خيري منصور
أول ما تجب الإشارة إليه درءا لأي التباس حول هذا العنوان وهو شِبه الحداثة، هو أن النقيض الفعلي للحداثة ليس الكلاسيكية، بل هذا التشبه الذي يلبس لبوسها، ويتقمص قناعها ومعجمها، فالحداثة ليست جزيرة محاطة من كل الجهات بقرائنها بدلا من الماء، وشبهها ليس شبه جزيرة بحيث يبدو المشهد كما لو أن قوسا واحدا سقط سهوا من الدائرة، فالحداثة بدءا من رؤيا، وسياق معرفي ترفده حساسية، وليست مجرد محاكاة لنموذج ما، لهذا تبدو عندما تأتي ملفقة ومترجمة بتصرف أشبه بالمهرج الذي يرتدي كل ما تصل إليه يداه، وقد يجازف بترصيع صدره بأوسمة هي في حقيقتها أغطية زجاجات فارغة ملقاة علي الرصيف!
لقد حاول أكثر من شاعر عربي أن يضع للحداثة حدودا تقريبية وأن يعيد لها الاعتبار المسلوب كما فعل أدونيس في مناقشته الشهيرة لأوهام الحداثة، التي قد لا تكون خمسة فقط، بل تصل إلي المئة، إذا قرر الشاعر الاستطراد في رصد هذا الركام المنعوت بالحداثة!
ہہہأثناء بحثي في الكتب والمجلات التي كرست بكاملها أو في أجزاء منها لرصد الحداثة عثرت علي مقالة استوقفتني بشكل لم أستطع تخطيه لأنها جسدت دفعة واحدة تناقضات لا يتاح لها أن تتجسد إلا في عدد من الكتب والدراسات. المقالة نشرتها مجلة مواقف العدد 25 لجوزيف صايغ تحت عنوان أين الحداثة؟
يقول كاتبها: قبل إبداء الرأي تقتضي النزاهة حيال الذات والقارئ بأن ألفت بأنني شخصيا سلفي، كلاسيكي وعمودي علي صعيد الشعر بحيث أحس مخلصا بأنني رجعي أكثر مما أنا تقدمي، قديم أكثر مني حديثا، وأقرب إلي الأيكولوجيين مني إلي الثوريين، مع هذا أختار مع رامبو الحداثة الملحة علي حساب وفائي!! في هذا الاعتراف المشكور لأسباب سجالية بالطبع تتضح المسألة بكل جوانبها، فثمة إصرار علي حداثة تقيم خارج الذات والوعي والممارسة، وثمة فصل حاسم بين نظرية وتطبيق، وهذا الاعتراف يبدو للوهلة الأولي ملغزا، إذ كيف يعترف شاعر بأنه رجعي وعمومي ويختار الحداثة، فالأمر يتطلب أحد أمرين، وهما إعادة تعريف الكلاسيكية والحداثة معا، أو القبول بهما باعتبارهما وجهين لظاهرة واحدة، كي لا نقول عملة واحدة! ولو شئنا أن نرسم صورة كاريكاتيرية معادلة لهذا الاعتراف المزدوج، لرسمنا بدويا بكامل لباسه التقليدي تتأرجح علي صدره ربطة عنق ويسوق سيارة فارهة بالعصا!! هنا نجد افتتانا بحداثة رامبو من خارجها تماما، لعلها الرغبة الطفولية في الإقامة في الحاضر دون احتياز أدوات وطرائق هذه الإقامة، أو لعلها الانزلاق إلي قعر البئر السحيقة والسقوط في شيزوفرانيا لم تعد سرية!
لقد ذكرتني المقالة المذكورة فور الانتهاء من قراءتها بعد أعوام عديدة من نشرها بما قاله ت. س. إليوت لكن علي نحو مفارق، ومعكوس، فإليوت قال أنه كلاسيكي في الأدب، ملكي في السياسة، وكاثوليكي في الدين، لكنه لم يقل مثلا بأنه كلاسيكي ويعشق رامبو أو لوتريامون، كما أنه لم يقل أيضا بأنه كاثوليكي ولكنه يفضل البروتستانتية أو أي شيء كهذا!
ہہہعلينا أن نعد أنفسنا كي نفهم المزاعم الجمالية المضطربة، بأن نتخلي طواعية عن ثلاثة أرباع خبراتنا وقراءاتنا وتجاربنا في الكتابة، فالكيمياء الحداثوية التي سوقت لنا نظريا في فترة ما هي أقرب إلي الخيمياء، وثمة من زعموا بأنهم يمتلكون حجر الشعراء كبديل أو مردف لحجر الفلاسفة، وكدنا نصدق بادئ الأمر أن ميداس الحداثة العربي ما أن يمس الخيمة أو أحد أوتادها حتي تتحول إلي كمبيوتر تتدفق منه المعلومات.
إن الحداثة بهذا المعني الذي يحاصرها بين قوسين هما قوس الاتباعية وقوس المحاكاة أو التقمص الشكلاني هي نقيض الحداثة، حتي بذلك المعني الذي ودع فيه الألمان حداثتهم الأولي في بيان شهير نعاها عام 1815، أي قبل قرن ونصف علي الأقل من بشارة الحداثة العربية التي أطلقتها القابلات المتخصصات في استبدال الأجنة أو وأدهم في الأرحام!
وقد غاب عنا زمنا أن الحداثة حداثات والبنيوية بنيويات أيضا، فالمصطلحات ليست كبسولات محظور علينا فحصها لأنها ممهورة بتوقيع الطبيب الذي حدد الوصفة، وإن المرء ليستغرب كيف لم يهتم النقد العربي في العقود الماضية بحداثات أخري متجادلة مع حداثة الأدب كحداثة الفلسفة، وعلم الاجتماع وما أضيف إلي الأنثروبولوجيا في بعدها الكشفي حول المتعلقات الاجتماعية والتربوية والطقسية بالإبداع.
إن عربا يعيشون في السياسة والاقتصاد والتربويات الشفوية حقبة ما قبل الدولة يتطلعون إلي العيش في الوقت ذاته في ما بعد الحداثة، وقد تكون مقالة صايغ التي توقفنا عندها كنموذج عينة نموذجية.
إن التلفيق الجديد لكائن نصفه من طين ونصفه من نور، أو نصفه من ثور ونصفه الآخر من صقر، لا يرقي إلي الأسطورة، بل يبقي دونها بكثير، فهو إفراز تاريخ محتقن، وهناك عبارة قد تبدو عادية وبسيطة قالها آلن روب غرييه عندما سئل ذات يوم عن الرواية الجديدة أو الرواية المضادة حسب التعبير السارتري، فقد قال.. إنها كما أكتبها ولا شيء آخر.
هذه الإجابة تختصر الكثير عما يمكن قوله حول الأصل والصورة، والإفراز العضوي الأصيل والتقمص، أو المحاكاة، فالبشر عندما اضطروا بسبب تراكم المعرفة إلي تصنيفها في تيارات وخانات ومدارس، تورطوا من حيث لا يدرون بالتنميط، والامتثالية، وأخيرا القَطعنة، ذلك ببساطة لأن ما قاله برنارد شو عن المسيح يصح علي ماركس وفرويد وسائر السلالة، فالمسيح ليس مسيحيا وفرويد ليس فرويديا، وماركس ليس ماركسيا، لأن تحويل تراث الأسئلة والهواجس إلي يقين وأدلجة هذا اليقين ثم أَيقنته هو القتل الآخر الذي يستهدف الموتي!
فالفيلسوف والشاعر والمفكر لا يموتون إلا عندما تفرض علي نصوصهم توابيت منهجية كتلك التي رفضها بإصرار كيركيغارد ورفض إدراج نفسه في أية خانة، خصوصا بعد أن رأي النقاد الكسالي يدافعون عن بطالتهم في التصنيف المدرسي السكولائي للفكر الإنساني ومغامراته الباسلة!
ہہہهل نبقي في حدود وصف مشاعرنا؟ ولا نجتاز التعبير بمعناه الاصطلاحي الدقيق؟ وهل نبقي أسري غضب يتولي القلب فيه التفكير نيابة عن الدماغ؟ لكي نوهم أنفسنا والآخرين بانتسابنا إلي الراهن الحي؟
ثم نستجدي تاريخيتنا من استجابة آنية سرعان ما تتلاشي حتي أصداؤها ثم نغادر القاعة لنجد أنفسنا في الغرف ذاتها؟ وفي قتامة المجهول ذاته؟
إن المسافة الهائلة بين ما نقوله عن الحداثة وبين ما ننجزه فيها تفضح تباعدا بيننا وبين أنفسنا، بين منقولنا المعرفي المستعار وبين وجداننا الجاثم علي تخوم رومانسية مطلية بقشرة لغوية أكثر هشاشة من قشرة جرح موشك علي الاندمال!
إن معظم الشعر العربي الآن يتصارع مع لغة اكثر مما يتصارع مع وجود وشروط تاريخية وحصارات كونية، فاللغة لم تعد في هذا الصراع رموزا، بقدر ما هي الوجود نفسه مسطوا عليه ومترجما إلي أقصي تجريد!
في حالة كهذه سيكون سباق الشعراء كسباق الخيل، فالخيول المتسابقة حتي عندما تفوز تصبح مغتربة عن فوزها، لأنها أداة سباق ولا وجود لها بمعزل عن فرسانها!
وعندما تحل اللغة في هذا الميدان بديلا كاملا لما تومئ أو تحيل إليه يكون التنافس علي أشده بحثا عن اللامطروق.
لكن اللامطروق هذا، ليس في مجال تأمل العالم والوجود واصطيادهما في رؤي لأن المغامرة لغوية خالصة، فيصبح الشاعر أعمي تقوده كلمات آسرة هي في نهاية المطاف ليست كلماته، بل الشهد الذي أفرزه نحل آخر أكثر نزوعا إلي المغامرة والتحليق ومكابدة البحث عن الرحيق مهما نأي!
ہہہما سماه الوجوديون سوء الطوية أفسد الكثير من إبداعنا الحديث، فالإلحاح الدرامي والإفراط في البحث عن التفرد كانت لهما عواقب غير سارة علي الإطلاق، وقد لا نبالغ إذا قلنا بأن بعض النصوص تبدو كما لو أنها كتبت خصيصا لنقد بنيوي، أو لتفكيك يشترط أمثالها.. أليس الأمر في حالة كهذه مثيرا للإشفاق أكثر من السخرية؟
وهل من متطلبات الحداثة في أشد أبعادها شكلانية وبعدا عن الحراك والجمال الفاعل أن يبدد الشاعر طاقته كي يحقق وهما اسمه هاجس التفرد عبر اللغة فقط؟
إن بعض المصطلحات الأكثر تداولا في نقدنا المدرسي كالغنائية والواقعية والحداثة.. أصابها التورم وباتت بحاجة إلي إعادة فحص وتمحيص فالغنائية ليست حكرا علي شعرية صوتية تعني بالكلام المموسق! إنها رؤيا، فقد يكون المؤرخ غنائيا إذا هيمن عليه السرد الأفقي علي حساب التأمل والمقارنة والتحليل.
وقد يكون الروائي غنائيا إذا تحول شخوصه إلي ناطقين رسميين باسمه وحده.. إن السياسة أيضا وكذلك الاقتصاد معرضان للإصابة بجرثومة الغنائية كرؤيا.. ومنهج، فسياسة لا تقيم وزنا للعلاقة المعقدة والإشكالية بين الحاكم والمحكوم، تنتهي إلي سياسة غنائية، أو نشيدية خالية من أية جدلية تاريخية.
وحين نسمع ما يقال عن اقتصاد الصدقات، وما يتبرع به الموسرون للفقراء ينصرف ذهننا إلي اقتصاد غنائي، يراوح بين رعوية غربت ولم تغرب ظلالها وبين ربوية سيكولوجية تتلخص في بحث الموسر الذي يشعر ببعض الإثم عن توازن ما.. حتي لو كان وهميا.
إن حداثة مخلوعة من كل سياقاتها، ومترجمة بتصرف وتحوير يتيحان لها التأقلم مع هذا الواقع الملحمي.. هي شبه حداثة، وهي النقيض الفعلي للحداثة.. وليست الاتباعية هي نقيضها!!