صافي ناز كاظم: «تلابيب الكتابة»

حجم الخط
1

صافي ناز كاظم صفحة من تاريخ مصر الثقافي المعاصر ليس من السهل أن تُطوى لأنها حافلة بكثير من العلامات الفارقة التي انطوت على مظاهر العطاء والتميز والالتزام والمقاومة، والتي لم يكن ممكناً أن تخلو أيضاً من تناقض الانحيازات أو تكاملها في آن معاً. لقد كتبت نقداً مسرحياً جسوراً متميزاً بعد دراسة أكاديمية في جامعة نيويورك، وعملت في الصحافة، وفُصلت من عملها في دار الهلال بعد صدام مع رجل السلطة يوسف السباعي، وسُجنت مراراً بسبب معارضتها الشجاعة لسياسات أنور السادات، وتزوجت من أحمد فؤاد نجم الشاعر المشاغب المعارض بدوره، وانتهت إلى خيار إسلاموي لم تعتنقه عن تعصّب ودافعت عنه بصلابة.
مبهج، والحال هذه، أن تصدر طبعة جديدة من «تلابيب الكتابة»، عملها المبكر الذي صدرت طبعته الأولى سمة 1994 وعكس امتداداً، في ميدان المقالة ذات الموضوعات المفتوحة، لكتابها الأول «رومانتيكيات»، 1970. مؤلفاتها الأخرى عديدة، بينها يوميات بغداد» عن سنوات عملها في جامعة المستنصرية بعد إبعادها عن مصر، و«الخديعة الناصرية»، و«الحقيقة وغسيل المخ»، و«مسرح المسرحيين»، و«عن الحب والحرية»، وتاكسي الكلام»، و«صنعة لطافة».
هنا فقرات من مقال يحمل عنوان كتاب «تلابيب الكتابة»:
لا أذكر متى بدأت الكتابة، دائماً بيدي قلم، حتى قبل أن أعي الحروف أمسكت بقلم وسطرت خطوطاً حلزونية واقتنعت أنني كتبت خطاباً، ونفّذت إصراري ليأخذوني، أُلقي به في صندوق البريد بنفسي لأتأكد من جديَّة التنفيذ. أدركتُ – بعد سنوات كثيرة – متى يمكن أن يكره الكاتب الكتابة، ومتى يعمد إلى الهرب منها، عندما توصد في وجهه الأبواب، وتُغلق النوافذ، وتُسد الدُّروب بالمحاذير، تضحى الكتابة مونولوجاً: حواراً مع الذات لا يُعطي ميلاداً.ف ما إن يكلِّفني أحد بكتابةٍ حتى يدبَّ النُّعاس في أوصالي، وأدفن رأسي في وسادتي القطنية وأُعلن وفاتي، محاولةً الهرب من الحرج من واقعٍ لا يزال البعض غير معترف به: أنني كاتبة صارت تكره الكتابة، كيلت لها اللكمات طويلاً فتكلَّست طاقتها واكتأبت، وقالت: الصمتُ يليق بي.
حين أطمئن إلى استتباب موتي، أستشعر حياةً تعود بي إلى حالة التولُّد السابق للكتابة، فأرفع رأسي وقد بدأ الغزل ينسج خيوطاً أولى، وأجلس، أنهض، أُمسك القلم، أضع الأوراق.
لا تخافي ما زال بإمكانِك ألا تكتبي.
العنوان. البداية، ما زلتِ مالكةً أمرك، في أي لحظة يمكن أن تمزِّقي الأوراق. لكن لا بأس: ها هي الكلمات تتشكَّل وتدفع بعضها البعض. الكتابة تأخذ بتلابيبي، تثأر مني لأنني كنت التي آخذُ بتلابيبها.. وأدقُّ بها فوقَ رؤوس كثيرة!

منشورات الربيع، القاهرة 2022

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية