شيزوفرينيا مُزمنة!

حجم الخط
0

خيري منصور

ظاهرة متكررة في تاريخنا العربي هي التناسب العكسي بين المنجز السياسي وما يتفرع عنه وبين المنجز الثقافي، فكلّما قويت شوكة الدولة او تحققت سيادتها تراجعت الثقافة الى الهامش واحيانا الى هامش الهامش، واذا كان لا بد من امثلة فلنبدأ من الدولة الايوبية في ذروة القوة والاتحاد واخيرا تحرير القدس. ففي تلك الآونة عانى فقهاء ومجتهدون في مجال المعرفة مثل السهروردي المقتول يوم عوقب بالجوع والظمأ حتى شفّت روحه وتجلت في عبارة آسرة هي ‘ أرى قدمي أراق دمي’، والمثال الثاني بعد ثورة يوليو المصرية وبتزامن مثير بين قوانين التأميم ورفع راية الاشتراكية وتحديث الدولة وبين نفوذ الاتجاه الاتباعي في الأدب، بحيث عوقب شعراء الحداثة بمنعهم من المشاركة في وفد ادبي لمؤتمر الكتاب العرب في بلودان، ولم يكن عبد الناصر بالطبع هو الذي فعل ذلك، لكن سدنة الثقافة هم الذين تولوا الأمر، وفي ذروة التحديث والتصنيع العسكري والتبشير بدور التكنولوجيا في الحياة الجديدة، شهد العراق نكوصا كارثيا للحداثة الأدبية وبالتحديد الشعر، وسرعان ما أفسدت الذائقة بنماذج تتأسس على المحاكاة وتستدعي الحصان والسيف والدرع في زمن الصاروخ كروز وطائرة الفانتوم والحواسيب العسكرية الذكية، ولم تسلم الثورة الفلسطينية على اختلاف مراحلها من هذه الاصابة في الصميم من وثيقتها الأدبية فتحولت الى ممدوح هو البديل المعاصر لخليفة او سلطان لأن معظم ما كتب لم يكن منها او فيها بقدر ما كان حولها او عنها.

وأذكر ان شاعرا عربيا علّق على شعار رفع ذات يوم في بيروت وهو ‘ بالدم نكتب لفلسطين’ قائلا: ‘ هذا خيار جيد لمن لا يستطيعون الكتابة بالحبر’، ورغم قسوة هذا التعليق الا انه كان تجسيدا لرد فعل لدى من سهروا على تطوير رؤاهم وأدواتهم، لأنهم على قناعة بأن الأدب الرديء يسيء للقضية التي ينحاز اليها، ويقترض منها بدلا من ان يسلّفها او يمنحها اضافات انسانية، وقد سمعت من الصديقة الشاعرة والاكاديمية المعروفة د. سلمى الخضراء الجيوسي ذات يوم ملاحظة تستحق ان اتوقف عندها ولو قليلا، فهي عندما كانت بصدد اختيار نماذج شعرية عربية وفلسطينية لترجمتها الى الانكليزية ضمن مشروعها الرائد الذي حمل اسم ‘ بروتا’ وجدت صعوبة بالغة في العثور على نصوص تصمد شعريا امام الترجمة، وتمتلك ايحاءات انسانية، ولو قام أي باحث اليوم باعادة النظر في الشعر الذي كتب عن الثورة الجزائرية لما بقي في يديه وذاكرته وحقيبته غير القليل وهذا القليل هو الشعر وليس ما كتب باسمه او بأساليب تشبهه من الناحية الشكلية فقط، كيف نفسّر هذه الاحجية؟ وهل يكفي ما يقال موسميا عن أدب الانفعال السريع او الوجبات الرصيفية لتبرئة ما كتب باسم الشعر من شوائبه ومن فقره’الجمالي وسرعة انتهاء صلاحيته؟

ما نخشاه هو ان تتحول هذه الظاهرة المزمنة الى قانون، بحيث لا يزدهر الشعر الا في حالات الاستنقاع السياسي، بحيث يكون بديلا عن حراك انساني ميداني، ومن يميلون الى هذا التفسير غالبا ما يجتذبهم النموذج الأدبي الروسي في القرن التاسع عشر، خصوصا اذا قورنت نماذجه العالية والخالدة بما كتب بعد ثورة اكتوبر عام 1917، والتي تسبب رقيبها الستاليني بعد ذلك ‘ جدانوف’ في انتحارات معنوية وعضوية لشعراء ومبدعين، لأن الثورة سرعان ما تحولت الى دولة بكل ثقلها الفولاذي وخوذتها المحكمة، وكأن الصراع بين ما يدور في الاعماق وما ينبغي الاعلان عنه او تقمّصه يصل الى حدّ يدفع المبدع الى الارتطام بالجدار او سقف واطىء يدمي جناحيه وهما يخفقان بلا جدوى بحثا عن مجال حيوي للتحليق.

ما يتكرر على نحو يفرض علينا نبش المسكوت عنه في هذا الشجن الثقافي، يجعل المبدع الحقيقي المتناغم مع ذاته، والذي يضبط خطاه على ايقاعه الروحي يشعر بالحرج، لأنه يصبح فائضا واحيانا كمن يمارس فعلا يمتزج فيه الكوميدي مع التراجيدي، وكأنه يسرح شعره او يحلق ذقنه تحت غارة جوية!!!* * * * * * * * *ما ترسّب من ثقافة الانتقاء والتراكم والافتقار الى السياقات والأنساق والرؤى وهي ثقافة اجمل بيت شعر في ديوان العرب أو افضل ما قيل في الغزل أو الرثاء هو هذه الشيزوفرينيا التي تعيشها ثقافتنا الان، وكأن للشعر بالتحديد أزياء محشوة في خزائن الذاكرة، بحيث يرتدي الشاعر قميصا اسود في مناسبة ما ثم يستبدله بقميص أخضر في مناسبة ثانية واخيرا يخلعه ويتعرى شاهرا جسده كعورة اذا هدأت العاصفة، وعاد الناس الى بيوتهم وحياتهم اليومية الأليفة.

والمهرجان الشعري الذي اقيم قبل اقل من اسبوع في الخرطوم وكانت مناسبته الثورات العربية الان، اصاب من رصد ولو عينات منه بكآبة لا حدود لها، خصوصا عندما قال احد مقدمي الشعراء ان لا وقت لديهم للحب او الغزل او اي شعر آخر لأن المناسبة اكبر من كل هذا… كيف يمكن لمجتمع ان يتقدم ويثور بشعارات سياسية ويتراجع في الوقت ذاته اجتماعيا وثقافيا؟ وأين هو الشعر الذي يمكن ان يتحول الى مستوطنات بعضها للحب وبعضها للحرب وبعضها للموت؟

؟ ان اللحظات الحرجة في الوضع البشري هي تلك التي تشهد اعلى كثافة وعناق بين الحب والموت والحزن والغضب، وهذه الكيمياء لا تقبل التفكيك كما يقدمه النقد المدرسي اللهم الا اذا كان صاحب القصيدة ولا نقول شاعرها قد تحول الى فريق يتناوب اعضاؤه على هذه الابعاد الانسانية بشكل يجعل كل بعد منها غريبا عن الآخر.* * * * *اذا كان التاريخ كما يقول ماركس يتكرر باحدى صورتين هما المأساة والملهاة فإن الثقافة ايضا مشمولة بهذا الشرط والشعر ليس خارجها، لهذا فإن المتنبي عندما يتكرر في نهايات القرن العشرين على ذلك النحو الكاريكاتوري الذي نعرفه فهو من حصة الملهاة لا المأساة، لأنه يتكرر بلا سيف دولة او اي سيف، وبلا موهبته وعنفوانه وبلا مصيره التراجيدي ايضا عندما اعترف قبيل مصرعه لغلامه بأن كلامه هو الذي قتله، فمن تعرفه الخيل والليل والبيداء والرمح والقرطاس والقلم عار عليه الفرار، لهذا لقي حتفه بلسانه وليس بسيف خصومه.

وقد غاب عن ثقافة التراكم والتلفيق والنفاق السياسي أن المتنبي يتكرر فقط من خلال نقيضه، لغة وادوات ورؤى، لأن هذا النقيض يضيف اليه ولا يتقمّصه او يتغذى على هوامشه.

هذه الظاهرة المزمنة وما يماثلها من ظواهر تشعرنا بالهلع وليس بالقلق فقط من مستقبل ثقافتنا، ومن الوَصفة العجائبية للحداثة التي نصفها من عباءة عباسية ونصفها الاخر جينز كونكريتي. لهذا يصعب على المثقف العربي ان يضيف ضمير المتكلم الى كلمة حداثة على غرار ما فعل هنري لوفيفر مثلا وهو يكتب تحت عنوان ‘ حداثتُنا’ لأن هذا المنجز الفكري والتاريخي والمدني لم يتحول الى مزاج او مناخ، وبقي في حدود ما يجترحه أفراد شبه معزولين يرقصون بعيدا عن الموسيقى الصاخبة، ويصل الاغتراب حتى الى اجسادهم!

الثورات والانتفاضات في كل الازمنة عصيان باسل واجتراح لآفاق كانت محرّمة، لهذا يجب ان تصان مما يعلق بها من ثقافة رديئة، لأن الخشب الذي تمدّنا به للمهود وليس للتوابيت!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية