شيرين والقدس: المدن إن أحبت بطلا جعلت موته أسطورة

حجم الخط
0

تم تصنيع الديكتاتوريات العربية بعد عصر الاستقلال وتصنيع كيان سموه إسرائيل أقيم على حساب دولة سبقته وتدمير شعب بأكمله.
مارس هذا الكيان على الشعب الفلسطيني ما مورس على شعبه من تشريد وشتات، أي أنه وبناء على مظلوميته التاريخية، والمظلومية بالمناسبة هي عادة الشعوب لتبقي جذوة الانتقام مشتعلة، مارس أعتى وأعنف وأقذر أنواع المجازر المنظمة، ولكن بهيكلة مؤسساتية هذه المرة وأسلوب جريمة منظمة قادتها الدولة وليس مرتزقة وشبيحة، هم في الإساس جزء من هيكلة الدولة المخابراتية بقناع ديمقراطي. هذه الهيكلة تم تصديرها إلى الدول العربية بعد سنوات من استقلالها وكأنه نظام تشغيل «هاردووير» تم تعميمه على العالم العربي، ولم يمض عقد أو عقدين حتى كان هذا الشرق المبتلى بلعنة الجغرافية تحت رحمة السباط العسكري والجلاد المخابراتي.
اجتاحت عصر الديكتاتوريات دول وليدة العهد بالاستقلال والحرية، كانت لمخططي المستقبل رؤيتهم الشيطانية في ذلك، إذ كيف يكون محيط لمحتل كإسرائيل عامرا بالديمقراطيات والتسامح وحكم القانون، وهي ذاتها قائمة على التطهير العرقي، هذا يعني فناءها بأسرع من لمح البصر. هنا نفهم ماذا حل في محيط إسرائيل من تفكيك للدولة وابتلاعها بأجهزة المخابرات اللعينة وإعادة إنتاجها دولا بوليسية قمعية ينتشر الجلادون والسجانون والمخبرون في سجونها التي صارت مسالخ بشرية كالسوس في الخشب. كان لا بد من صناعة عدو خارجي وهو جاهز، إسرائيل ذاتها لا ضير هي المعلم والمثال، وتخليق عدو داخلي وهو ديني صنعته السياسة بصورة الإسلام السياسي، لتطحن شعوب المنطقة تحت رحى طاحون، حجر منها طاغية وحجرها الآخر متطرف، فعلى أي جانبيك تميل.. دارت رحى الطاحون لعقود وعقود فطحنت الشعوب حتى صارت غبارا منثورا…
ما حدث في جنازة المناضلة شيرين أبو عاقلة له دلالالته التاريخية والمستقبلية المهمة، ففيها تكشف خوف المحتل الإسرائيلي من أن تشكل حالة شيرين لحمة جديدة للشعوب المبتلية بطغاة هي زعيمتهم، فرصة لصناعة قائد تاريخي، وشخصية القائد الرمز افتقده الفلسطينيون بعد ياسر عرفات، فما بالنا بقائدة لم تجمع فقط المسلم مع المسيحي، ولم تجمع فقط فصائل ما كانت لتجتمع على رمز حتى يلج الجمل في سم الخياط، فالكل في نظر فصيله رمز، ولا رمز للشعب، لا بل هي وحدت أجراس كنائس وطوائف مسيحية لم تعرف كيف تجتمع، طوائف اختلفت على شخصية المسيح نفسه وتوحدت على شخصية شيرين أبو عاقلة، حتى الفقه الشعبي في قضية الترحم على غير المسلمين انتصر على الفقه الأصولي الذي يرفض ذلك. لا بل أقيمت صلاة الجمعة على إيقاع أجراس الكنائس. يا لهذا الحدث ورمزياته.
تنبهت إسرائيل بسرعة لكل تلك الرمزيات في جنازة شيرين وفرضت لاءاتها شرطا لدفن الجثمان:
لا لرفع الجثمان على الأكتاف
لا لرفع العلم الفلسطيني
لا لرفع هتافات تندد

ثم جاء المشهد الذروة، جثمان شيرين على الأكتاف وعلم وهتافات تندد.
جن جنون القطيع العسكري، وصار العلم الفلسطيني في نظر الإسرائيلي كأنه قطعة قماش حمراء يحملها مصارع ثيران ليهيج بها الثور، فهاجت الثيران، تعاملوا مع العلم الفلسطيني والكوفية وكأنها كائن من لحم ودم، وهي كذلك. هاجموا التابوت وحاولوا تدنيسه بإسقاط جثة شيرين منه لتحطيم قدسية المشهد، تكالبوا على المشيعين الأبطال:
لم يسقط التابوت… لم يسقط التابوت

ظل الاحتلال الإسرائيلي لسنوات يجتهد إعلاميا لإخفاء وجهه الإجرامي مسخرا السوشال ميديا ومسخرا كثيرا من الشباب في السنوات التي تلت الربيع العربي، فأنتج فيديوهات تحسن من صورة إسرائيل، وخلق بخبث شخصيات كوميدية طريفة ومضحكة لغزو وسائل التواصل، حتى الإعلام الإسرائيلي تفنن في تمريغ صورة الطغاة العرب الهمج، وكيف يتعاملون مع مطالب الحرية والكرامة بالقمع والقتل والتدمير والشتات لأخوتهم في الوطن، وفعلا كانت صور هزت مشاعر العالم، ولكنها لم تحرك إنسانيته، ولنا في صور قيصر المرعبة لضحايا سجون الأسد المرعبة، ومجزرة التضامن مؤخرا نماذج لما جرى، كان زمن ثورة الحرية والكرامة التي نشد فيها السوريون الخلاص من نظام قمعي مخابراتي وسجونه الحقيرة التي ابتعلت الوطن نموذجا لما فعلته إسرائيل بالفلسطينيين، وهل من مثيل لمشهد تعامل الاحتلال مع جثمان شيرين إلا تعامل نظام الأسد مع تشييع السوريين لشهدائهم بداية ثورة الحرية والكرامة.

المدينة إذا أحبت بطلها تصنع له موتا أسطوريا يخلده عبر الأجيال، والقدس أحبت شيرين.. موت جمع العالم وأظهر لمن لم يعرف حتى الان طبيعة النظام الإسرائيلي المتوحشة كحال أتباعه من الأنظمة العربية وجهه الحقيقي، كسر محاولات الاحتلال لتصحيح صورته وأعادت له صورته الوحشية الحقيقية.

هذه المشاهد المرعبة التي كانت تتحول فيها كل جنازة إلى جنازات وعنف نظام الأسد وغيره من الأنظمة العربية شكلت فرصة مواتية للاحتلال للتغني بصورة جديدة له صورة إسرائيل المزدهرة في محيط عربي مدمر قمعي، جاءت الفرصة الذهبية للهرولة نحو التطبيع مع أعداء الأمس المتوحشين، لكنهم اليوم أصدقاء وديعين.. كل ذلك كان عبر محاولات كلفت المليارات لصهر إسرائيل في محيط شعبي يكرهها، إلى أن كانت همجية الاحتلال بالأمس، وخوفهم من إعادة إنتاج رمز فلسطيني يتجمع حوله الشارع العربي والفلسطيني، فأعادتهم لعنق الزجاجة، يا لـ«الصدمة»! هذا الرمز لم تنتجه الحالة السياسية الفلسطينية المهترئة، ولا شهداء السلاح والمقاومة، بل كان إنتاجا شعبيا بامتياز، بطلا شعبيا بشخص شيرين أبو عاقلة يصنعه اغتيال مأساوي، وهمجية احتلال في التعامل مع جثمانها، وتضامن من مؤسسات دولية احترموا شيرين لشخصها وتفاخروا بأنها أجرت معهم لقاءات، بطل شعبي خلقته رمزية القدس في شخصية شيرين مسقط رأسها، وماكينة إعلامية جبارة كـ«الجزيرة» التي حشدت تغطية منقطعة النظير لإعلاء مظلومية بطلتها/بطلتنا، ورمزية مكان اغتيالها في جنين.. يا إلهي في 24 ساعة اجتمع العالم وكل رموزه ورمزياته لينجب صورة شيرين أبو عاقلة الأسطورة.
في جنين كانت شيرين جنينا يستعد لخلق أسطورته هزت الرصاصة التي خرجت من رأسها جذع الشجرة فتساقط عليها رطبا جنيا، ولدت أسطورتها… وعلى درب الآلام الذي سار عليه المسيح تحت سياط اليهود وأكاليل شوكهم سار نعش شيرين ..المدينة إذا أحبت بطلها تصنع له موتا أسطوريا يخلده عبر الأجيال، والقدس أحبت شيرين.. موت جمع العالم وأظهر لمن لم يعرف حتى الان طبيعة النظام الإسرائيلي المتوحشة كحال أتباعه من الأنظمة العربية وجهه الحقيقي، كسر محاولات الاحتلال لتصحيح صورته وأعادت له صورته الوحشية الحقيقية..
ممارسات الاحتلال في جنازة شيرين وهمجيتهم قضت على مليارات صرفوها لإبراز صورتهم كصانعي سلام، المحاولات نفسها لإعادة إنتاج صورة الطغاة العرب كصانعي سلام، ولكنها صورة ستنكسر عند أول منعطفات الحرية والكرامة لشعوب تبحث عن خلاص مهما طال الزمن. الطبع يغلب التطبع… والذئب إن ارتدى رأس خروف سيسقط عنه بسرعة لأنه سيلتهم الرأس عندما يجوع، فالغريزة فضاحة والطبع غلاب.
كانت شيرين محاربة سلاحها الكاميرا لا البندقية لتنقل بها الخبر، وعندما صارت هي الخبر/الأسطورة أصابت عدوها/عدونا في مقتل.
لم تمت شيرين أبو عاقلة هي ولدت أسطورة للقدس.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية