الناصرة- “القدس العربي”: بقي الشيخ عبد المعطي عدوي أبو علي من بلدة طرعان قضاء الناصرة داخل أراضي 48 يتمتع بصحة وذاكرة جيدتين حتى رحل بالأمس عن 97 عاما.
قبل أيام التقيناه داخل مضافته في عمارة فلسطينية تقليدية تعرف بـ”العقد” وخلال احتساء القهوة المّرة استعاد أبو علي فصلا من ذاكرة النكبة وقدم تفاصيل مرعبة عن انتهاكات العصابات الصهيونية بحق المدنيين الفلسطينيين حينما داهمت البلدات العربية واعتقلت شبابها بذريعة أنهم “أسرى حرب” رغم أن أغلبيتهم لم تكن لها علاقة بالعمل العسكري.
وعما حصل قال الشيخ أبو علي العدوي في شهادته إنه في عام 1948 تم احتلال طرعان بعد القريتين المجاورتين كفركنا وصفورية وعثرت العصابات الصهيونية على 69 بندقية في طرعان وفي اليوم الثاني اعتقلوا 69 شابا كان هو واحدا منهم.
وتابع: “كنت جالسا في العقد أنا وفضل العبد العدوي وبقيت مختبئا ولما فتحنا كان الجنود الإسرائيليون في الساحة فاصطحبونا نحو دار عمي المختار ووضعونا في باصين كانا مليئين بالشباب. في آخر دقيقة اعتقلوني، وفي البداية اعتقدنا أننا ذاهبون لدفن شهداء في قرية السجرة المجاورة. عند مستوطنة نهلال، أوقفوا الباصين وأجبروا بعض الركاب على دهن نوافذ الحافلتين بالتراب الأحمر ومن ثم أكملنا نحو قرية إجليل الفلسطينية بجانب مستوطنة هرتسيليا على ساحل البحر جنوب مدينة يافا”.
واستذكر الشيخ العدوي أن “الأسرى” الذين لم يشارك معظمهم ولو بإطلاق رصاصة واحدة وصلوا لقرية إجليل الفلسطينية وأدخلوهم على دار المختار وهي عبارة عن غرفة اسمنتية مع سور وبوابة”. وتابع واصفا المحنة الشديدة: “داخل الغرفة كنا نحو 250 شخصا من جيل 16 حتى 60 عاما، بقينا واقفين على أرجلنا طيلة الليل دون نوم وبزحمة كبيرة”.
القمل مثل النمل
وقال إن الجنود الإسرائيليين عند الصباح أخذوا الشباب الفلسطينيين إلى المعسكر على بعد 2-3 كيلومتر. وأضاف واصفا الأسر غير اللائق بالحيوانات: “دخلنا الخيام وقعدنا على الأرض وكان القمل يمشي على الأرض مثل النمل بسبب الأوساخ. في أحد الايام أحضروا طيارا مصريا قيل إن طائرته سقطت عند بلدة المجيدل في الجليل، أودعوه داخل خيمة محاطة بالسلك وعاملوه معاملة أحسن منا بسبب درجته العسكرية على ما يبدو”.
ويستذكر أبو علي أنه في كل صباح كان الجنود الإسرائيليون يأتون بـ”تنكة شاي” لكل عشرين أسيرا وبفرقته التي عدت أربعين شابا تم تعيينه مسؤولا هو وزميلاه ذيب الحبيب وسالم شحادة من طرعان.
وقال أيضا إن فطور المعتقلين كان شايا فقط، وعند الظهر أحضروا تنكة شوربة عدس أو قرع أو بازيلا دون خبز وعند المغرب كان العشاء خبزا جافا فقط، ومنحوا كل خمسة معتقلين رغيفا وزنه كيلوغرام واحد.
وتابع: “كنا نطلب الخبز مع الشاي في الصباح فرفضوا، أما ماء الشرب فكانت حنفية لكل المعتقلين نصطف أمامها للشرب في طابور طويل ولا يوجد حمامات أو مراحيض بل قضينا حاجاتنا داخل المعسكر بالبرية. أذكر أن معتقلين من بلدات دبورية واكسال والناصرة وعيلوط ويافا ومن الجليل الغربي كانوا معنا في المعتقل”.
نهشنا الجوع وهزلت أجسادنا حتى عجز الأب عن التعرف على ابنه
حبة التين
واستذكر أبو علي قتل بعض الشباب بالمعتقلات بذريعة أنهم كانوا يحاولون الهرب، وللتدليل على ذلك قال: ” كان هناك شاب معتقل من يافا يرغب بالتقاط ثمر التين من شجرة بمحاذاة المعسكر فرموه بالنار في ظهره وقتلوه أمام شقيقه ومنعوه من التقدم باتجاهه”.
وتابع: “وفي الليل كانوا أحيانا يطلقون الرصاص علينا داخل الخيم في المعسكر الذي كنا ندعوه بـ”الكيج” ولذلك صرنا نحفر داخلها حفرا كالقبور ونرقد فيها في المبيت ونضع قطعا ترابية حولها جدارا ساترا ترابيا كي نحمي أنفسنا. في النهار كانت الخيمة تظللنا من الشمس وفي الليل نجعلها فرشة وغطاء”.
طابور الصباح والمساء
وقال أبو علي في شهادته إنه في كل صباح ومع شروق الشمس كان يحضر ضابط إسرائيلي ويعد “الأسرى” في الخيمة، وتابع: “بسبب الجوع هزلت أجسامنا ولم نعد نقوى على الوقوف. بعد أكثر من شهر على الاعتقال حضر بعض وجهاء البلاد المتبقين فيها بعد نكبة 1948 ومعهم والدي، فناداني وسألني عن شقيقي عبد الحميد وهو واقف بجانبي فاستنتجت أنه لم يتعرف عليه بسبب هزال جسمه بعد الاعتقال وقلة الأكل”.
وكشف أن والده أحضر معه نقودا بالجنيه الفلسطيني من عائلات المعتقلين، ولم يصرح بها عند مدخل المعتقل لأنه كان يدرك أن الجيش سيصادرها. وتابع: ” جلس والدي بجانبي ودسّ النقود بجيبي مع قائمة أسماء أصحابها وطلب مني توزيعها لكن إدارة المعسكر رفضت أن نشتري بها الخبز”.
وأضاف مما تحمله ذاكرته عن مأساة المعتقل الإسرائيلي: “حكينا قصة قتل الشاب من يافا للطيار المصري فقال: اضربوا عن الأكل وفعلا أضربنا ثلاثة أيام حتى جاء الصليب الأحمر الذي أبلغ الملك عبد الله بالحادثة، فقام وفق ما سمعناه بإصدار التعليمات بإطلاق النار على سبعة أسرى يهود مقابل الشاب العربي اليافاوي. لاحقا وقبيل عيد الأضحى بعث لنا الملك عبد الله خرافا وأرزا وتمرا وبدأت المعاملة تتغير بعد زيارة الصليب الأحمر”.
وفي ليلة من الليالي عرض علينا ثلاثة شباب من يافا أن نهرب وأبلغونا أنهم بنفس الليلة سيهربون، وفعلا بعد منتصف الليل “شلحوا بزق ربهن” وأمسكوا بثيابهم بين أسنانهم وزحفوا تحت سلك الشوك. ولما شعر الحراس اليهود أطلقوا الرصاص عليهم ولكنهم هربوا ونحن لم نرض بالهرب، لأنه لم يكن أمامنا مكان نهرب إليه، وآثرنا البقاء تحت العذاب على الغربة والشتات”.
وبعد أربعة شهور بُلغ المعتقلون بانتهاء مدة الاعتقال فتم نقلهم إلى الناصرة ولقلة المواصلات ناموا لدى بعض أهالي المدينة هناك وكل واحد منها أخذ واحدا أو اثنين من الأسرى المحررين للمبيت لديهم.
وتابع: “كان سائق الحافلة صالح نويصر، وعند الصباح نقلونا عبر طريق مفرق مسكنة وليس طريق كفركنا لأنها كانت “كرنتينا”- بسبب الأمراض. وأذكر أنه كان معنا في الباص فارس أبو ذيبة ومحمد أسعد دحلة وحسين نصار أبو تركي وفايز نصار وسعيد سالم علي عدوي وفضل عبد الحميد عدوي وحسن المغربي من بلدتنا طرعان”.
أهداف غير معلنة
ويوضح المؤرخ والبروفيسور مصطفى كبها، أن السلطات الإسرائيلية اعتقلت عامي 1948 و 1949 نحو عشرة آلاف شاب فلسطيني واعتبرتهم “أسرى حرب” رغم أن أغلبيتهم لم يشارك أبدا بأي مجهود قتالي.
وأكد كبها لـ”القدس العربي” أن هناك عدة أهداف غير معلنة لمعسكرات الاعتقال الإسرائيلية، منها القيام بخطوة استباقية تمنع أي تمرد على إسرائيل في مرحلة تأسيسها، علاوة على التظاهر بوقوع حرب عام 1948 مع الفلسطينيين، وهذه لم تكن حربا بالمعنى الحقيقي بقدر ما هي عمليات تهجير وتطهير عرقي. كذلك نوه لرغبة السلطات الإسرائيلية استغلال الشباب الفلسطينيين في أعمال سخرة لخدمة الجيش المحتل وفي جمع الغذاء والكساء وبقية المتاع من المدن والقرى المهجرة.
وتابع كبها: “حصل أحيانا أن اضطر بعض المعتقلين لدخول بلداتهم وتفريع محتويات بيوتها وجمعها لصالح إسرائيل تحت تهديد السلاح بل حصل أن بعض المعتقلين اضطر لدخول بيته في بلدة سدود المهجرة وتفريغها وتعبئتها في شاحنات تحت حراسة وتهديد الجنود الصهاينة “. لافتا إلى أن شهادة الراحل العدوي تتمتع بمصداقية عالية بعد مقارنتها بمصادر تاريخية وشهادات شفوية كثيرة عن تلك المعتقلات المروعة التي اعتقل فيها الشباب الفلسطينيون لفترات تتراوح ثلاثة شهور وعام وثلاثة شهور ومنح فيها كل معتقل رقم مما دفع بعضهم للمقارنة بينها وبين معسكرات التركيز الألمانية.
