‘شيخ الرماية’ والحكاية المؤجلة

حجم الخط
0

‘شيخ الرماية’ هي الرواية الثالثة للروائي المغربي محمد أنقار، وقد صدرت عن منشورات بيت الحكمة بتطوان.
تقع الرواية في 184 صفحة من القطع المتوسط، تزينها لوحة الفنان التشكيلي بوزيد بوعبيد، وتتوزع إلى ثلاثة فصول، كل فصل يحمل اسم احدى الشخصيات الرئيسة: عبد الرزاق، محمد، شيخ الرماية.
تحكي الرواية قصة محمد الباحث عن حكايات جده شيخ الرماية، حيث سيكلف صديقه عبد الرزاق بتدوين رحلة البحث نحو الحكاية بتفاصيلها الكبيرة والصغيرة، هكذا سيصبح عبد الرزاق جزءا من الحكاية وساردها الذي أتاح لنفسه إمكان التدخل في صياغتها بالتصويب والتصحيح والاقتباس. يتفق الصديقان على خوض مغامرة البحث والتنقيب في القرى والمداشر والمدن والكناشات لتتبع آثار ومآثر شيخ الرماية، فهدف محمد من البحث هو إيجاد شجرة العائلة وفك ألغازها بينما هدفه المضمر هو محاولة فهم ذاته وتعميق وجوده وتعويض فشله مع النساء، وربما استعادة بركة جده المؤجلة.
محمد وهو يبحث عن حكايات جده، إنما كان يبحث عن ذاته التائهة ولكي يجدها تجشم عناء السفر إلى الرباط ثم سلا والسفر نحو القرى الجبلية المتاخمة لتطوان كالزينات وترنكات وأنقارن وبوسملال.. وفي كل سفر يعود محمد بحكاية ناقصة، يعود إلى تطوان ليفكر من جديد في جده ومآله ونسائه وبركته، ليقرر من جديد العودة إلى منبع الحكاية حتى يتسنى له فهم ذاته واستعادة البركة، وحكايته التي يبحث عنها لن تتحقق إلا في قرية الشقاقرة منبع الحكاية، وفيها يرقد شيخ الرماية تاركا بركته في سكان القرية حيث يعتقدون مدى قوته في توفير الأمن والسلام لهم، هكذا سيستمع محمد رفقة صديقه عبد الرزاق لحكايات الجد وكرماته، وهناك سيعثر على خيط رفيع سيقوده إلى ملء الفراغات الموجودة في الحكاية، حيث سيوجهه فقيه الشقاقرة إلى الحاج شقور العارف بسيرة شيخ الرماية وحكاياه، وبواسطته ستكتمل الحكاية، حيث سيسرد حكايات الجد وكرماته والأمكنة التي استقر فيها وقوته ليخفف ذاكرته من ثقلها ويطعمها لمحمد الباحث عن الكنز المفقود.
هي حكايات تتراوح بين ما هو واقعي وبين ما هو خيالي وعجائبي، إنها تميل إلى الادهاش، وتترجم بصدق طبيعة العقلية التي أنتجتها والتي تميل إلى إضفاء القداسة على الصلحاء والأولياء، والقداسة لن تتمثل إلا عن طريقة حكاية كلما لاكتها الألسن كلما كبرت وانتفخت، وهي الحكاية القادرة على السفر عبر الزمن، وبواسطته تتمكن من مقاومة كل ما لا يتوافق مع ما هو سائد، إنها الحكاية نفسها تجد من يصدقها، ومن يصدقها يضفي عليها من سرده ما يجعلها تجد آذانا مستعدة للتسليم والانصياع.
لقد اهتم محمد أنقار بالتفاصيل الدقيقة لحياة شخوصه والفضاءات التي يتحركون فيها، ولعل ثقافة الرجل السينمائية واطلاعه على الرواية العالمية وتجربته في الحياة مكنته من الغوص في كل ما هو جزئي أو هامشي قصد ضبط المشاهد والصور، وكأنه يحمل كاميرا سينمائية دقيقة تنغرس فيما هو خارجي بهدف حصره، وتنغرس فيما هو داخلي بهدف تعريته، وقد تطعم الوصف عبر التنويع في مستويات سرد الحكاية والتدرج في سرد أحداثها، حيث لجأ محمد أنقار في الفصل الأول إلى السرد الاسترجاعي المبني على استعادة الماضي قصد تأسيس رؤية واضحة تجاه الحاضر، بينما يلجأ في الفصل الثاني إلى السرد المتوتر حيث عاينا إحباطات محمد في القبض على حكايات الجد، وهو التوتر الذي قاد محمد إلى الانفراج عبر الحصول على خيط الحكاية الرفيع والمتمثل في سارد سيرة شيخ الرماية، أما الفصل الثالث فيتسم بالسرد الموضوعي حيث يتراجع السارد الأول والثاني ليتيحا المجال لسارد محايد يروي من ذاكرته فصول سيرة شيخ الرماية المغيبة، ولعل هذا التنويع في مستويات السرد كفيل بتخليص الرواية من الرتابة المحتملة، بل إن محمد أنقار أمعن في توريط قارئه في عمق الحدث، فهو لم يقدم حكاية جاهزة تنحو نحو الاكتمال، وإنما كان يصب جرعات خفيفة تزيد من عطش القارئ التواق لمعرفة حكاية شيخ الرماية وحكاية ‘خدوج صويط’ التي ظلت سؤال مفتوحا على أشرعة التأويل.
لقد اختار محمد أنقار طريقا صعبة لأن المادة التي اشتغل عليها لم تكن جاهزة ومتوفرة، وبهمة المؤرخ الشاب راح محمد أنقار يجمع مادته من أفواه الشيوخ وينقب في الكناشات ويسافر إلى قرى جبلية وعرة ليدون تاريخا شفويا طاله النسيان والتهميش، وهو لم يشأ أن يكون دوره تسجيليا، وإنما صاغ الحكاية في قالب روائي احترم خصوصية الجنس الأدبي وعناصره، وطعم رواية بمعاناته في البحث والسفر، وحرر الحكايات التي سمعها بلغة شفيفة خاصة به.
شيخ الرماية رواية لا تخاطب جمهور الأدب فقط، وإنما تخاطب السياسي والمؤرخ وعالم الاجتماع، إنها تخاطب الإنساني فينا، فالحياة لا يمكن أن تستقيم مادام هناك جزء كبير من تاريخنا طاله النسيان والتهميش، يطلب محمد أنقار منا أن نعود إلى حكايات أجدادنا من أجل توثيقها حتى لا تضيع ومن أجل أن نفهم ذواتنا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية