صاحب البقّالة يتصدّق بكمشة مباريات واعتقال علي الطريقة السويدية في الاردن
توفيق رباحيصاحب البقّالة يتصدّق بكمشة مباريات واعتقال علي الطريقة السويدية في الاردناصبح المونديال قضية محلية عويصة، في الجزائر والمغرب وفي دول عربية اخري بانت علي حقيقتها بفضل صاحب بقّالة تلفزيونية جعل الدولة الوطنية تلعب اخر ادوارها امام سطوة المال والاعمال.قضية محلية رغم ان هذا المونديال بعيد عن الدول العربية جغرافيا ووجدانيا ومشاركةً، الا تونس والسعودية. فالجزائريون لا ناقة ولا جمل لهم فيه، والشكر لاهل السياسة الذين اختطفوا الكرة فانزلوها للحضيض منذ ما يزيد عن عشرين عاما هو عمر التدهور الجزائري سياسيا واقتصاديا وثقافيا وكرويا. ومن حق اي مواطن مغربي ان يقول نفس الكلام ويشعر بنفس المرارة، لا حنقا علي البقّالة ، لكن علي دولته التي فشلت في اول امتحان لا غش ولا محاباة فيه.والمغاربة ليسوا احسن حالا رغم الجهد الذي بذله المدرب السابق بادو زكي والذي كاد يثمر طيبا لولا ان اهل السياسة حشروا خشومهم في الكرة فكانت النتيجة مثل الجزائر (رئيس اتحاد الكرة عندهم منذ 30 عاما ضابط برتبة جنرال ـ نعم جنرال ـ اسمه حسني بن سليمان، وعندنا جنرال اسمه محمد بتشين متقاعد الان، تولي ادارة المخابرات في فترة ما وعمل مستشارا امنيا للرئيس الامين زروال فحشر نفسه في كل شيء ـ وفاء لمنصبه المخابراتي الاصلي ـ وكانت الكرة احد ميادينه المفضلة بأن فرض رجاله علي الاتحاد، والنتيجة ان هزمنا ابناء روندا الناجون من مذبحة المليون في 1994، ولم نعد نجد فريقا واحدا يقبل باللعب معنا).رغم القطيعة والانقطاع، ورغم مرارة الانهزامات الكروية التي، لكثرتها، لم نعد نحصيها، وعلي ذمة صحف جزائرية هللت وكبّرت ومصادر رسمية مغربية تباهت كثيرا: الرئيس بوتفليقة والملك محمد السادس توليّا شخصيا ازمة حرمان شعبيهما من مباريات المونديال بسبب ذكاء وجشع (في نفس الوقت) صاحب البقّالة الذي لم يفعل سوي ما يفعله اي تاجر عاقل وذكي، فاستعمل الاول سطوة المال وأصدر اوامره للحكومة كي تجد حلا للازمة، واستعمل الثاني ما لبلاده وشخصه من وزن معنوي لدي الاشقاء الخليجيين و صاحب البقّالة فتصدّق علي المغرب باربع مباريات مجانا، اي بدون سيولة نقدية، لكن لا نعرف مقابل ماذا. وعلي عكس الاوامر والطلبات الرئاسية السابقة، استجابت الحكومة الجزائرية بسرعة فائقة رغم ان رئيسها لم يسخّن كرسيه بعد والاولويات عنده اكثر من ان تحصي، ورغم ان الوزراء لم يفيقوا بعد من نشوة ابقائهم في مناصبهم. لذا خصصت الحكومة وقتها وجهدها طيلة الاسبوع الماضي لحل معضلة المونديال الذي سيموت نصف الجزائريين اذا لم يشاهدوا مبارياته. علما ان هذه المناسبة الرياضية ـ التجارية العالمية محرّمة علي الفريق القومي الجزائري تحريما مطلقا منذ عشرين سنة، فجاز تشجيع الفريق التونسي وبدرجة اقل السعودي، او تقسيم التعاطف بين السعودية وفرنسا، فهذه شقيقة لفئة من الجزائريين وتلك ام حنون لفئة اخري تحمل الشمسيات عندما تتلبد السماء غيوما بباريس.