شيراك الذي ما انتصرتْ له الحكمة وما نََصَرَهُ الجسد

حجم الخط
0

شيراك الذي ما انتصرتْ له الحكمة وما نََصَرَهُ الجسد

أحـمـد منـصورشيراك الذي ما انتصرتْ له الحكمة وما نََصَرَهُ الجسدفرنسا التي عدد اصناف الجبنة فيها يقارب عدد نوابها ليس فيها الا رئاسة عليا واحدة وهي رئاسة الجمهورية التي تجسد حلم العشرات والمئات والألوف من ابنائها منذ الصغر (ميتران كان يردد في طفولته انه سيكون الملك الذي سيحكم فرنسا) انها المُلْك أو سدرة المنتهي السياسي في الشكل السداسي الفرنسي ولئن تعددت اوصافه من الملكية الي الجمهورية فالامبراطورية… ان روح الرئاسة في بلد لويس الرابع عشر هي روح ملكية من حيث الممارسة (ديغول وميتران أفصحا مثلين في العصر الحديث ولئن اختلفا من حيث الطريقة) انهما باختصار التكامل في التناقض فالرئيس هو رأس السلطة التنفيذية وقائد الجيش وبيده الحل والربط في معظم المفاصل الأساسية. ولئن اتي عن طريق الانتخاب الشعبي المباشر واعتمد علي المجلس التشريعي بفرعيه: النواب والشيوخ اللذين يمثلان الديمقراطية الشعبية فهو نظام اقرب الي الرئاسي منه الي البرلماني رغم اعتماده ظاهريا ً علي الثاني. هذا النظام اراد به الجنرال ديغول تأسيس الحكم القائم علي الاستقرار في جمهوريته الخامسة منذ 1958 المعتمدة علي نظام السبع سنوات القابلة للتجديد انتخابيا ً مرة واحدة مباشرة ً بعد انتهائها والتي تعدلت مدتها مع شيراك بدءا من رئاسته الثانية من سبع الي خمس سنوات ارفقها شيراك بتعديل يسمح بالترشح للمرة الثالثة ولذلك علّق شيراك اعين الفرنسيين واسماعهم علي وتر قراره الذي قضي عزفه الأخير بالاستنكاف عن الترشح ومغادرة الكرسي (التي غدت شوكة في لهاته) الي من يفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة والمباشرة من قبل الشعب.ان وصول شيراك الي الرئاسة كميتران كلفه الكثير فهو مثيله لم يبلغها الا بعد المعركة الثالثة وفي اوائل الستينات من عمره. انه الحلم الذي لا يصدق والمعركة الأقسي التالية هي الحفاظ علي الحكم أكثر من ممارسته، فمن وصل الي الحكم ليس كمن حكم. فالقريب كما البعيد يرنو اليه وهذا ـ بحد ذاته ـ يكلف الرئيس المنتخب الكثير الي درجة لا يستطيع ـ غالب الأحيان ـ من تنفيذ برنامجه الذي رسمه في ذهنه وعلي الورق والعيون. لفد قال احد الرؤساء الأمريكيين: انك تمضي السنتين ألأوليين في مكافأة من ساعدوك والسنتين الثانيتين في تحضير انتخابك للمرة الثانية، فتكون الأربع سنوات مدة الرئاسة الأولي كنقطة الصفر لممارسة الرئاسة الفعلية في الولاية الثانية وان لا فلا تستطيع ان تكون رئيسا ً ذا أثر فعال في البلاد.انه مرض السلطة الذي يصيب اربابها اينما كانوا والي اية ايديولوجية انتموا. وعندما نسمع الوزراء ورؤساء الوزارات يتكلمون عن تجربتهم بالحكم فاننا نري أن هناك مسافة افقية وعامودية بينهم وبين قمة القرار، فالرفيق الاشتراكي او الليبرالي الذي كان قبل الرئاسة لم يعد هو ذاته بعد الوصول اليها. فعندما سأل علي التلفزيون أحد الصحافيين رئيس الوزراء الاشتراكي ميشال روكار كيف يخاطب رئيسه الاشتراكي فرنسوا ميتران هل بكلمة رفيق أم ماذا ؟ فأجابه الأول مرتبكا ً لمفاجأة السؤال: لا بل اخاطبه: بالسيد الرئيس.في الواقع لا أظن ان فرنسا قد عرفت في تاريخها ملكا أو رئيسا حكم فرنسا بقبضة حديدية معتمدة علي فهمه (الذي قد يكون فريدا) بنفسية الفرنسيين من حيث ضعفهم وقوتهم وردود أفعالهم كأفراد. وكل ذلك كان من أجل الحفاظ علي السلطة التي تأخر كلا الرجلين ميتران وشيراك في الوصول اليها. فميتران كغريمه اللدود وصل في سن التقاعد (رغم مرضه العضال الذي اعتبروا التعرض له كالتعرض لمصالح الدولة العليا) لقد كان شغله الشاغل ابعاد المتناوقين الي الرئاسة من حزبه وتفريقهم وازاحة البعض منهم واضعافهم، وحينما انتهت مدة رئاسته الأولي لم يفكر بالثانية جديا ً نظرا ً لعدم ارتياحه الصحي الذي لمّح اليه بشكل عابر وبذكاء، غير ان اختلاف من حوله من رفاقه الأشتراكيين علي خلافته دفع بالبعض (سيما الذين لا حظوظ جدية لهم بالفوز) واضطر البعض الآخر للتراجع مما شكل اجماعا حوله فنجح في رئاسة ثانية انتهت سنواتها الأخيرة بموته السريري والفعلي بعد ايام قليلة من نجاح غريمه شيراك الذي قال عنه ميتران سابقا من الممكن ان يصبح شيراك رئيسا ً للجمهورية الا انه لا يتغير ابدا وقد اخذ الثاني كلام الأول بعين الأعتبار واستغله كملاحظة عميقة من محام يحسب حسابا له الشيطان. لقد وصفوا ميتران بأنه كان رجل اللاءين أي رجل المراوحة والجمود في المكان، وشيراك الذي خلفه ـ رغم نعته بالمقدام والشجاع ـ فقد اتسم عهده ـ رغم كل المحاولات المخلصة ـ بنفس الوتيرة الميتراندية ولكن بنسبة قد تكون ايجابية علي الغالب.لقد كانت صورة العجز عن التغيير (رغم الحماس في بدايات الحكم الرئاسي) ماثلة في اذهاننا عندما كان يحاضر فينا مدير معهد العلوم السياسية السابق بباريس الأستاذ الفريد غروسّير ابان مواسم الانتخابات الرئاسية. لقد كان يبهرنا ببساطته لأنه كان قد بلغ سن التقاعد فأصبح بغني عن السلطة ولم يعد يخشاها. فيقول علي الملأ: ان مشاكل فرنسا باقية بقاء فرنسا ولا يستطيع احد التغيير. والناجح سياسيا ً هو من يستطيع تخفيف حدة البعض منها عن طريق الاصلاحات. لقد كان يعرف ان فرنسا بلد قديم قائم علي المؤسسات المستمرة حتي الصدأ والتآكل والكل يريد فيه التغيير شرط ان لا يكون علي حسابه. فالمكتسب مكتسب مقدس ممنوع مسه. والفرنسي بطبيعته يساري القلب ويميني الجيب، وان عدد العائلات الغنية لا يزال يزداد فالمئة التي كانت تحكم فرنسا فيما مضي اصبحت الفا وخمسمئة علي الأقل وهذا ما يشكل حاجزا هائلا امام اي زحزحة في البلد، ولذلك عندما يكون في الأفق اي مشروع تغييري او اي قانون يُغيّر فان القيامة تقوم علي أشدها، والفرنسيون مشهورون بحشد اقصي الكتل البشرية الممكنة عندما يتحركون وهذا طبعا علي حسابهم لأن ايام الاضراب ليست مدفوعة الأجر فلذلك تكون التظاهرات غالبا ايام الأعياد الرسمية.لقد التقيت حديثا البرفسور الفريد غروسير بالصدفة في المترو بمنطقة الشانزلزيه فحييته منوها بموضوعيته ومنهجيته واريحيته كأستاذ وكاتب سياسي متميز فأجابني اجابة الحزين الخائب: ولكنهم لا يريدونني في الأليزيه (يقصد قصر الرئاسة) فالرئاسة لا تستدعيه ولا تستشيره ولا تعرض عليه المهمات او المناصب العليا. فعقبت علي الفور: ولكنك لا تستطيع ان تملك التاريخ والقصر في نفس العصر فابتسم ابتسامة حزينة واخذنا نتكلم عن محنة لبنان التي لن تعرف في يوم الأنتهاء.لم يكن طريق الرئاسة معبدا بالورود في الغرب، وما كان مريدوها منزهين علي الأرض. انهم بشر معرضون دائما للانزلاق والخطر والفساد قبل وبعد واثناء ممارستهم الرئاسية وقد يسقط واحدهم وهو في اوج سلطته. فالرئيس دائما عين علي الكرسي.. عين علي مقربيه.. عين علي الخصم.. عين علي الشعب.. وعين علي الزمن وهو لا يملك سوي عينين اثنتين كما ان الوضع الصحي والمعنوي والعقلي يحتم جهوزيته الوثابة بشكل مستمر فاذا ما انتصب الرئيس انتصبت عملة البلاد واذا ما قعد قعدت، انه رأس الهرم المقلوب الذي يجب أن يكون في تركيزه ومرونته كأبطال اليوغا.ليس هناك اصعب من ان تكون موضوعيا في رسم شخصية سياسية كشيراك، فالذين عايشوه ورافقوه وحكموه قد لا يتفق اثنان منهم في الموضوع نظرا لتلوين الشهادة بالأضواء الشخصية والمصلحية. ناهيك عن ان الموضوعية بالمطلق هي كـ الغول والعنقاء والخل الوفي حسب المثل العربي أي لا وجود لها، الا انها قد تكون نسبية بمقتضي معرفة ومصلحة وثقافة من ينقلها. وللتدليل علي ذلك ليس علينا سوي نقل الصورة الشيراكية بريشة جان فرنسوا بروبست الذي لاصق شيراك ثلاثين عاما، وبيار بيان الصحافي اليساري المشهور الذي استمع اليه منذ اشهر ورسمه بقلمه. فهل شيراك فعلا رجل ثقافة، رائد انسانوي شاغله الشاغل العدالة في الداخل والخارج كما وصفه بيار بيان ام هو سياسي انتهازي يعتبر ان كل شيء يشتري ويباع وهو رئيس عصابة يستخدم الوسائل الوضيعة والطرق الملتوية كما وصفه جان فرنسوا بروبست الذي كان قريبا ً منه مدة ثلاثة عقود من الزمن.امامنا النقيضان الأبيض والأسود حيال الشخص ذاته. شيراك بكلمات بيار بيان كالرجل الذي يريد ان يبيع بيتا وصفه كما لو اراد ان يكون وليس كما هو في الواقع، انها عملية عرض وطلب لا ندري ايهما سبق الآخر بين كاتب يعيش علي رأسماله الذي اكتسبه من التحقيقات الشهيرة التي قام بها بخصوص بعض الشخصيات المشهورة والأحداث الرئيسية، أو مرافعة حاكم امام اجيال الحاضر والمستقبل تركز علي النقاط التي انتقاها كالحفاظ علي الصداقة والطموح وخدمة الوطن وعدم الخيانة والحقد، والأهداف او الغايات الأخري التي كان يتوق الي بلوغها.اما ملازمه كالظل جان فرنسوا بروبست فيعتبره علي النقيض المطلق من ذلك فهو يحب القتل. يقتل متصنعا ً البراءة. فاذا ابتسم ابتسم وكأنه يعد بالقمر لمن ابتسم له في الوقت الذي تسدد فيه يمناه الضربة القاضية اليه في الظهر، ويزداد ابتسامه ابتساما اذا ما اقتنع بأن الضحية لم يكن في خلدها انه هو الذي وجه اليها الطعنة. انها الصفة التي تتميز بها شخصيته.ملازمه هذا يعطي امثلة عديدة علي ذلك لأشخاص معروفين وبتقنيات محترفة. فالمهم ازاحة الواحد منهم من الطريق كيفما اتفق وقد يكون بعد معاصره ميتران من انجب تلامذة ميكافيلي. علي اية حال ليست هناك رحمة في فرنسا لمن تخول له نفسه بالتفكير بالحكم فلا اشراك في الرئاسة.ما بثه شيراك الي الصحافي في 516 صفحة يعبر عن الكثير مما كان يشعر به ويتوق الي ترجمته علي الأرض دون تناسي ما حققه بالفعل. اما الذي سطره (270 صفحة) من رافقه في عمله طيلة ثلاثين عاما فإنه يشكل حوالي نصف ما كتبه الصحافي اليساري.علي أية حال رقم الثلاثين رقم شؤم بالنسبة لشيراك فبالادير صديق الثلاثين عاما كان يوضاسه الأول الذي خانه. كما يصف شيراك (بالكرم علي درب) بالنسبة لمن يحبهم. وهذا ما سنراه بعد شهر من نهاية الرئاسة في محاكمة الرئيس (الذي سيصبح رئيسا ً سابقا) بمحكمة مدينة نانترن القريبة من باريس لفتح ملفه عندما كان عمدة باريس الا اذا صدر عفو عنه من قبل الرئيس القادم.اذا اردنا ان نكون منصفين بصدد تقييمنا لرئاسة شيراك فاننا يجب ان نضعها في اطارها الصحيح بعيدا عن كل مصلحة وهوي. فالرجل كأي سياسي ليس منزلا ً من السماء. انه انسان متوسطي قريب الي الطبع الشرقي له احاسيسه وطلعاته منذ صغره (كل فرنسي تحت ابطه نابوليون) فهو بطبيعة الحال يريد ان يكون الرقم الأول ووريث الديغولية التي نشأ عليها في بلد غير عادي كفرنسا. لقد بدأ صعود السلم من الكعب فرأي نفسه في مرحلة ديغولية حاسمة راهن عليها والتزم بها فتخرج من مدرسة الأينا كالكثيرين الذين وصلوا الي القيادات العليا في البلد وكان براغماتيكيا ً في مساره لم يحرق المراحل رغم انه حاول استغلالها في الوصول الي ابعد الحدود الا ان الرئاسة فاتته مرتين الي ان كانت الثالثة ناجحة (الفرنسيون يقولون ليس هناك اثنتان دون ثالثة والمصريون يقولون: الثالثة ثابته) غير ان الحلم تلكأ اربعة عشر عاما. فشيراك شجاع ومقدام الأربعين ليس شيراك الستين ونيفا كما ان الظروف تتغير باستمرار وكذلك المحيط الدولي والعالمي.لقد كان مثله الأعلي هو الجنرال ديغول الذي دامت رئاسته (التي قطعها لخيبة امله بالناخب الفرنسي) حوالي عشر سنوات. اما جيسكار ديستان فلم يكن الا رئاسة عارضة بعد رئاسة بومبيدو التي اختصرها الموت، غير ان الرئاسة المتعبة والمناقضة لمثاله الأعلي هي رئاسة ميتران خصمه اللدود (وهذا ما اتاح لشيراك ـ بسبب فشل الحزب الاشتراكي بالانتخابات من ان يصبح رئيس وزراء ميتران بالمساكنة).لقد أكمل ميتران رئاستيه الكاملتين 14 عاما في المراوحة بالمكان التي انتهت به بالموت السريري قبل موته الجسدي الكامل كما ذكرنا. لقد انتقل ميتران الي العالم الآخر اما مشاكل فرنسا فتركها بمعظمها وراءه مكانها. شيراك كان يحلم بتجاوز ميتران علي الصعيد السنواتيّ علي الأقل الا ان الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وحسابات الأرض السياسية لم تنطبق علي حسابات بيادره المتفائلة. فالمنظمات اليهودية والأجهزة الاعلامية لم تكن مسرورة ً بفوزه الاختراقي المفاجئ.في المرة الأولي كما انه كان امامه حزب اشتراكي متحفز بقيادة لجمها وهزها ميتران في السابق ولا تنتظر بعد غيابه الا المناسبة المؤاتية بقيادة رائدها الأبرز ليونيل جوسبان الذي غدا رئيس وزراء شيراك بعد أن خسر الأخير الأكثرية في الانتخابات التشريعية. لقد اشتد الضغط علي شيراك فرضي بتعديل مدة الرئاسة من سبع الي خمس سنوات. في رئاسته الثانية ما استطاع شيراك ان يحقق الكثير من طموحاته. فعدل الدستور كي يتيح له فرصة رئاسية ثالثة بحيث يصبح عدد السنوات 17 عوضا عن 12 أي ثلاث سنوات اكثر من ميتران. ولكن صحته بدأت تخونه فدخل المستشفي بسبب عارض في الدماغ. رغم ذلك ظل مصرا علي الاحتفاظ بمقداميته وشجاعته المعروفتين وحبه للسلطة الذي لا شفاء منه. فأصر علي استعصار آخر قطرة امل حتي الحادي عشر من آذار (مارس) (ميعاد اعلان قراره بالترشيح من جديد أو الاقلاع عنه) علّ احداثا غير عادية تأخذ بيده وتظهره كمخلص اوحد لا يستغني عنه من اجل فرنسا فيتهاوي الآخرون امامه وينتج نوع من التجمع الوطني حوله. لقد ايقن شيراك اخيرا ان الزمن دار دورته وها هو امام جيل جديد مقتحم منافس في بداية الخمسينات من العمر ساركوزي ـ رويال ـ وبايرو… يملؤون الساحة ويقتسمون معظم قطاعات الشعب الفرنسي فاقتنع اخيرا ً بأن ما يخطر في القلب والعين ليس في حوزة اليد. الا ان هذا ما منعه ان يفي بوعده بقول الكلمة الفصل فحوّل الانسحاب او الهزيمة الي اندفاع معنوي سياسي في العمق الزمني بل الي انتصار وجداني ترك بصماته علي الأفئدة والأحداث فأطل ابا للجميع راسما الخطوط المستقبلية العريضة لفرنسا الرائعة التي احبها غير متناس ان يوجه لنفسه النقد ويعترف بالتقصير في تجربته الطويلة القصيرة معلنا: ان الولاية الرسمية التي اوليتمونيها بأصواتكم قاربت نهايتها والآن بدأتُ ولاية اخري وكلت نفسي بها الا وهي خدمتكم بطريقة اخري مختلفة لكن بحماس لا غبار عليه وبنفس الاندفاع في العمل من اجلكم. سأستمر ببذل جميع امكانيات ومجهودات حياتي كلها في سبيل العدالة والتقدم والسلم وعظمة فرنسا. لا تكونوا في جانب التطرف كالعنصرية ومعاداة السامية ورفض الآخر فالتطرف اوشك ايصالنا الي الفراغ. انه يسمم. انه يمرض. انه هدام.. فرنسا غنية بتنوعها وشرف السياسة هو ان تودي الي تكافؤ الفرص.. علينا الا نخشي التطورات في العالم. كما علينا مواجهة هذا العالم بأذرع مفتوحة دون اي استخفاف بنموذجنا الفرنسي .كما دعا الي التواصل في بناء اوروبا رغم رفض مشروع دستور الاتحاد الأوروبي وفرنسا ليست بلدا كسائر البلدان اذ عليها مسؤوليات خاصة لم انقطع ولو حتي لدقيقة واحدة عن العمل من اجل خدمتها. فرنسا الرائعة هذه التي احبها كما احبكم.. فرنسا هذه التي ما زال يندهش بها العالم . بعد اربع وعشرين ساعة من التنويه بخطاب الرئيس تناسته الصحف الفرنسية كي لا يؤثر علي سير المعركة وتتسلط عليه الأضواء من جديد فتسقط في فخ الرئيس الذي لا يغادر رئاسته الا مرغما.شيراك تألم لأنه ما استطاع ردم الهوة بين فرنسا الأغنياء وفرنسا الفقراء المهمشين وما استطاع زحزحة المؤسسات المحافظة والعائلات الغنية المتوارثة ولئن استطاع تقليل حجم البطالة بعض الشيء. لقد الغي الخدمة العسكرية الالزامية واختار للجيش الخدمة المهنية عوضا عنها. لقد بدأ رئاسته نوويا وختمها بيئويا وهذا قد يبدو تناقضا في الظاهر الا ان السياسة ومنطق الدولة ليسا دائما خطا مستقيما او علي تطابق تام. لقد استمر في سياسة المحور الثنائي الفرنسي الألماني لقطار الاتحاد المذكور الذي لم يوفر للناخب الفرنسي ما كان ينتظره بتلهف. وما يلفت النظر فانه فعل ما رفض فعلَهُ سابقه ميتران الا وهو اعتراف فرنسا بمساهمة حكومة فيشي في المحارق النازية كما ساهم بإنهاء الحرب الأهلية في يوغسلافيا بينما دخل ـ رغم نصحانه بالعكس من قبل عسكرييه بالدخول في حرب أفغانستان. وحاول أيجاد حلول لمشاكل الضواحي والشبان القاصرين الجانحين ولكن دون التوصل الي حلول جذرية فبقيت كالنار المتربصة تحت الرماد. وقام بمساعدة المعاقين كما كرّم الفرنسيين الانسانيين العادلين الذين انقذوا الآلاف من اليهود من مخالب النازيين.دوره الأهم ـ بشهادة الجميع ـ تجلي علي صعيد السياسة الخارجية فسجل موقفا صائبا ساطعا بخصوص حرب الولايات المتحدة في العراق وهذا ما دفع بوش لأخذ العبرة ـ ولو متأخرا ًـ للخلاص من هذا الكابوس الفيتنامي الآخر الذي مرت عليه اربع سنوات. واستغل شيراك ذلك بمهارة فدخل علي خط امريكا بصدد المحنة اللبنانية مما انتج قراري 1559 و1701 في مجلس الأمن الدولي.اما ما يسمي بسياسة فرنسا العربية التي رسمها الجنرال ديغول في الستينات من القرن الماضي فقد كان شيراك وكأنه الزعيم العربي المفقود علي الساحة الدولية. ولذا لم يكن من الغريب (عندما زار اسرائيل) ان يتسابق فيها الدبلوماسيون العرب لمصافحته فكأنه الكابوس الذي لم تصدقه عيناه. غير ان ما فعله بسورية قبل وبعد رئاسة الرئيس السوري الحالي كانت نتائجه عكس ما توقع علي الاطلاق، واذا ما اضفنا الي ذلك مصرع صديق عمره اللبناني رفيق الحريري فتكون النتائج بحجم الكارثة رغم ان هذا الرجل احب لبنان واعتبره وطنه الثاني وكان وكأنه الممثل الأول لمؤتمرات باريس الثلاثة من اجل بلاد الأرز. وبانتهاء المرحلة الشيراكية تكون سياسة فرنسا العربية قد لفظت انفاسها الأخيرة وان الصفحة مع العرب ستنقلب نهائيا مع اي من الفرسان الثلاثة الأكثر حظا بالنجاح. وبالمماثلة ستنتهي سياسة معاداة الأمركة التي ادخلتهـا فرنسـا في القـاموس الفرنسي عـام 1968 الـي معاداة معاداة الأمركة . وعندما يتهدد مصير الولايات المتحدة تنتصب من جديد صرخة لوموند كولومباني : كلنا امريكيون عام 2001 كبرج ايفل امام سقوط برجي مانهاتن في نيويورك.لن نشارك ما قالته صحيفة ليبر بلجيك بأن شيراك كان اعظم رجل سياسي في جيله ولا أفشل رئيس كما وصفه غريمه جان ماري لوبين اليميني المتطرف بل كان في الوضع الوسط بين ما استعرضه الصحافي بيار بيان وبين مـا وصفه مرافقه فرنسوا بروبست. هذا الوضع الذي ما اراد ان ينتهي اليه ولكنه وقع فيه لأن فرنسا بلده الجميل لم يحل مشاكله لا من كان قبله ولا من سيجيء بعده. ان المسألة اصعب واعمق من ذلك بكثير. لقد حاول شيراك ان يكون رجل التوازنات المدروسة ما استطاع الي ذلك سبيلا ان علي صعيد الداخل او الخارج في عالم غدا احادي التوجه وهذا لم يكن سهلا في عالم تتناهشه المصالح المتضاربة والحروب المتوالدة في عالم كباره وصغاره لا يتوقفون عن الكلام عن الحب والتعاون والسلام. ان فرنسا في مرحلة مخاض استيلاد جمهورية سادسة أو اطلاق شكل جديد من اشكال النظام السياسي الذي غدا لا بد لها منه. ہ كاتب وشـاعر، بيروت ـ لبنان8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية