شيخ الطريقة الرحمانية والرئيس المغتال محمد بوضياف

حجم الخط
0

إسماعيل ألقاسمي الحسني الأسباب التي دعتني لكتابة هذا المقال ثلاث، الأول هو أن ما يرد في المقال من معلومات، لا يحيط بها إلا قلة في الجزائر منهم من قضى نحبه؛ والثاني أني اعتقد جازما بأن هذه المعلومات ملكية للشعب الجزائري لا يحق لأحد كتمانها، خاصة وقد تلقيت كثيرا من التساؤلات من قبل مسؤولين سابقين عن حقيقة موقف شيخ الطريقة الرحمانية، ورئيس رابطة زواياها العلمية في الجزائر آنذاك، فضلا عن أتباع الطريقة؛ حين صدر لي عبر هذه الصحيفة مقال، منذ ثلاث سنوات تحت عنوانبشهادة لا تقبل الكتمان’، أشرت فيه عابرا عن هذه المواقف؛و السبب الأخير أني استدبرت من عمري أكثر مما بقي، وخشيت ألا يأتي احد من بعدي على ذكر مواقف شهدتها عيانا بنفسي، فأغلب من عاشها -على قلتهم- كما أسلفت قد سبقني إلى دار الحق؛ ولعل ما جعل مثل هذه المواقف مجهولة لدى الخاصة فضلا عن العامة، أن الشيخ نفسه الخليل مصطفى القاسمي- رحمه الله-(1930-1994) كان يستنكف عن الظهور الإعلامي، منعا لأي استغلال سياسي مشبوه، أو توظيف لمقامه في غير المصلحة العامة.و باختصار شديد، كان لقاء الشيخ بموفد محمد بوضياف في زاوية الهامل، بعد إقالة الرئيس الشاذلي بن جديد 14/01/92 مباشرة، كان السيد عامر العبادي (من خاصة المقربين للرئيس) يحمل سؤالا واحدا من قبل محمد بوضياف لفضيلة الشيخ (رحم الله الجميع): لقد عرضت علي السلطة العسكرية في الجزائر تولي زمام الحكم، مع ضمان وضع كل السلطات في يدي، فماذا ترون؟. كان جواب الوالد مختصرا وهو الرفض القاطع، استند في موقفه هذا على عدة قرائن، كان من بينها:1- علمه بجدية مسعى الرئيس المقال في بناء دولة ديمقراطية، ترتكز على فصل السلطات الثلاث واستقلاليتها.2- معرفته بطبيعة رجال المؤسسة العسكرية حينها وتوجهاتهم الفكرية، التي تتعارض مع مسعى الرئيس المقال.3- أن المعلومات التي نقلت لمحمد بوضياف عن حقيقة الأوضاع كلها مغلوطة.(كان قد عرضها الموفد في مقدمة حواره).4- أن الرئيس المقال جنرال من المؤسسة العسكرية ذاتها، يسنده جناح قوي تابع له، مع ذلك غامرت هذه المجموعة بإقالته واستحداث فراغ دستوري، ما يعني بالضرورة استحالة أن تسلم تلكم السلطات لرجل مدني نظيف اليد، ليس له جناح من المؤسسة يستقوي أو يحتمي به من خصومه.5- وأخيرا، أن اختيار محمد بوضياف إنما للتغطية على الجرم، واستغلال مشين لتاريخه الناصع، وسدا فاعلا في وجه أي حركة شعبية سلمية ضد الانقلاب، لما يتمتع به محمد بوضياف من تقدير. اللقاء الثاني: جاء بعد أسبوعين من تسلم محمد بوضياف مقاليد السلطة أي أواخر الشهر الأول، كان فحواه دعوة الشيخ لمقر رئاسة الجـــــمهورية، للتداول في شؤون البلد واستعراض المعطيات التي كانت بــين يدي رئيس الدولة؛ رفض الشيخ الدعوة خشية – كما سبق الذكر- استغلال موقعه وصورته، من قبل بعض دوائر السلطة التي كانت تسعى جهدها، لإقناع الشعب بسلامة خيارها الانقلابي.عبر وسائل إعلامها طبعا؛ بل وذهب الشيخ ابعد من ذلك، حين رفض زيارة أي وزير أو مسؤول سامي لمقر زاوية الهامل، إلى غاية وفاته سنة 1994.اللقاء الثالث: كان في منتصف الشهر الثاني من عام 92، نقل فيه مبعوث الرئيس أهم القرارات التي توصل إليها لحل أزمة الجزائر، كان أخطرها اعتقال المتطرفين الإسلاميين كما وصفهم، والزج بهم في معتقلات بصحراء الجزائر. كان المبعوث قد قدم بين يدي هذه القرارات، صورة قاتمة عن الأوضاع، تنتهي في نظر الرئيس حسب زعمه، لحل جذري كهذا. لا يتسع المقال لوصف غضب الشيخ، وأسلوب رده الذي خلى من كل مجاملة، ولكن أقتصر على مضمون الجواب: 1- إن عملية الاعتقال مرفوضة بشكل قاطع، لما لها من تداعيات كارثية على الجزائر، وهي بالمجمل والتفصيل خارجة عن الشرع والقانون.2- لا يمكن بحال من الأحوال تجنب مظالم ترتكب في حق البعض، وهو ما يزيد من تأجيج الفتنة، بل ويسوغ للمتطرفين الذهاب بعيدا في ردة الفعل.3- لن تكون هذه المعتقلات في صحراء الجزائر، إلا أداة تجمع بين المستهدفين من مشرق الجزائر إلى مغربها، ليكون المحتشد أشبه بحاضنة لن تفرخ إلا مشاعر الانتقام، بعد أن تتجذر في النفوس نتيجة الظلم، وتترجم حتما لأعمال دموية لا يتحمل الشعب الجزائري ثقلها.4- أن الحل الأمني قد جربته فرنسا مع أبناء الجزائر وجغرافيتها، وجيشها كان أقوى من الجيش الجزائري باختلاف العقيدة والجنس، والرئيس نفسه خير شاهد على النتيجة.5- ذكر المبعوث برؤيته في اللقاء الأول، وخشيته من تقديم عرض حال للرئيس، مليء بالمغالطات حتى تدفعه تلكم المجموعة التي استقدمته، لاتخاذ قرارات من هذا النوع، استجابة لسياساتها وأهدافها ومصالحها، لا علاقة لها بل منافية تماما لمصلحة الجزائر.6- وأخيرا، أنقل وبأمانة ملاحظة فضيلة الشيخ، التي كانت صادمة لمبعوث الرئيس، حين طلب إليه نقل ما سبق ذكره، مع التساؤل التالي: األا يرى الرئيس بأنه آخر من فر من معتقلات الصحراء 62/63 وبطش السلطة الجزائرية، وانه لمن المفارقات العجيبة أن تغلق من بعده، ويكون هو نفسه أول من يعيد فتح المعتقلات بعد 30 عاما، ويزج بأبناء الشعب فيهاب.اللقاء الرابع: عاد مبعوث الرئيس في الشهر الثالث، بعد أن سبق السيف العذل، يحمل دعوة أخرى لفضيلة الشيخ، لزيارة الرئيس بالعاصمة الجزائر، مع ضمان عدم التغطية الإعلامية، لكنه عاد مرة أخرى بخفي حنين. اللقاء الخامس: انقطع الاتصال بين زاوية الهامل ومؤسسة الرئاسة ما يقرب من ثلاثة أشهر، ليفاجئنا موفد الرئيس أوائل الشهر السادس بمجيئه، رفض الشيخ خليل وبشكل قوي استقباله، وكلـــــف كاتب المقال بالقيام بواجب الضيافة ثم توديعه؛ بلغ الحرج من المبعوث الرئاسي مبلغه، ولم يجد بدا من ترك رسالة الرئيس، كان مضمونها أن الأخــــير وقف على صحة رأي الشيخ، وصدق المعلومات التي زوده بــــها أول الأمر، واكتشف أنه قد غرر به فعلا، وتمت مغالطته واستدراجه وما إلى ذلك، وقد قرر إعلان حرب لا هوادة فيها، ضد هذه المجموعة التي توشــك أن تودي بالبلد والشعب إلى الهلاك، لا لشيء إلا خدمة لمصالحها المرتبطة أصلا بمصالح غربية كذلك. ثم عرض مرة أخــرى دعوة الشيخ للرئاسة لمناقشة الواقع الذي اكتشفه الرئيس حديثا، وإلا فإن الرئيس شخصيا سينتقل بتاريخ 6/7/92، إلى مقر زاوية الهامل.’ فلاح جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية