سليم عزوز
لم أكن في القاهرة عندما جاءت إليها زميلتنا الصحافية الفلسطينية صابرين دياب، ولم أكن فيها عندما غادرتها، إلى الجليل، ليحدث معها في مطار القاهرة، ما سمعتها ترويه عبر برنامج ‘مانشيت’ على قناة ‘أون تي في’، فتمنيت ألا تكون صادقة، على الرغم من أنني لم أجرب عليها كذباً.
تأتي صابرين إلى القاهرة لتلتقي بالأستاذ محمد حسنين هيكل، ولكي تزور قبر جمال عبد الناصر، وتزور زملاءها في صحيفة الحزب الناصري، ‘العربي’، التي تعمل مراسلة لها من أرض فلسطين، ولتلتقي بالمؤلفة قلوبهم من أمثالي على الهامش، فلديها أمل أن أصبح ناصريا، ومن دراويش الأستاذ، وقد بذلت من قبل أن أتعرف عليها جهوداً مضنية من اجل ان أحب جمال عبد الناصر وفشلت، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، وطلبت من صابرين ألا تتعب نفسها معي، فانك لا تهدي من أحببت.
عندما مات عبد الناصر كان عمري أربع سنوات، وبضعة شهور، وأذكر أن والدتي يرحمها الله جلست في بيتنا، ومعها نسوة من البلدة، وقد أقمن دائرة حول جهاز ‘الراديو’، وكان واضحاً انه ينقل جنازة الفقيد، بينما هن في حالة بكاء صامت، ونحيب مكتوم.
ولم يؤثر فيّ هذا المشهد، ولكني تأثرت بما قرأته بعد ذلك عن تعذيب في السجون في عهده يشيب لهولها الولدان.. كانت بداية معرفتي بالرجل من هنا، وعندما كنت أقاوم هذه السيطرة، وارجع ما نشر إلى الثورة المضادة، التي قام بها الإخوان المسلمون انتقاماً منه، إذا بمذكرات الشيوعيين تصدر، وإذا بالتعذيب البشع يتبين انه حقيقة، فلا يجمع اليسار والإخوان على ‘كذبة’ واحدة.
الحرية عندي مقدمة على العدل، وعلى كل المبادئ الإنسانية، وعذري في الموقف من عبد الناصر انني حاولت أن أحبه وفشلت. عندما كنت صغيراً لم أكن أحب اللبن، وكنت أقول هذا، فتقوم أمي بتعنيفي، قل إن اللبن لا يحبني. فلا يليق بأحد أن يعلن كراهيته لهذه النعمة الإلهية.
قلتها مرة لصابرين دياب: إن عبد الناصر لا يحبني، ولم تفقد الأمل. أما بالنسبة للأستاذ فأنا مؤمن بقدره وقيمته، يكفي أنني اجلس في كل أسبوع أمام الجزيرة، مجلس التلميذ من الأستاذ، لكي أشاهد برنامج ‘مع هيكل’. لا اعرف متى سيكمل مسيرة حياته، بعد ان توقف برنامجه عند وفاة جمال عبد الناصر. ومن المؤكد أن حلقاته القادمة ستكون أكثر إثارة، لأنها ستكون عن عهد السادات، الذي بدأ هيكل مناصراً له، وانحاز له في معركته ضد رجال عبد الناصر، وكتب ستة مقالات من نوع طويل التيلة، قبل أن يتحول الود إلى عداوة.
ستقول صابرين ان موقف الأستاذ من السادات كان في البداية، وكان الجميع يظنون انه جاء ليكمل المسيرة لا لينقلب عليها، والدليل أن شقيقها المولود في بداية عهد السادات اسمه أنور تيمناً به، فلا يمكن أن يخطئ هيكل عندها ولا مرة، وهو عندي على الرغم من انه قيمة مهنية، يؤخذ من كلامه ويرد.
سين وجيمفي زيارتها للقاهرة قبل سنوات تعرضت صابرين دياب لسين وجيم، وتحقيقات على يد جهاز الشاباك الإسرائيلي، نسيت أن أقول لكم انها من عرب 48، وسألوها عن زيارتها للأستاذ هيكل، وعن علاقتها بجريدة ‘العربي’، وبجريدة كانت وليدة وقتها، ولا تعرفها صابرين هي ‘الشروق’، التي يقال ان أولاد محمد حسنين هيكل من المساهمين في رأسمالها.. وواضح أن القوم هناك يتعاملون مع هيكل على انه عدو مبين.. وهذا وسام على صدر اي كاتب حر.
في هذه المرة تأجلت زيارة زميلتنا صابرين للقاهرة أكثر من مرة، بسبب تعنت الجهات الإسرائيلية تارة، وتلكؤ السفارة المصرية في الأرض المحتلة، في منحها تأشيرة دخول تارة أخرى، وأخيراً جاء الفرج، وجاءت بنت الجليل إلى القاهرة، وقضت أسبوعاً ثم عادت.
ألف وأدور يا قراء، وكأني اسعى للابتعاد عن لقائها مع زميلنا جابر القرموطي مقدم برنامج ‘مانشيت’ على قناة ‘اون تي في’. قال القرموطي إن الصحافية الفلسطينية صابرين دياب تعرضت للتفتيش والإهانة من قبل ضباط إسرائيليين في مطار القاهرة.
قلت ربما ما قاله جابر هو زلة لسان، فهو يقصد مطار بن غوريون، لا مطار القاهرة، فليس من سلطة أي دولة ان تمارس نفوذها داخل مطار دولة أخرى، ربما يكون طبيعيا أن يجري هذا في الطائرة باعتبارها جزءا من الأراضي المملوكة لها، وقبل سنوات وقف طيار مصري شهم اسمه علي مراد في وجه الضباط الإسرائيليين، ورفض السماح لهم بتفتيش طائرته التابعة لمصر للطيران، باعتبار ان هذا تطاول على السيادة المصرية، واضطر للعودة بالطائرة لمطار القاهرة بدون ركاب.
وقامت شركة الطيران بعقابه، باعتباره خالف التعليمات، ولجأ للقضاء الإداري، الذي ألغى العقوبة، وأشاد بموقفه الوطني والشجاع، وأنبت المسؤولين بالشركة الذين عاقبوا وطنيا بدلا من أن يكرموه.
تعلقت أذني بصوت صابرين دياب التي قال جابر القرموطي انها معه عبر الهاتف، وهتفت في سري: قولي له انك أخطأت، فالتفتيش المهين كان في مطار بن غوريون. وجاء صوت زميلتنا حزيناً، لكنه لم يكن منكسراً.. يظل الصوت الفلسطيني شامخاً حتى في لحظات الانكسار.
لا يروق لي جابر القرموطي مقدماً، لكنه كان في هذه الفقرة في حالة تجل، اذ توحد مع اللحظة، وقدم زميلتنا بما يليق بها، وجاء كلامها يؤكد مقدمته، فلم يكن هناك خطأ ولم تكن زلة لسان، فقد قالت انها قبل ان تصعد إلى طائرة العال الإسرائيلية، اصطحبها ضباط إسرائيليون، إلى مكتب في مطار القاهرة، وقاموا بتفتيشها ذاتياً، وأهانوها، وسحبوا شريحة هاتفها الجوال، ليعرفوا بمن اتصلت في القاهرة.
كلام صابرين اخترق السمع، وظننت أن الدنيا ستقوم وتقعد، وقد يشعر المسؤولون في مصر بالحرج فيكذبون صابرين، وليتهم فعلوا، لكنهم لم يفعلوا.
بدا لي الكون حزينا في هذه الليلة، وبدا القمر باكياً، ليس لأن صابرين أهينت من قبل ضباط إسرائيليين، فربما يحدث هذا كثيرا لأهلنا في الأرض المحتلة، ولكن لان الإهانة لحقتها في مصر.
معذرة يا صابرين، فلم تكن هذه مصر جمال عبد الناصر، بل كانت مصر احمد عز.
السفه الدراميحسناً فعل أسامة الشيخ رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري عندما قرر وقف الإنتاج الدرامي، الى حين توقف السفه الحاصل الآن، بسبب المضاربات من قبل الفضائيات، وكأنهم يعلبون القمار.
في هذا العام تعرضت كل الفضائيات لخسارة فادحة، بما في ذلك قناة ‘الحياة’ التي كانت في العام الماضي قد اشترت كل الأعمال الدرامية، وحصلت بسبب ذلك على النصيب الأكبر من ‘كعكة’ الإعلانات، كما كانت سبباً في أن تحتل مكانة متميزة بين الفضائيات.. يقال إن نسبة هذه الفضائية الوليدة في الإعلانات فاقت نسبة ما حصل عليه التلفزيون الرسمي بكل تاريخه.
ولعل ما حققته ‘الحياة’ كان سبباً في التنافس المجنون على الإنتاج الدرامي، الذي دخلته فضائيات خليجية يتم الإنفاق عليها من ‘مغارة علي بابا’، ووفق قاعدة ‘من معه ريال ومحيره يشتري به حمام ويطيره’. وفي ظل هذا الجنون، لم يهتم احد بالجودة أو الكيف، إذ انصب الاهتمام على الكم، والعدد في الليمون كما يقولون، وشاهدنا أعمالا رديئة، ولا يجوز لها العرض على شاشة لمحطة تلفزيونية يشاهدها الناس، فلا قصة، ولا حبكة، ولا إخراج.
وسمعنا عن الملايين يحصل عليها ممثلون، فتحسرنا على زمن إسماعيل ياسين، وهو الفنان الكبير الذي مات فقيراً، على الرغم من قيامه ببطولة عشرات الأعمال، وإسعاده للمشاهدين حتى الآن.
الإنتاج الدرامي السفيه لا يعرف ‘قسمة العدل’ فهناك بطل يحصل على أكثر من نصف ميزانية العمل، في حين يحصل باقي الفريق على الفتات، وتقرأ عن الأرقام الفلكية التي يحصل عليه الابطال فتصاب بالصرع، وكان طبيعيا ان يحدث إسهال في الإنتاج، ليدخل سوق الكتابة الدرامية أميون، ويتنافس جهلة في مجال الإنتاج الدرامي.
إن قرار رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري يستحق التحية.
أرض جو* استضاف التلفزيون المصري جمال مبارك لمدة ساعتين كأنها (مقاولة)، ليفتي في كل شيء، والصفة التي تم تقديمه بها ليست نجل السيد الرئيس، فلو كان الأمر كذلك لما حق لأمثالي من عامة الشعب ان يتنفس، فمن حكم في ماله، أو تلفزيونه، أو حتى شعبه، فما ظلم.
لكن خيري رمضان مستضيف جمال مبارك قدمه بصفته رئيس لجنة السياسات بالحزب الحاكم، ولمن لا يعلم، فإننا هذه الأيام نعيش أجواء انتخابية، وحزب الرئيس ونجله، يخوض الانتخابات منافسا لأحزاب وقوى أخرى، ولا يجوز له ان يسيطر على تلفزيون الدولة المصرية، كما لو كان يتم الإنفاق عليه من شركة حديد عز.
ان حديث جمال مبارك لمدة ساعتين، ليس منشئا لحالة تعامل التلفزيون المصري على انه تلفزيون الحزب، ولكنه كاشف لهذه الحالة.
صحافي من مصر[email protected]