والحل الذي اهتدت له حكومة من العباقرة و الامخاخ ، ان أمرت الولاة (المحافظين) باحصاء عدد المقاهي في ولاياتهم، ثم شراء بطاقات البقّالة وتوزيعها علي اصحاب المقاهي ومسيّري دور الشباب والاحياء الجامعية لتمكين روادها من مشاهدة المباريات. وكذلك انزال كميات كبيرة من البطاقات الي السوق (تبيعها) مكاتب البريد، وتزويد البلدات وساحات المدن بشاشات عملاقة تديرها البلديات.ويتعلق الامر بـ360 الف بطاقة قيمة الواحدة ازيد قليلا من الفي دينار (ما يعادل 25 دولارا) صالحة شهرا واحدا (في الجزائر 48 ولاية و1540 بلدية). بلغة اخري، البلد مقبل علي حفل قومي مفتوح يجمع الجزائريين ويقرّبهم من بعضهم بشكل يذكّر بالمناسبات الوطنية الكبري مثل اعياد الاستقلال في الثمانينات عندما كانت المطربة وردة تطوف المدن وتغني عيد الكرامة يا عيد.. هلّيت علي وطني بفجر جديد ونحن سكاري طربا معتقدين ان العالم تحت اقدامنا، وليالي رمضان قبل ان تستسلم للرتابة والملل والقلق والخوف.وهكذا، بعد ان كان الشعب هو المزكي (من الزكاة) الوحيد (تقبّل الله صدقاته) لميزانية البقّالة ، ارتأي الرئيس الجزائري ان تكون له يد في هذا العمل الخيري القومي المبارك كي تذكره الاجيال وهو الذي لن يترك الرئاسة ما لم ينقش اسمه بالذهب في سجلات التاريخ. وبعد، سيكون بمقدور الرئيس ومساعديه الابرار، ووزراء حكومته القديمة ـ الجديدة، ان يناموا مطمئنين علي شعبهم لانه سيشاهد مباريات المونديال.وسينام الاباء والامهات الجزائريون اكثر اطمئنانا علي اولادهم (دون البنات لان مثل هذه المساحات والكرة، والرياضة عموما، ذكورية بامتياز) فالرئيس مهتم شخصيا براحتهم ومتعتهم، وامنهم ايضا، لانه الي جانب البطاقات والمقاهي، قالت الصحف ان الشرطة ستحضر التجمعات وتراقبها تحسبا لاي طارئ، ربما خوفا من بقايا البولحية والارهاب المنسوب لهم، وربما تحسبا لان تتحول المباريات الي تظاهرات مطالبة بالمساكن وفرص العمل، لان الكرة هي خصم الحكومات واجواؤها هي الوقود الذي يعجّل باطلاق الشرارات.مبروك علي الجزائريين النعيم الذي هم فيه.والمونديال مشكلة قومية بالمغرب شغلت المخزن ايضا. اقرأوا هذه التفاصيل المنقولة علي لسان البرّاح باسم الحكومة: العاهل المغربي محمد السادس تدخل شخصيا لدي البقّالة فانتزع لشعبه مشاهدة مباريات الافتتاح (الجمعة الماضية) ونصف النهائي والنهائي. هذا كل ما استطاع اليه صاحب الجلالة عند صاحب البقّالة .تصوروا لو انهم تصرفوا كلهم بالمثل فيقف 22 رئيسا وملكا في طابور لاستجداء صاحب البقّالة ، وهو مثل المعزّل يوزع صدقاته كما يشاء: هيّا، خذ انت ثلاث مباريات واغرب عن وجهي .. و انت، كم تريد؟ .. كل المونديال سيدي، اذا ممكن ، يرد صاحب السمو او الفخامة. لكن صاحب البقّالة ينهره: يا طمّاع.. الا يكفي انك واولادك اخذتم كل البلد وتريدون الان كل المونديال؟ عيب يا اسمك ايه! . وانت هناك.. من انت؟ . انا يا بيه؟ الله، ما عرفتنيش.. انا بتاع ام الدنيا يا باشا. سيادتك نحن 75 مليون نسمة.. بحبحنا شوية إلهي ربنا يفتحها فوشّك ويخليلك اولادك ويوقفلك اولاد الحلال.. آدر يا كريم، يا ربّ . غير ان صاحب البقّالة يرفض الاونطة ويرد غير مكترث: ما فيش تمييز، كلكم اخوة والعدل يفرض عليّ ان اعاملكم بالتساوي فيستسلم الاخ : اللي تشوفو حضرتك كأنه مستعجل للعودة الي قلب العروبة النابض وادارة شؤون الامة المتوقفة تنتظر عودته.ثم يلتفت المعزّل الي رجل منهك قادم من هناك يتصبب عرقا. يسأل: من انت الاخر؟ محسوبك مندوب المحاكم الشرعية في الصومال، وصلت للتو من اخر معركة للاستيلاء علي بقايا بلدي. سيدي، صحيح انا لست رئيسا بعد، لكنني بعون الله والسعودية سنهزم امريكا وعملاءها ـ نيابة عن العراق وافغانستان ـ وأصل للكرسي بعد ايام، خصوصا ان قواتي تكتسح بقايا مقديشو. يا ريت تعطيني كمشة مباريات عساي اعزز بها تعاطف شعبي معي واصل بسرعة، وانا لكم من الشاكرين . ثم يتدخل اخر من هناك متماهيا لان له مكانة خاصة: طال عمرك ما شايفني، انا ابغي كل المونديال لان بلادي مشاركة فيه، والا الويل لك . يدرك الاخر حجم التهديد فيمنحه كل شيء علي الفور. ينتهي الطابور ويعودون جميعا الي بيوتهم ظافرين غانمين متطلعين الي استقبال شعبي لا نظير له، وشكر يُستحسن ان يُعبّر عنه بتزكية للبقاء بالحكم الي الابد. من حقهم طبعا.. يلبألهم ، كما يقول الشوام، يعني يستاهلوها!لا عليكم اذا كنتم من الذين تقززهم الكرة، كلها شهر وانتهي الامر. علينا، وانا مثلكم غير معتل كثيرا بالكرة، انتظار بقّالة اخري تأتي لتذلنا وتذل حكامنا. في انتظار ذلك، صلّوا وادعوا الله ان تكون بقّالة ميكروسوفت، والطابور هذه المرة عند بيل غيتس من اجل كمبيوترات وبرامج تقنية وعلمية لاولادكم وبناتكم. من الفائز؟ اعتقد ان الامن (والمخابرات) الاردني يستحق التتويج كأطيب وارق وأحن جهاز امن في معاملة الصحافيين. الطريقة التي عامل بها مراسل الجزيرة بالاردن وهو يحاور صهر الزرقاوي الخميس الماضي ذكّرتني بطريقة البوليس السويدي او السويسري في معاملة المتظاهرين من نوع جماعات الرفق بالحيوانات والمعترضين علي اقامة بناء او مشروع حكومي فوق ارض خضراء. اسلوبهم اقرب الي استجداء المتظاهرين، وحتي عندما يستعملون العضلات تبدو مثل قوة الأم وهي تحمل ابنها النائم الي سريره. كلنا سمعنا مراسل الجزيرة علي المباشر: بس شوية.. احنا بنسجل عالهوا .. طيب طيب، شوية واخيرا الان انا انا.. انا اُعــعــ تقل . وفي الخفاء يد تحاول تغطية عدسة الكاميرا وصوت محتشم بالكاد يُسمع، يبدو لضابط المخابرات، يا الله.. يا الله . انتهي الامر بانقطاع الصورة وفي اسفل الشاشة خبر يشرح خلفية الحدث: امريكا كانت رصدت 25 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تقود الي الزرقاوي . ثم تحته في شريط الاخبار المتسلسلة اسفل الشاشة: الاردن: شاركنا في تعقب الزرقاوي ولا دور لنا في مقتله .ننتظر ان تكشف امريكا عمن فاز بالـ25 مليون دولار. النجاح الغامض بعد اكثر من عام من الحجز ، افرجت الجزيرة الاسبوع الماضي عن حلقة من برنامج زيارة خاصة ضيفها الاسلامي التونسي راشد الغنوشي، فوجب التنويه، لأن هذه الزاوية شرحت قبل سنة كيف ان امريكا بقوتها وغرورها والسعودية بحكم الجيرة والقربي واخرين كثيرين فشلوا في ترويض الجزيرة ونجحت تونس الصغيرة حجما والبعيدة جغرافيا. لا بد ان في الامر سرا وزال ونتمني زواله للابد.كاتب من أسرة القدس العربي [email protected]