الناصرة – “القدس العربي”: مرة أخرى تغيب القضية الفلسطينية عن مشهد الانتخابات العامة في دولة الاحتلال، وتستحضر في معظم الأحيان لأغراض نزع الشرعية عن فكرة التسوية أو شيطنة السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس.
كما يبدو أن ما يعرف بـ”معسكر السلام ” في إسرائيل قد أصيب بحالة خرس أو تورط في محاكاة اليمين كما تجلى بفظاظة بتصريحات القيادية في حزب “ميرتس” الصهيوني اليساري حول حق اليهود بالعبادة في الحرم القدسي الشريف، وسط فقدان كلمة احتلال من قواميس السياسة الإسرائيلية بيمينها ويسارها ووسطها عدا أصوات نادرة جدا. كما تغيب القضية الفلسطينية عن كتابات المحللين والمعلقين الإسرائيليين إلا نفر منهم ممن يعتبرون تسوية الصراع وقيام دولة فلسطينية مصلحة إسرائيلية عليا، كما يشير على سبيل المثال المحلل البارز أمنون أبراموفيتش في مقال نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” حيث قال إن القضية الفلسطينية لا تذكر في الانتخابات الوشيكة أيضا، رغم أنه من شأنها حسم مصير إسرائيل ومستقبلها وربما قد حسمتها.
ويشير إلى أن المعركة الانتخابية التي تغيّب الاحتلال، تشهد مجددا شجارات شخصية وسطحية تتمحور بشخص نتنياهو الذي يحدد مضامين هذه المعركة لاعتباراته الشخصية. ويؤكد أبراموفيتش أن ” أزرق – أبيض ” ليس حزبا يساريا وان جل أمانيه بلوغ سدة الحكم في حكومة وحدة وطنية مع “الليكود” بدون نتنياهو. ويتابع “لا يجسد” أزرق- أبيض” بديلا فكريا لليكود فيما يهمل “العمل” موضوع الاحتلال والاستيطان. أما “ميرتس” فهو حزب يساري بات يشدد على البيئة والعدالة الاجتماعية وحقوق الحيوانات وتشريع القنب لكنه يولي أهمية أقل للقضية السياسية ومتعلقاتها الوجودية”.
وضمن صوت نادر كالصرخة في البرية يؤكد أبراموفيتش أن الاحتلال هو النفق الأكثر عمقا وقتلا التي تحفر من تحت أسس وجود إسرائيل وهي تصل لمياه الجوف وتفكك مجتمع الإسرائيليين الذين تجمعوا من العالم هنا لبناء دولة لا يتحكم فيها أحد دون رغبتها ولا تسيطر على أحد دون رغبته”.
على غرار عدد قليل جدا من المحللين والمعلقين الإسرائيليين أمثال غدعون ليفي يرى أبراموفيتش أن اليسار الصهيوني قد تنازل عن السلام وعن تسوية سياسية، ولا يتحدث حتى بمستوى الأقوال عن ضرورة وضع حد للسيطرة على الفلسطينيين رغم الدعم الذي يقدمه رجال أمن سابقون.
ويشير إلى أن اليسار الصهيوني دخل في حالة دفاع وخطابه اعتذاري بدلا من حملة هجومية توضيحية تحذر من أن عدم إقامة دولة فلسطينية لجانب إسرائيل يجعل إسرائيل بحالها الدولة الفلسطينية، بعد مسيرة حتمية. ويضيف في انتقاداته لليسار الصهيوني “يربح في الانتخابات من يتقن بث شعور بالأمن ومن يقدم قولا شديدا وليس بالضرورة فعلا. حينما يقتل جندي في الضفة الغربية تخدم تحليلات المعلقين أحزاب اليمين وتضر باليسار”. ويحذر إنه من غير الممكن أن تقدر إسرائيل على دفع جنودها لمرافقة أولاد المستوطنين وحمايتهم لافتا لما كشف عنه قائد جيش الاحتلال السابق غادي ايزنكوت بأن 55% من نشاط الجيش يتم داخل الضفة و75% من هذا النشاط يجري حول المستوطنات البعيدة وغير القانونية. وخلص للقول إن الجيش عليه ان يدافع عن حدود الدولة فقط.
ومن جهته تساءل نحاما شطرسلر محرر الصفحة الاقتصادية في صحيفة “هآرتس” عن العلاقة بين قتل الجندي وبين الاحتلال ؟ ووجه شطرسلر أيضا انتقادات لليسار الصهيوني وقال إنه سرعان ما انضم للقطيع ولم يجرؤ على قول نصف كلمة سياسية أو تسجيل ملاحظة صغيرة حول الصراع. وتابع ” أبدا ولا كلمة واحدة. اكتفى اليسار الصهيوني بتعزية عائلة الجندي القتيل فيما قال رئيس حزب ” العمل ” النائب عمير بيرتس إنه يشد على أيدي العائلة الثاكلة ويعزيها من أعماق قلبه وهكذا رئيس “ميرتس” نيتسان هوروفيتس إذ كتب “أبعث تعازي الصادقة لعائلة الجندي شوريك”.
ويقارن وزير خارجية دولة الاحتلال الأسبق يوسي بيلين أحد مهندسي اتفاق أوسلو بين الراهن في الضفة الغربية وبين إقليم كشمير. وقال في مقال نشرته صحيفة “يسرائيل هيوم” إن الجهود التي يبذلها رئيس حكومة الهند مودي لاستعادة الحكم الذاتي لكشمير وإلغاء الحظر المفروض على المقيمين الهنود من خارج كشمير تشبه إلى حد كبير نية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في ضم أجزاء من الضفة الغربية، ويتابع “يبدو العالم مستعدا لتجاهل وقبول سلوك الحكومتين الإسرائيلية والهندية للحفاظ على الوضع الراهن. من وجهة نظر اليمين السياسي في كل من الهند وإسرائيل فإن الوضع الراهن يعمل لصالحهم مما يمكن الحكومة القائمة من الاستمرار في السيطرة على المناطق”.
ويقول بيلين إنه في ظل هذه الخلفية وإذا قررت الأحزاب الحاكمة استغلال مصلحتها ، فقد تجر الجانب الآخر إلى دائرة العنف. ويتابع محذرا” لا ينبغي أن يكون مفاجئا إذا قاوم الجانب الضعيف مثل هذه المحاولات ورفض قبول الوضع الراهن الذي يفيد الجانب الأقوى فقط ، أو عندما يحاول الجانب الأقوى كسر الوضع الراهن لصالحه. حتى الأطراف الأضعف لها حدود وهذا صحيح في كل من الهند وإسرائيل. وعندما تكون الأطراف المعنية أيضا قوى نووية ، يصبح الموقف خطيرا بشكل خاص”.
في المقابل تتواصل عملية بشكل واسع الترويج لفرية “اللاشريك” وإلقاء الكرة في الملعب الفلسطيني وسط تجاهل واقع الاحتلال، فيدعو المعلق يوري هيثنر في ” يديعوت أحرونوت ” لضم المزيد من المناطق في الضفة الغربية. زاعما ان اتفاقية أوسلو ليست هي المشكلة بيننا وبين الفلسطينيين، لكن ما جرى في كامب ديفيد في شهر يوليو 2000 في عهد إيهود باراك كان هو المشكلة. وبعد توجيه التهم للسلطة الفلسطينية قال هيثنر إنه حان الوقت للاعتراف بضم الكتل الاستيطانية وضم غور الأردن بالكامل. أما المستوطنات الصغيرة، أو البؤر الاستيطانية يجب تعزيز البناء فيها، طالما لا يوجد شريك فلسطيني، هذه المستوطنات تُخيَّر بين الانضمام للكتل الاستيطانية، وبين البقاء تحت سلطة أجنبية. وتابع ” إن ضم الكتل الاستيطانية سيكون بمثابة البنية الأساسية للوحدة الوطنية في إسرائيل، بقيادة حزب الليكود، مع حزب ” أزرق- أبيض ” بعد أن ينأى الأخير عن يساريته.
وانضمت له المعلقة المختصة بالشؤون العربية الصحافية الإسرائيلية شمريت مئير في مقال بعنوان “سلسلة أخطاء” أكدت فيه الرئيس عباس يتعرض منذ سنوات لعملية “عرفتة” أي تحوله لياسر عرفات في الرأي العام الإسرائيلي.
وقالت إن بعضا من الانتقادات الإسرائيلية له مبررة لكن بعضها الآخر ينم عن خطوة سياسية محسوبة تهدف لنزع الشرعية عن أي تسوية مستقبلية مع السلطة الفلسطينية. محذرة من نتائج معاكسة تترتب على أي تدخل للسلطة الفلسطينية في الانتخابات الإسرائيلية معتبرة أيضا أن اليمين الإسرائيلي حول دعم عائلات “الإرهابيين” إلى خطوة دعائية ناجعة جدا في السنوات الأخيرة. واعتبرت مئير أن من بين أخطاء الرئيس عدم إلغائه لقاء مع 31 عضو كونغرس وصلوا المنطقة قبل شهور. زاعمة أنه ينزف ويخسر مكتسبات منها تمثيل الفلسطينيين في القطاع والدعم الأمريكي السياسي والمالي والاهتمام الدولي الذي كان في الماضي فوريا والدعم اللا محدود من دول عربية علاوة على تركه للحرم القدسي الشريف للأردن وللمتطرفين الفلسطينيين.
والمفارقة أن الصوت الإسرائيلي الأعلى في الانتخابات الإسرائيلية والذي يورد القضية الفلسطينية في برنامجه وتصريحاته هو رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إيهود باراك، مبتدعا مزاعم فقدان شريك فلسطيني عقب انهيار مؤتمر كامب ديفد عام 2000. ويكرر باراك قوله اليوم إنه “على إسرائيل أن تحتفظ بالمسؤولية الأمنية الشاملة بكل المنطقة حتى نهر الأردن وعليها أن تحدد لذاتها حدودا لها حفاظا على مختلف مصالحها الوطنية مع أغلبية يهودية كبيرة داخلها لأجيال طويلة”.
وتابع ” هذه الحدود تشمل الكتل الاستيطانية الكبيرة بما في ذلك الأحياء اليهودية في الشطر الشرقي من القدس ومستوطنات محاذية للخط الأخضر ومواقع استراتيجية خاصة. وداخل الحدود تكون إسرائيل قد شملت 83% من المستوطنين في الضفة الغربية كما تضم بدعم أمريكي كتلا استيطانية ضمن سيادتها لكن في المقابل تعلن أنه لم يعد لديها مطالب جغرافية خلف الحدود والمقصود مناطق تتيح إقامة دولة فلسطينية قادرة على البقاء لجانب إسرائيل حينما يحين الوقت المناسب وتحدد التفاصيل طبعا في مفاوضات بحال حصلت”.