تشتغل رواية محمد أنقار الأخيرة الموسومة بـ ‘شيخ الرماية’ انطلاقا من لعبة سردية تجعل التاريخ العائلي/الأسري أفقا لتشكيل متخيل النص الإبداعي.
وينبني هذا البعد الفني في النص عن طريق تتبع سيرة الجد: ‘شيخ الرماية’ التي يضطلع بها كل من الحفيد وصديقِه عبد الرزاق، وجعل الرغبة في كتابة سيرة الجد وتدوين كراماته هاجسا أساسا في تطور الأحداث وبناء العوالم الحكائية، ومن ثم تمازج الرغبات وتداخل الحيوات وتآلفها في نسيج سردي ينتقل إلى الماضي/ التاريخ، ويعود إلى الحاضر الذي يحياه الحفيد وصديقه عبد الرزاق. وفي هذا السياق الفني، وعبر هذه اللعبة الروائية، تتشكل أمام القارئ معالم صرح سردي لا يخلو من متعة ومن فائدة. فكيف يتشكل التاريخي في الرواية؟ وما معالم إسهامه في البناء الروائي؟ وهل أفلح البطل، ومن خلال إسهام صديقه عبد الرزاق، في استعادة سيرة الجد العجيبة وتوثيق كراماته المحيرة والمثيرة؟
مما لا شك فيه أن قارئ الرواية سيجد نفسه منساقا وراء رغبة الشخصية المحورية في الرواية، وهي شخصية مَحمد التي تسعى إلى الإمساك بسيرة الجد وبتاريخ منسي من تاريخ تطوان وباديتها، بل تاريخُ مُمارسةٍ أهملتها كتب التاريخ المعاصر على الرغم من دورها الفعال في حياة الناس خلال فترة من واقع المغرب، وهي الرماية وما كانت تقوم به في الحياة الاجتماعية، وما شكلُه شيوخها من خطورة في حياة الناس، إذ اضطلعوا بحماية قبائلهم، والدفاع عن أهلها، إلى جانب دورهم الجهادي. وهكذا تنطلق الرواية من هذا المعطى التاريخي المهمل لتنبش فيه، ولتعيد جوانب منه عبر تشكيل متخيلها الروائي.
تنفتح الرواية على لعبة سردية اتبعها الكاتب ليتمكن من لمِّ حكايات الجد وجوانب من حياته، وفي نفس الآن ليُمكن شخصيته المحورية مَحمد، من جهة، من إسماع صوتها وحكايتها، ومن جهة ثانية استرجاع حياة الجد، وبعض حكايا أفراد عائلته الآخرين؛ وتتمثل هذه اللعبة في جعل راو آخر يصاحبه في رحلة بحثه ورغبته في كتابة سيرة الجد، إنه صديقه عبد الرزاق الذي يحكي، بدوره، عن ذاته وعن معاناته في الحياة والكتابة. ولذلك حمل القسم الأول من الرواية اسم عبد الرزاق، بينما وُسم القسم الثاني باسم محمد، في حين سيحمل القسم الثالث عنوان الشيخ. وعبر هذا التنويع في تشكيل الخطاب، وتنويع رواة الوقائع والأحداث تترى سير هذه الشخصيات الثلاث أمام ناظري القارئ وتنبني عوالم الخيال في الرواية.
ولعل البعد التاريخي الذي تستثمره الرواية يبدو منذ قسمها الأول الذي يعود إلى التاريخ المعاصر، وإلى فترة التحصيل المعرفي والعلمي للطالب عبد الرزاق، وما عاشه من مجريات النضال الطلابي وتبعاته. إن الرواية تنفتح على الوقائع التاريخية القريبة التي عاشها جيل من الشباب المغربي أواخر الستينات وبداية السبعينات- واكتوى بنيرانها وتركت أثرها الذي لا يمحي في حياتها وتكوينها الوجداني والعقلي، وانعكس على تفاعلها مع الحياة؛ كما أنها ترتبط باللحظة الراهنة عبر استدعاء أجواء ‘الربيع العربي’ واحتجاجات شباب حركة 20 فبراير. وهذا البعد الهام في الرواية، سيفضي إلى النظر إلى الماضي وإلى تاريخ الجد وحكاياته بمنظور نقدي واضح وعقلاني عند عبد الرزاق على عكس محمد الذي كان يستهويه استرجاع كرامات الجد وغرائب سيرته تعويضا عن شجرة نسب مفقودة، أو متوهمة يسعى إلى تجميع ما تفرق منها عبر خوضه مغامرة توثيق المعلومات والأخبار المتصلة بالجد وعائلته.
بهذه الكيفية تبني الرواية لعبة متخيلها الماكر، وتضفر خيوط عوالمها المتشابكة. هذه العوالم التي تفضي فيها حكاية عبد الرزاق، إلى حكاية صديقه محمد، ومن ثم حكاية الجد في حلقات متسقة مرتبطة على الرغم من التوزع الذي يوهم به تقسيم الرواية إلى أقسام ثلاثة. وقد عبر عبد الرزاق عن الحافز الذي دفعه إلى كتابة سيرة الجد بقوله:
‘ولعل ظروف النشأة بين أحضان الطبيعة المنفتحة في غرابو وواد بوسافو أن تكون كذلك سببا في تمرسي بتأمل أساليب مختلف الكتاب وتشرب صيغهم، مثلما كانت سببا خفيا في مشاركتي الوجدانية لشيخ الرماية عاشق الطبيعة، وتطوعي التلقائي إلى تنظيم حكايات كراماته. ربما كانت أيضا سببا في بعض التأملات الفكرية التي أضفتها إلى الحكايات، وعللت بها بعض الكرامات'(ص.17)
ويضيف عبد الرزاق في سياق آخر:
‘.. لكني لن أخفيكم سرا إن قلت إن اللعبة التي اقترحها علي محمد قد استهوتني ودغدغت تطلعاتي النضالية والفلسفية. كنت أقول:
-تجربة البحث في أخبار شيخ الرماية من شأنها أن تمضي بي بعيدا في حقل التأمل..
لذا طالما تركت محمدا يمعن الإبقاء على المعركة محتدمة داخل الأغوار، مرتبطة بالماضي، دونما رغبة في نقلها إلى الخارج..
إلا أن هاجسا آخر كان يعاكسني قائلا:
ومن أدراني بأنه في طلبه لسوانح الماضي ومطاردته لهواجس الذات قد ابتعد عني أشواطا، وترك فكري الإيديولوجي يحوم حول نفسه منذ سنوات، من دون أن يستطيع اختراق الدائرة. فكري الذي يقوم الأشياء من منظور الحسابات السياسية والافتراضات المنطقية عوض الخيال المرتبك؟'(ص. 19-20).
إذا كان المقتطف الأول من الرواية يعلل الدافع إلى قبول صياغة سيرة شيخ الرماية من قبل عبد الرزاق بالقواسم المشتركة بينهما، المتمثلةِ في حب الطبيعة وعشقها ورغبته في التأمل من خلال النظر في كراماته وتعليلها فكريا، فإن المقطع الثاني يؤكد أن ‘لعبة الكتابة’ كانت مغرية بالنسبة إلى عبد الرزاق لأنها ستكون فرصته لعجم مدى قدرته على التأمل والوصول إلى نتائج وخلاصات تغري حدسه الفلسفي وتاريخه النضالي، وهو يعتبر أن فتح باب ‘الخيال المرتبك’ -الذي يوحي به هوس صديقه محمد وتطلعه إلى لَمِّ شتات تاريخ الجد وسيرته- وسيلة أخرى لكي يُخرج فكره من الدائرة الضيقة التي حَشر نفسه فيها. وبهذه الكيفية تصبح الكتابة بالنسبة إلى عبد الرزاق وسيلة لتحرير الذات وفهم الآخر وفهم التاريخ ذاته عن طريق إعادة كتابته والشغف بما قد يبعثه من رؤى وتأملات جديدة لديه. وبهذه الشاكلة تصبح مهمة الكتابة لديه متعددة المرامي متنوعة الأبعاد، مما يكشف أن إعادة كتابة السيرة/ التاريخ عملية معقدة وصعبة. يقول عبد الرزاق مشيرا إلى المهام المختلفة التي تحملها وهو يعيد ترتيب حكايات الجد وكراماته، ومغامرات محمد وتطلعاته:
‘.. أشعر الآن بارتياح إثر مساهمتي في مساعدة محمد على صياغة أخباره، وحكايات جده، وتفاصيل بعض مغامراته النسائية، بل حتى مساعدته على الاقتراب من فهم نفسه من خلال الإنصات إليه ومشاركته وجدانيا..'(ص. 22).
بهذه الكيفية كانت مهمة عبد الرزاق في صياغة المعطيات التاريخية المتصلة بالجد تتجاوز مجرد جمع أخباره وصياغتها، إلى صياغة مغامرات محمد النسائية وتنظيم تفاصيلها، بل ومساعدته على فهم نفسه أيضا عن طريق التفاعل معه وجدانيا. ولا ننسى أن عبد الرزاق باعتباره خريجَ قسم الفلسفة تخصص علم النفس، وباعتبار تاريخه النضالي والتعليمي، وباعتبار صحبته الطويلة لمحمد ومعايشته لحكايات الجد، أنسب شخصية لكتابة تاريخ فريد يجتمع فيه الذاتي بالموضوعي، والواقعي بالمتخيل، والروحي بالمادي، والفلسفي التأملي بالفطري التلقائي. وعن طريق اجتماع هذه الثنائيات التي، قد تبدو متنافرة، يتمكن عبد الرزاق من بناء سيرة الجد، أو على الأقل إلقاء الضوء على جوانب هامة منها، كما يتمكن من إلقاء الضوء على جوانب من التاريخ المغربي المعاصر. وهنا تكمن ‘سلوة أنفاسه’ أو نفسه، وهو يخوض غمار مشاطرة صديق عمره تحويل حلمه إلى حقيقة مشخصة على الورق، وبعد خوض تجربة المغامرة والسفر، وتحويل كل ذلك إلى نص مكتوب، ومتخيل فاتن، وتاريخ جديد لمنسي من منسيات التدوين التاريخي في المغرب.
والناظر في الرواية يجد هذا التاريخ المتعدد الأبعاد يتمحور حول أسر محددة: هي أسرة عبد الرزاق، وأسرة صديقه محمد، وأسرة الجد، ومن ثم نجد هذا التاريخ يتشكل من سير عدد كبير من الشخصيات تتقاطع حكاياتها مع حكايات الجد. وتكشف لنا هذه الاستراتيجية في إعادة كتابة التاريخ فنيا عن العناية بالبعد الهامشي في مجريات الوقائع الحياتية الكبرى والاهتمام بالحوادث الهامشية التي أغفلها التاريخ الرسمي أو عمل على نسيانها، خاصة أن الرواية تبني هذه الأحداث بما عرفته من تشابك للواقع بالمتخيل، والمادي بالروحي، والعقلي بالخرافي أو الأسطوري في نسق جديد يقوم على بعدين:
– البعد الأول: يتمثل في السعي إلى التوثيق وتجميع الروايات والأخبار المرتبطة بالجد، وهذه المهمة اضطلع بها محمد في محاولته الأولى لضبط سيرة جده، وكانت هذه المحاولة عفوية تراثية الطابع تعتمد تحويل النص الشفهي المروي عن الجد إلى نص مكتوب في دفتر كان ينعته بالكشكول.
– البعد الثاني: ويتمثل في عملية التحليل والتمحيص، وهي المهمة التي قام بها المثقف والمناضل عبد الرزاق عبر صياغة ما نفترض أنه نص الرواية التي بين أيدينا، وهو الذي جعل حكايته تتصدرها، ثم أتبع ذلك بحكاية صاحبه محمد، وأخيرا روى حكاية الجد كما جمعها محمد؛ وهو الذي يقدم لنا تأملاته حول تاريخ الجد وسيرته منجمة على الفصول الثلاثة بالتدريج في سياق لعبة سردية مغرية بالمتابعة والدراسة.
والمتأمل في هذه الاستراتيجية السردية يلاحظ أن الرواية انبنت على ‘تاريخ العائلة’، وعلى وقائع تتصل بأسر مختلفة منطلقا لصياغة التاريخي، وأساسا لتشكيل السيرة الخاصة بالجد، من جهة، وتشكيل سيرتي محمد وعبد الرزاق، من جهة ثانية. وهي بذلك تعيد الأهمية لوقائع وأخبار العوائل والأسر في صياغة تاريخ جديد: تاريخ مفترض أو ممكن يقوم على الهامشي، وإعادة الاعتبار للرواية الشفهية بما تكتنزه من احتمال وما تعج به من خلط بين الواقع والخيال، وما تحبل به من إيمان في جدوى الكرامة والمنامات في تشكيل حقائق لا نلقاها في التاريخ الرسمي.
بهذه الشاكلة تنتصر رواية ‘شيخ الرماية’ إلى قيم جديدة في إعادة صياغة الوقائع والأحداث التاريخية سواء القريبة أو البعيدة منها، وهكذا تعيد الاعتبار لجوانب مغفلة من تاريخ مغربنا عبر لعبتها الفنية الذكية.