شيراتون غايت :ما بين السيّد راشد والخليفة الراشد عمر

حجم الخط
0

منصف الوهايبي ما أظنّ أيّا منّا كان ليحفل بمثل هذه الأخبار والقصص التي هي جزء من تاريخ دوّنه أسلافنا بعد قرون من حدوث وقائعه دون أن يستأنسوا في الأعمّ الأغلب بأدوات المؤرّخ مثل الوثائق والشهادات والآثار؛لولا الضجّة التي أحدثتها المدوّنة التونسيّة الشابة ألفة الرياحي. والذين يتخفّون وراءها(فالحبكة السياسيّة البوليسيّة لا تخفى،والتمثيليّة التي نحن بصددها ليست وان مان شو ،وما تشديد المدوّنة عل إيهامنا بأنّها فعلت ما فعلت بمفردها،هو الذي يعزّز من رجاحة التأويل القائل بأنّ طرفا سياسيّا هو الذي وفّر لها كلّ هذه الوثائق الخطيرة). على كلّ ما كنّا لنُعنى بقضيّة مثل هذه،فالأمر يتعلّق بحياة الناس الخاصّة التي لا يحقّ لأيّ منّا أن يعرّض أو يشهّر بها.ولكنّ تدخّل السيّد راشد الغنّوشي ـ وقلّما أفلح في تدخّلاته ـ هو الذي جعل من الحبّة قبّة أو من القبّة حبّة؛فقد حاول أن يصرف النظر إلى حادثة الإفك الشهيرة التي أجملها النصّ القرآني وقد برّأ السيّدة عائشة من شبهة الزنى التي حاول رهط من المسلمين أن يرموها بها،لدواعٍ قد تكون سياسيّة،لسنا مؤهّلين للخوض فيها.ونحن نجملها في النيل من أبي بكر، وليس من النبي؛فقد كان أعظم من أن ينالوا منه. وبالرغم من أنّني لا أملك حدْس أستاذنا سي هشام جعيط ـ والحدْس محصّلة خبرة وِمراس بالنصوص وبالحياة ـ فأنا أميل إلى القول إنّ مسألة الخلافة وإنْ طُرحتْ بُعَيْدَ وفاة النبي علنا في سقيفة بني ساعدة؛وجثمانه لمْ يُوارَ التراب،فهذا لا ينفي أنّها قد تكون طُرحتْ سرّا في حياته،أو أنّ هؤلاء الصحابة الذين كادوا يتقاتلون في السقيفة،كانوا يفكّرون في قضيّة الخلافة،كلٌّ بينه وبين نفسه؛دون أن يجرؤوا على الإصداع بها .ولعلّ النبي لم يحسم فيها،لأنّه كان يدرك ما يمكن أن يثيره ذلك من صراع بين المهاجرين والأنصار، وهو المشغول ببناء اتحاد قبليّ أساسه الولاء للدين الجديد. ولعلّ خير دليل على ذلك مواقف كبار الصحابة من شبهة الزنى،وخاصّة أولئك الذين لم يُساندوا السيّدة عائشة في محنتها ـ ولهم موقف معروف من الخلافة ـ وكان على رأسهم علي بن أبي طالب وشاعر النبي حسان بن ثابت. لقد ذكّرنا السيّد راشد بحادثة الإفك التي طواها النسيان،ولا السيّد الوزير صهره هو صفوان بن المعطل الذي اُتّهمت به السيّدة عائشة.ولا هو شاعر،وكان صفوان شاعرا،قال عنه النبي:إنّه خبيث اللسان طيب القلب.ولا السيّدة التونسيّة التي قضّت ليلتها في الشيراتون،في غرفة محاذية لغرفة الوزير الذي دفع ثمنها من حرّ ماله(وينبغي صون هذه السيّدة من كلّ هذه التجاذبات السياسيّة التي لا ناقة لها فيها ولا جمل حتى لو كان جمل صفوان بن المعطّل) هي السيّدة عائشة.. ولا الشيراتون مكان خلاءٌ بَراحٌ كذاك الذي قضّت فيه السيّدة عائشة ليلتها،بُعيْدَ العودة من غزوة بني المصطفق.ولا ألفة الرياحي هي ثالثهما وقد تصوّرتْ في صورة شيطانة أنثى.. والشيطان ذكر فيما نعرف وليس أنثى.وهو كما يعرّفه البعض ‘الروح’ الذي ما ينفكّ يفسد صنيع البشر،ويقوّض كلّ بناء أو هو الشرّ عينهُ.ولعلّ الشعراء صوّروه أفضل ممّا صوّرته الكتب الدينيّة. وأذكر على سبيل المثال: الفردوس المفقود لميلتون،و قايين لبيرون،وفاوست لجيته.وثمّة في رواية قايين،حوار طريف يدور بين الشيطان وعادة زوجة قايين وشقيقته،وهي تقول لهذا الملاك المتمرّد:’ إنّي أرى على محيّاك علائم الهمّ وآيات الشقاء،فلا تجعلنا مثلك محزونين.وإنّي سأذرف الدمع من أجلك’. ولكنّ مدوّنتنا ألفة لم ترهب الشيطان على ما يبدو كما كانت ترهبه السيدة عادة،حتى وإن أجهشتْ بالبكاء وذرفتْ بعض الدموع،في حوار معها أجرته قناة حنّبعل.بل لعلّها اطمأنّت إليه،ولم تدرك أنّ الأمر يمكن أن يتعلّق بصراع خفيّ بين رئيس النهضة ورئيس الجمهوريّة’المحبَط'(اسم مفعول) كما قال عن نفسه في سيدي بوزيد،و’المحبِط’ (اسم فاعل)كما نقول نحن عنه.ولعلّ السيّد راشد أدرك أنّه المعني بالأمر،وليس صهره الذي لا حول له ولا قوّة..بل لعلّ السيّد راشد تمثّل بحادثة الإفك ،ولسان حاله يقول ما قاله النبي،بعد أن بسط طائفة من الناس ألسنتهم بالسوء في السيّدة عائشة:’أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت عليهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، ولا يدخل بيتا من بيوتي إلاّ وهو معي’ونشير هنا إلى أنّ آية حدّ الفرية تخصّ المحْصنات لا المُحصنين:الذين يرمونَ المحْصناتِ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادةً أبدا وأولئك هم الفاسقون إلاّ الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفورٌ رحيمٌ. والمحصنات كما جاء في التحرير والتنوير: هنّ المتزوجات من الحرائر دون الإماء لعدم صيانتهن في عرف الناس قبل الإسلام.وربّما جاز للسيّد راشد أن يُضيف لفظ’المحْصنين’ وهو يتمثّل بحادثة الإفك ـ وقد عاب عليه البعض ذلك باعتباره تمحّلا على القرآن ـ لأنّ تبرئة السيّدة عائشة تعني ضمنا تبرئة صفوان بن المعطل.وقد برّأه الحديث النبوي الذي سقناه. والحقَّ أنّ قضيّة مخاطبة الجنسين في القرآن تحتاج إلى وقفة متأنّية لا يتّسع لها هذا المقال.وفي أسباب النزول للنيسابوري،إشارة إلى أنّ أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب،دخلت بعد عودتهما من الحبشة،على نساء النبي،وسألت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن:لا. فأتت النبي فقالت:يا رسول الله ،إنّ النساء لفي خيبة وخَسار.قال:ولِمَ ذلك؟. قالت:لأنّهنّ لا يُذكرن في الخير كما يُذكر الرجال.فكانت الآية: إنّ المسلمين والمسلمات… ولعلّ هذا ممّا جعل الخطاب يتحوّل،في ما نزل من وحي بعد ذلك،إلى مخاطبة الجنسين:الرجال والنساء.ومع أنّنا لسنا معنيّين ـ إلاّ أن يكون الأمر إهدارا للمال العامّ ـ فإنّ استحضار حادثة الإفك، في سياق سياسيّ تونسيّ مضطرب،لم يكن إلاّ محاولة متهافتة من السيّد راشد،لأعادة إنتاج ماضٍ ولّى واندثر.والحقّ أنّ هذا نسق دأب عليه كثير من الإسلاميّين،أساسه النقل والاتّباع والتقليد؛وكأنّ التاريخ يعيد نفسه أو هو عَوْدٌ على بدء.وواضح أنّنا لا نقصد’العود الأبدي’ عند نيتشه،ذاك الذي يتّسع لكلّ أنواع الفنون والاقتصاد والأخلاق ولا يختصّ بها الأدب وحده الذي يفرّعه نيتشه إلى ديونيسي(القوة والذكورة أو الفحولة والغرائز المنفلتة أو أدب الحياة الذي يهيّئ لولادة السوبرمان…) والأبولوني أو أدب العقل والوعي والروحانيّة المتسامية أو أدب الخنوع… والمسوّغ في التسمية : العود الأبدي،أنّه ما أن يبلغ أحدهما مداه الأبعد حتى يتهيّأ الثاني للظهور.ومن حجج الإسلاميّين في هذا العَوْد المتخيّل،الحديث’خيرُ القرونِ قرْني،ثمّ الذين يَلُونَهُمْ وثمّ الذين يَلونَهمْ’.وكأنّ المسلمين،في هذا المنظور،ما ابتعدوا عن الأصل ـ وهو أسطورة ومخيال لاغير ـ إلاّ ازدادوا انحطاطا،أو أنّ نجاتهم لا تكون إلاّ بالعودة إلى ‘الأصل’ أو أنّ علاقتهم بالتاريخ محكومة بمدى قربهم من هذا ‘الأصل’ أو بعدهم عنه.ربّما كان على السيّد راشد وقد عزّ عليه أنْ يُشهّر بصهره ـ وهذا حقّه ـ أن يتمثّل بالخليفة الراشد عمر عندما أقام حدّ الزنى على ابنه المعروف بأبي شحمة،في خبر عجيب لم يستوفِه أسلافنا حقّه من التحليل،ولا هم افترضوا عليه ما ينبغي من الافتراضات التي نشفع بها هذا الخبر..ربّما كان عليه أن يردّ على التهمة أو الشبهة بالقول إنّ الاعتراف هو سيّد الأدلّة..وأنْ لا شهود على ما زعمته المدوّنة الشابة.الخليفة الراشد عمر يقيم حدّ الزنى على ابنه روى ابن عبّاس،قال: كنت ذات يوم في مسجد رسول الله وعمر بن الخطاب جالس والناس حوله يعظهم ، ويحكم فيما بينهم ، فإذا نحن بجارية قد أقبلت من باب المسجد ، فجعلت تتخطى رقاب المهاجرين والأنصار حتى وقفت بإزاء عمر فقالت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، فقال عمر : وعليك السلام يا أمَة الله ، هل من حاجة ؟ قالت : نعم أعظم الحوائج إليك،خذ ولدك هذا مني فأنت أحقّ به . ثم رفعت القناع ، فإذا على يدها طفل ، فلما نظر إليه عمر قال : يا أمة الله أسفري عن وجهك،فأسفرتْ.فأطرق عمر وهو يقول:لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم. يا هذه أنا لا أعرفك؟ فكيف يكون هذا ولدي ؟ فبكت الجارية حتى بلت خمارها بالدموع ، ثم قالت : يا أمير المؤمنين إن لم يكن ولدك من ظهرك فهو ولدك من ولدك . قال : أي أولادي ؟ قالت : أبو شحمة. قال:أبحلال أم بحرام ؟ قالت: من قبلي بحلال ومن جهته بحرام . قال عمر: وكيف ذاك ؟ قالت : يا أمير المؤمنين اسمع مقالتي ، فو الله ما زدتُ عليك حرفا ولا نقصتُ،فقال لها : اتقى الله ولا تقولي إلا الصدق. قالت : يا أمير المؤمنين كنت في بعض الأيام مارّة في بعض حوائجي إذ مررت بحائط لبني النجّار، فإذا أنا بصائح يصيح من ورائي، فإذا أنا بولدك أبي شحمة يتمايل سكرا. وكان قد شرب عند نسيكة اليهودي .فلمّا قرب منّي تواعدني وتهدّدني وراودني عن نفسي وجرّني إلى الحائط فسقطتُ وأغميَ عليّ . فو الله ما أفقت إلا وقد نال مني ما نال الرجل من امرأته . فقمت وكتمت أمري عن عمّي وعن جيراني.فلمّا تكاملتْ أيامي وانقضت شهوري وضربني الطلق وأحسست بالولادة خرجت إلى موضع كذا وكذا فوضعت هذا الغلام فهممت بقتله .ثم ندمت على ذلك ، فاحكم بحكم الله بيني وبينه . قال ابن عباس : فأمر عمر مناديَه ينادي.فأقبل الناس يهرعون إلى المسجد، ثم قام عمر فقال : يا معاشر المهاجرين والأنصار لا تتفرقوا حتى آتيكم بالخبر. ثم خرج من المسجد وأنا معه فنظر إلي وقال : يا ابن عباس أسرع معي ، فجعل يسرع حتى قرب من منزله فقرع الباب فخرجت جارية كانت تخدمه ، فلمّا نظرتْ إلى وجهه وقد غلبه الغضب قالت : ما الذي نزل بك ؟ قال : يا هذه ولدي أبو شحمة ههنا ؟ قالت : إنه على الطعام . فدخل وقال له : كُلْ يا بني فيوشك أن يكون آخر زادك من الدنيا . قال : قال ابن عباس : فرأيت الغلام وقد تغيّر لونه وارتعد،وسقطتِ اللقمة من يده.فقال له عمر : يا بنيّ من أنا ؟ قال : أنت أبي وأمير المؤمنين . قال : فلي عليك حقّ طاعة أم لا ؟ قال : طاعتان مفترضتان،أوّلهما : أنك والدي والأخرى أنّك أمير المؤمنين.قال عمر : بحقّ نبيك وبحقّ أبيك،فإنّي أسألك عن شيء إلا أخبرتني. قال : يا أبي لا أقول غير الصدق . قال : هل كنت ضيفا لنسيكة اليهودي ، فشربت عنده الخمر وسكرت ؟ قال : يا أبي قد كان ذلك وقد تبت . قال: يا بنيّ رأس مال المذنبين التوبة . ثمّ قال : يا بنيّ أنشدك الله هل دخلت ذلك اليوم حائطا لبني النجار فرأيت امرأة فواقعتها ؟ فسكت وبكى وهو يبكي ويلطم وجهه . فقال له عمر : لا بأس اصدقْ ، فإن الله يحب الصادقين . فقال: يا أبي كان ذلك الشيطان أغواني وأنا تائب، نادم . فلما سمع منه عمر ذلك قبض على يده ولببِه وجرّه إلى المسجد فقال : يا [ أبتِ ] لا تفضحني على رؤوس الخلائق خذ السيف، واقطعني هاهنا إربا إربا . فقال : أما سمعت قول الله عزّ وجلّ وليشهدْ عذابهما طائفة من المؤمنين [ النور : 2 ] ثم جرّه حتى أخرجه بين يدي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فقال : صدقت المرأة، وأقرّ أبو شحمة بما قالت.وكان له مملوك يقال له أفلح ،فقال له : إنّ لي إليك حاجةً إن قضيتها فأنت حرّ لوجه الله. فقال : يا أمير المؤمنين مرْني بأمرك . قال : خذ ابنيهذا فاضربه مائة سوط ولا تقصر في ضربه. فقال:لا أفعله ، وبكى وقال : يا ليتني لم تلدني أمي حيث أكلّف بضرب ولد سيّدي.فقال له عمر : يا غلام إن طاعتي طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فافعل ما آمرك به فانزع ثيابه . فضجّ الناس بالبكاء والنحيب، وجعل الغلام يشير بأصبعه إلى أبيه ويقول: أبتِ ارحمني ، فقال له عمر وهو يبكي : ربّك يرحمك وإنما هذا كي يرحمني ويرحمك.ثم قال : يا أفلح اضرب ، فضرب أوّل سوط ، فقال الغلام بسم الله الرحمن الرحيم . فقال : نِعْمَ الاسمَ سميتَ يا بني . فلما ضرب به ثانيا قال : أوه يا أبت ، فقال عمر : اصبر كما عصيتَ . فلما ضرب ثالثا قال : الأمانَ ، الأمانَ . قال عمر : ربّك يعطيك الأمان.فلما ضربه قال : واغوثاه . فقال : الغوث عند الشدة . فلما ضربه خامسا حمد الله ، فقال له عمر : كذا يجب أن تحمده …فلما ضربه عشرا قال : يا أبتِ قتلتني . قال:يا بنيّ ذنبك قتلكفلما ضربه ثلاثين قال : أحرقت والله قلبي . قال : يا بني النار أشد حرّا . فلما ضربه أربعين قال : يا أبت دعني أذهب على وجهي . قال : يا بني إذا أخذت حد الله من جنبك اذهب حيث شئت . فلما ضربه خمسين قال : نشدتك بالقرآن لما خليتني . قال: يا بني هلا وعظك القرآن وزجرك عن معصية الله عز وجل،يا غلام اضرب.فلما ضربه ستين قال: يا أبت أغثني قال : يا بني إن أهل النار إذا استغاثوا لم يغاثوا. فلما ضربه سبعين قال : ـ يا أبت اسقني شربة من ماء . قال : يا بني إن كان ربك يطهرك فيسقيك محمد صلى الله عليه وسلم شربة لا تظمأ بعدها أبدا، يا غلام اضرب. فلما ضربه ثمانين قال : يا أبت السلام عليك قال : وعليك السلام ، إن رأيت محمدا صلى الله عليه وسلم فاقرأه مني السلام وقل له : خلّفت عمر يقرأ القرآن ويقيم الحدود ، يا غلام اضربه . فلما ضربه تسعين انقطع كلامه وضعف . فوثب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل جانب فقالوا : يا عمر انظر كم بقي فأخّره إلى وقت آخر . فقال : كما لا تؤخّر المعصية لا تؤخّر العقوبة.وأتى الصريخُ إلى أمّه فجاءت باكية صارخة وقالت : يا عمر أحجّ بكل سوط حجّة ماشية، وأتصدّق بكذا وكذا درهما . قال : إن الحجّ والصدقة لا تنوب عن الحدّ . يا غلام أتمّ الحدّ . فلما كان آخر سوط سقط الغلام ميّتا فقال عمر : يا بنيّ محصَ الله عنك الخطايا وجعل رأسه في حِجْره وجعل يبكي ويقول : بأبي من قتله الحق ، بأبي من مات عند انقضاء الحد ، بأبي من لم يرحمه أبوه ! وأقاربه ! فنظر الناس إليه فإذا هو قد فارق الدنيا ، فلم ير يوم أعظم منه ، وضجّ الناس بالبكاء والنحيب .افتراضاتما يغفله المسلمون عادة،وهم يتمثّلون بهذا الخبر، جملة أمور،لعلّ من أبرزها: ـ أنّهم لا يسألون عن مصير ذلك الولد الذي هو من صلب ابن عمر بن الخطاب.. ما اسمه؟ وكيف عاش؟ وهل ضمّه الخليفة إلى عائلته؟ وهل ألحقه بنسبه؟ أم هو أوكله إلى أمّه التي لا نعرف عنها شيئا..بل هو لم يكلّف نفسه عناء التثبّت في ادّعاء هذه المرأة،فربّما كان الولد من زان آخر..واعتراف الابن وحده لا يكفي.ـ أنّ صنيع أبي شحمة اغتصاب وليس زنى. ومع ذلك فإنّ هذه القسوة في معاقبة الابن،قد تُدرك في سياق حماية هُويّة المسلمين الجديدة؛حتى لو كان ذلك ضراوة وتشدّدا في إقامة الحدود التي ينبغي أن تُدرأ بالشبهات.ـ أنّ الخليفة عمرالذي تُنسب إليه المقولة الشهيرة’متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا’ وفي رواية أخرى’تعبّدتم’ وهي قصّة واهية لا يقوم لها سند؛ كان مثل قليل أو كثير من معاصريه،له أكثر من عبد أو أَمَة.. كما يدلّ على ذلك هذا الخبر:غلامه وجاريته.وكان هذا طبيعيّا في ذلك المجتمع الذي لم يتحرّر تماما من الإرث الجاهلي.ـ أنّ الخليفة كان يعرف أنّ هناك دُورًا للخمر أو خمّارات،يقوم عليها يهود العرب أو نصاراهم.. ومع ذلك لم يأمر بهدمها أو غلقها،كما يدلّ على ذلك هذا الخبر. ومن المعروف أيضا أنّ الخليفة عمر أقام حدّ الخمر على ابن له، آخر.. في خبر آخر مشهور. والبعض يزعم أنّه أبوشحمة نفسه.. وحاصل رأينا أنّ البشر هم البشر.. وأنْ لا عصر ذهبيّ وراءنا كما يزعم سلفيّونا وإسلاميّونا الذين يقودوننا في عربة الزمن العجيبة إلى عصر النبوّة والخلافة الراشدة.. فكلّنا من ذوي النفوس التي ألهمها الله فجورها وتقواها. سلاما qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية