الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
إسطنبول-“القدس العربي”: في ذروة الخلاف المتصاعد بين فرنسا ومالي، أعلن رئيس الوزراء المالي شوغل كوكالا مايغا قبل أيام أن بلاده منفتحة على التعاون مع تركيا في مجال الصناعات الدفاعية، مؤكداً على حاجة مالي لـ”دول صديقة مثل تركيا” لمساعدتها في مكافحة الإرهاب، في أول إشارة تؤكد تقارير عن مساعي مالي أحد أهم دول الساحل الإفريقي الذي يتمتع بأهمية استراتيجية لفرنسا للحصول على أسلحة تركية.
وقال الرئيس المالي: “هناك علاقات طيبة بين مالي وتركيا والعديد من الشركات التركية ورجال الأعمال الأتراك قدموا إلى مالي لتنفيذ مشروعات”، مشدداً على أن “95 في المئة من سكان مالي مسلمون وأنها ترحب بالتعاون مع تركيا التي تعد من أكبر الدول الإسلامية”، وتابع: “قلت لممثلي الشركات التركية إن مالي هي بيتكم الثاني. ويكفي أن نقوم بتجارة مربحة للطرفين. فبلادنا منفتحة على التعاون مع تركيا.”
هذه الخطوة تزامنت مع الأنباء عن نية روندا أيضاً الحصول على أسلحة تركية، حيث ادعت وسائل إعلام فرنسية أن روندا تقوم بمباحثات متقدمة مع تركيا للحصول على 12 طائرة مسيرة من طراز بيرقدار تي بي 2، وذلك بعد أشهر من شراء روندا تجهيزات دفاعية تركية بقيمة 15.9 مليون دولار لم يكشف عن تفاصيلها، وبعد أسابيع من لقاء جميع وزيري خارجية البلدين في أنقرة جرى خلاله توقيع عدد من الاتفاقيات بين الجانبين.
التوجهات المالية والرواندية الجديدة تعتبر الأحدث في التوجه القوي والمتسارع لعدد كبير من الدول الإفريقية بتنويع الحلفاء وموردي الأسلحة بعد أن بقيت فرنسا المحتكر التقليدي للأسواق الإفريقية بمجالاتها المختلفة وأبرزها سوق الأسلحة والاتفاقيات الدفاعية وهو ما يغضب باريس التي تكبدت خسائر كبيرة في السنوات الأخيرة اقتصادياً ودفاعياً وسياسياً، لكنها تشكل في محصلتها خسائر استراتيجية متزايدة في معقل نفوذ فرنسا التاريخي بالقارة السمراء أمام تزايد نفوذ قوى دولية مختلفة من بينها تركيا.
وفي استراتيجيتها لتعزيز نفوذها في القارة السمراء، تقدم تركيا نفسها على أنها دولة مسلمة وأقرب للشعوب الإفريقية من فرنسا وتعتمد في علاقاتها على التحالف وليس “عقلية المستعمر والفوقية” وترتكز في علاقاتها الاقتصادية على مبدأ “رابح رابح” وليس مبدأ “نهب الثروات”، وتستغل ما ترى أنها صحوة إفريقية ورفض قاطع لـ”سياسات الاستعمار الفرنسية والهيمنة الأمريكية” وهي مرتكزات أساسية أتاحت لتركيا تعزيز نفوذها بشكل متزايد في القارة الذي بدأ عبر تعزيز نشاط المؤسسات الخيرية والإنسانية والمنح التعليمية وصولاً للنفوذ السياسي المتصاعد.
ويتفاخر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه أكثر زعيم في العالم زار القارة السمراء، ورفعت تركيا عدد سفاراتها وقنصلياتها في إفريقيا من 12 في عام 2009 إلى 43 سفارة في الوقت الراهن أكبرها في الصومال، وتخطط لنشر سفاراتها على كامل القارة في المدى المتوسط والطويل، فيما يوجد في أنقرة سفارات لـ33 دولة إفريقية، كما تسير الخطوط الجوية التركية رحلاتها عبر 50 مساراً نحو القارة. وخلال 15 عاماً من العمل المتواصل، تمكنت تركيا من رفع حجم التبادل التجاري مع الدول الإفريقية من قرابة 5 مليار دولار إلى قرابة 25 مليار دولار، وسط خطط لرفع هذا الرقم إلى أكثر من 100 مليار دولار على المدى المتوسط، وأكثر من ذلك على المدى البعيد.
وكنتيجة طبيعية لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية بدأ التعاون بين تركيا والدول الإفريقية يتعزز بشكل لافت في السنوات الأخيرة في مجال الصناعات الدفاعية، فقبل مالي وروندا، باتت اثيوبيا أحد أبرز مشتري الأسلحة التركية باتفاقيات مختلفة لشراء أسلحة وذخائر وعربات مدرعة وسط أنباء عن إمكانية اقتنائها مسيرات تركية هجومية متقدمة.
وعلى الرغم من أن الكثير من الاتفاقيات الدفاعية وعقود بيع الأسلحة تبقى طي الكتمان ولا يعلن عنها بشكل رسمي، إلا أن الكثير من التسريبات تشير إلى أن المغرب عقد صفقات أسلحة مختلفة مع تركيا مؤخراً ومنها ما تضمن عربات مصفحة ومنظومات كورال للتشويش الإلكتروني وسط أنباء متضاربة عن تسلم المغرب فعلياً طائرات بيرقدار المسيرة.
وفي شمال إفريقيا، لم تكن المغرب الوحيدة التي حصلت على أسلحة تركية، حيث اشترت تونس طائرات العنقاء التركية المسيرة بعد سلسلة صفقات حصلت من خلالها على مدرعات وذخائر تركية مختلفة. ومع التنامي المتسارع للعلاقات بين تركيا والجزائر يتوقع أن تتجه الأخيرة للحصول على أسلحة تركية قريباً أيضاً.
وسبق أيضاً أن حصلت حكومة الوفاق في ليبيا على أسلحة تركية مختلفة في إطار اتفاق التعاون العسكري الموقع بين البلدين أبرزها طائرات بيرقدار الهجومية المسيرة وغيرها الكثير من الأسلحة والذخائر، حيث باتت طرابلس بوابة مهمة لتركيا نحو إفريقيا، إلى جانب ذلك تعتبر تركيا من أبرز موردي الأسلحة للجيش الصومال الذي بات يعتمد بشكل شبه كامل على التدريب والأسلحة التركية وهو ما يجري عليه الحال بالنسبة لقوات حكومة الوفاق في ليبيا.
ومؤخراً وقعت الحكومة الكينية على اتفاق لشراء نحو 120 مركبة مدرعة تركية من طراز “خضر”، فيما تعلن الشركات التركية لا سيما المتخصصة في صناعة المدرعات العسكرية عن صفقات متتالية لتصدير مئات العربات المدرعة لدول إفريقية تمتنع عن ذكر اسمها بناء على رغبة الدول المشتركة، وقالت بعض التقارير إن أوغندا ورواندا من بين هذه الدول، كما جرى التوقيع على اتفاقيات عسكرية منفصلة بين تركيا وتشاد والنيجر بشكل منفصل يتوقع أن تمهد للتوقيع على بيع أسلحة تركية لهذه الدول.