، إلا أنها بقيت دون المستوي الجمالي أو الوظيفي المطلوب، تبقي موسيقي جميلة ولكن ليست احترافية، تسير لوحدها أحياناً، وتقع في مطب التكرار في أحيان ٍ أخري.حكاية راوينا نقلت النص الأساسي بأمانة عالية، وليس أكثر، لا إسقاط ولا ربط مع هدف معيّن أو غاية تربط الماضي البعيد بزمن اليوم الحاضر، وسينوغرافيا قوامها كرسي وطاولة صغيرة عليها كتاب مفتوح، يُحيل إلي النص المكتوب للحكاية التي تروي، وحائط يُفتح في الوسط وفق الرؤية الإخراجية للعرض. إضاءة تراوحت معظمها بين البرتقالي الشفاف والأزرق في تدرجاته وحيناً الأخضر الفاهي، أجل لقد افتقد هذا العرض للكثير من عناصر العرض المسرحي، وأولها المؤدون، وثانيها خشبة الفعل، إذ غاب الفعل بذاته، ويبقي السؤال، هل كانت هناك فرجة مسرحية؟! أعتقد مع كل الحضور الطاغي للسرد الطويل المتواصل خلال ساعة من الزمن، ومع غياب أي فعل يجري علي الخشبة، غياب أي تنويع أو تلوين علي عُري الخشبة إلاّ من ماردها، أن ذلك قد غيّب حتي ملامح الفرجة، إنّ الراوي يفصل فيما بينه وبين حكايته، في حين يتدخل الحكواتي في حكايته، رفعه لعصاه واستخدامها غرضاً يُحيل إلي سيف عنترة مثلاً، تقمّص شخصية هذا أو تلك، إشراك الجمهور في القص، ربما كل هذا ينجح في خلق فرجة مسرحية، ولكن هنا كان ابتعاد الراوي واضحاً بملابسه العصرية الأنيقة، وقصّه الذي اعتمد كلمات مثل قال ـ قالت.. يلفظها عامية، ليعود ويكمل الحديث علي لسان شخصيته باللغة العربية الفصحي. في تأكيد ٍ علي المسافة بين زمن اليوم القص وزمن الحكاية وقوع الأحداث ، وعلي المسافة بين الراوي وحكايته.ممثل قدير عبد الرحمن آل رشي يعود إلي رفاقه علي الخشبة بعد زمن، ويكسر صورة جيلنا نحن الشباب عنه، حيث ما عرفناه تقريباً إلا فناناً قديراً علي الشاشة الصغيرة، ومخرج فكك مقاعد الصالة ووضع بدلاً عنها الكراسي الخشبية التقليدية، تحيط بالراوي، ومؤثرات صوتية وبصريّة علي رهافتها حاولت أن تعيد خلق أسطورة ٍ قديمة، تؤكد علي الجمال في زمن ٍ غاب منه الجمال، وأمست الروح كما صوت راوينا عميقة تأتي من البعيد، وإن كانت ضعيفة أحياناً… إلا أنّها محاولة لإعادة التذكير بالجمال، بالروح وحتي بالإنسان، بمفهومه القديم الذي نجحت الحداثة الحضارية للقرن العشرين في تغييبه، يأتي مقتل هذه المحاولة من جوهرها ذاته، إنّ السرد المتواصل دون أي تواصل مع الجمهور، دون أي تفاعل أو حتي استحضار لمشاعر المتلقي، يُبعده ويقصيه، إلي زمنه الحالي ويغرقه في دوامة ذاته، فما بين الماضي البعيد وأبطاله، ومُشاهد اليوم ووحدته في الصالة المظلمة، حاول راوينا أن يكون جسر الوصل، ولكنه هو أيضاً نأي بنفسه بعيداً إلي صومعة الراوي المستقل، وإن حاول أن يكسر هذا الجو بإشراك المتلقي في السرد، فأعاد صياغة مقطع ٍ من حديثه مورداً خطأ ً فيه، فتدخل أحد المشاهدين ليصحح له، لقد كانت هذه الحركة بجماليتها وبساطتها كنفحة هواء جددت بعضاً من النشاط، ولكنها بقيت يتيمة، علي الأقل في العرض الذي شاهدته. قتل الملل جمالية هذه الحكاية، وهذه المحاولة برسم ملامح فرجة مسرحية ممتعة، ولكن بقيت جمالية المحاولة بحد ذاتها، فما بين العرض المسرحي الغائب والفرجة المشتهاة المخنوقة، بقي العرض بمعناه الحديث show حيث هناك من يقوم بفعل ما أمام مجموعة من المشاهدين مع إدراكه لكونه يُشاهد، والراوي هنا مُدرك لهذا الشرط، ولهذا العرض غايته أو فكرته التي يريد إيصالها، وإن لم يكن العرض بالمستوي المشتهي لنصٍ شاعري من عبق طاغور، ولممثل عادَ إلي منزلهِ بعد طول اغتراب، فإنه ينجح بتذكيرنا بقيمة روحية غابت عنا، وتبقي لكل محاولة فرادتها وخصوصيتها المستقلة.2

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية