عارف ابو حاتم
قبل يومين فقط من بدء موعد الدعاية الانتخابية للانتخابات الرئاسية في اليمن، كان الرئيس صالح يشارك رسمياً في حفل تخرج دفعة جديدة من طلبة جامعة الإيمان الدينية الأهلية، في حين كان منافسه الأقوي بن شملان يقوم بزيارة رسمية للسفارة الأمريكية بصنعاء، كمؤشر قوي علي بدء تبادل الأدوار بين الرجلين، في وقت توقفت فيه العفويات، وبدأ لكل شيء حسابه الخاص. صالح ـ كأي زعيم عربي ـ حليف قوي لأمريكا، وسبق للإدارة الأمريكية أن أشادت بشخصه، وبنظام حكمه، أكثر من مرة، وتعتبره شريكاً هاماً في مكافحة الإرهاب، وهذا التحالف لم يمنع صالح يوماً من التقارب مع الإسلاميين واعتبارهم اليد الأقوي لنظام حكمه. فبعد تولي صالح الحكم في (17) تموز (يوليو) 1978م بعام واحد، استخدم الرئيس الأمريكي جيمي كارتر صلاحيته الدستورية لأول مرة، وأمر بشحن كمية أسلحة لليمن الشمالي (الرأسمالي)، لمواجهة نظيرتها الجنوبية (الشيوعية)، في الاحتراب الداخلي علي حدود الشطرين، إلا أن الأسلحة الأمريكية لم تكن بمنأي عن الأيدي الإسلامية القريبة جداً من الرئيس صالح. وظل هذا التحالف وثيقا ومضطردا حتي إعلان الوحدة اليمنية في 22 ايار (مايو) 1990م، وعودة الشيخ الزنداني من مقر إقامته (مكة المكرمة)، ليكون أول المعترضين علي دستور دولة الوحدة الذي ينص علي أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي لجميع القوانين والتشريعات، وهذا برأي تيار الزنداني مبدأ علماني، ومع ذلك تمت الوحدة، ورأي الإسلاميون أن صالح أقرب إليهم من الاشتراكيين القادمين من الشطر الجنوبي، ذي التوجه الماركسي، فوقفوا مع صالح في أزمة 1993م، ثم في معركة (حرب الردة والانفصال) في صيف 1994م، حفاظاً علي بقاء وحدة الوطن، وقطفوا أولي ثمار هذه المواقف مبكراً، بتعديل النص الدستوري الأول بـ الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد، عوضاً عن المصدر الرئيسي، ثم تقديم فاتورة المشاركة بتوظيف وتجنيد الآلاف من اتباعهم، وتشكيل حكومة ثنائية المؤتمر والإصلاح، التي ظلت حتي قبيل الانتخابيات النيابة في نيسان/ إبريل 1997م، حيث انسحب حزب التجمع اليمني للإصلاح من السلطة، ليكون حزباً إسلامياً معارضاً، معتدلاً في الفكر والمنهج، مع وجود تيارين آخرين فيه، الأول قبلي يمثله رئيس الحزب الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، الرئيس الحالي للبرلمان، وتيار سلفي أصولي يمثله الشيخ عبد المجيد الزنداني رئيس اللجنة المركزية لحزب الإصلاح، رئيس جامعة الإيمان.
ومع ارتفاع صوت وتيرة الإصلاحات السياسية والوطنية، كان حزب الإصلاح قد أعلن مع خمسة أحزاب أخري تشكيل تجمع سياسي للمعارضة اليمنية، سمي بـ أحزب اللقاء المشترك، وبهذا الإعلان دخل الإصلاح في مواجهة مباشرة مع الرئيس صالح. وظل تكتل المشترك متماسكاً مجمعاً علي رأي واحد، رغم وجود الحزب الاشتراكي اليساري، والناصري والبعث القوميين، والحق والقوي الشعبية ذي التوجه الديني الطائفي.
وفي الـ26 من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي أعلنت أحزاب المشترك عن مبادرة الإصلاح السياسي والوطني الشامل وقدمت فيها رؤيتها للخروج بالبلاد إلي مستقبلٍ أفضل، ووضع حد لما أسمته بحاكمية الفرد.
وفي الثاني من تموز (يوليو) الماضي أعلنت أحزاب المشترك الخمسة بعد خروج البعث، عن اختيار وزير النفط والبرلماني السابق المهندس فيصل بن شملان مرشحاً لها للانتخابات الرئاسية، وهو شخصية مستقلة، ذو ميول إسلامية أخوان مسلمين، واختار المشترك شعاراً رئاسياً له رئيس من أجل اليمن، لا يمن من أجل الرئيس.
وما بين إعلان بن شملان مرشحاً للرئاسة، وحتي الـ(23) من آب /أغسطس الموعد المحدد لبدء الدعاية الانتخابية، جرت مياه كثيراً، جرفت معها سيلاً من الظنون والتكهنات، حول نية المشترك ـ خصوصاً الإصلاح ـ من مواجهة حليفه الاستراتيجي الرئيس صالح، ولا يستطع أحد الجزم بمعرفة الهدف من المنافسة، والاحتمالات المطروحة لا تشفي غليل السؤال:
فمن احتمال أن يبرم المشترك صفقة سياسية مع صالح، يتنازل فيها المشترك لصالح عن حقه في المنافسة، مقابل تلبية الأخير لعدد من المطالب، أهمها تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كافة الطيف السياسي، وإعادة مقرات الحزب الاشتراكي المصادرة، وإزاحة بعض الوجوه عن الساحة السياسية، إلي احتمال آخر يتنازل فيه المشترك عن المنافسة، مقابل ضمانات دستورية أهمها تقليص صلاحيات الرئيس صالح، وتحجيم دور مؤسسة الرئاسة. إلي احتمال ثالث بمطالبة صالح بالاستقالة عن رئاسة حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، وانتخابه مرشحاً مستقلاً، وهو ما يعني دخول المؤتمر حالة موت سريري، وإلغاء ملف التوريث الذي لم يفتح أصلاً. مع وجود احتمال أخير، وقوي، وهو أن حزب الإصلاح الإسلامي أراد الاستفادة فعلياً، مما جري في تركيا ومصر من تقارب كبير بين الإسلاميين والغرب، وما حصدوه من نتائج في الانتخابات، فقرر تشكيل تكتل معارض بقيادته، للانقضاض علي السلطة، بعد أن ظل يتغلغل داخل المؤسسات الرسمية لسنوات طويلة، خاصة المؤسسات التعليمية، والدينية، والعسكرية، والأمنية، ومحاولته ضم شخصيات اعتبارية إلي قيادته العليا، ففي مؤتمر الإصلاح الثالث المنعقد في كانون الأول (ديسمبر) 2002م، أقر ضم ثلاث شخصيات إلي أمانته العامة ( المكتب السياسي)، وهم العلامة محمد بن إسماعيل العمراني ( ابرز علماء اليمن)، ومحفوظ بن شماخ (رجل اعمال)، وغالب الأجدع (زعيم قبلي)، وهذا مثال دال علي حيوية الإصلاح في تنويع قياداته العليا.
يعد الشيخ عبدالله الأحمر ذا نفوذ قبلي واسع في اليمن، وأقوي حلفاء الجارة المملكة العربية السعودية، إضافة إلي كونه رئيساً للبرلمان، ورئيساً لحزب الإصلاح الإسلامي، أكبر أحزاب المعارضة اليمنية، وغيابه في السعودية للعلاج لأكثر من ثمانية أشهر، لا يمكن أن يغلق أبواب الاحتمالات، والأسئلة، حول موقفه مما يجري علي الساحة اليمنية، فعلاقة الشيخ الأحمر بالرئيس صالح ظلت توصف علي مدي عقود ثلاثة بالقوية، والحميمة، لاعتبارين: الأول: أن كلا الرجلين من قبيلة (حاشد)، والآخر أن كليهما يعرف الحجم الحقيقي للآخر، وأن طغت علي السطح بعض المنغصات السياسية، إلا أنهما سرعان ما يتجاوزانها. واللافت للمراقب عن كثب أن غياب الشيخ الأحمر في السعودية، مكن نجله البرلمان ورجل الأعمال (حميد)، من توجيه انتقادات قوية للمؤتمر الحاكم، والرئيس صالح، ووقوفه علانية في صف المرشح المنافس (بن شملان)، داعماً، وممولاً، ومسخراً لنفوذه القبلي في خدمته، وهو ما يفسر ظهور شائعة سياسية مفادها: وعد من المرشح الرئاسي (بن شملان) بتعيين حميد الأحمر نائباً له في حال فوزه في الانتخابات الرئاسية. مكوث الشيخ الأحمر في السعودية طوال هذه الفترة، حتي وإن أدلي ـ مؤخراً ـ بتصريحات يؤكد فيها أنه لن يبدل قناعته بترشيح صالح، إلا أنه يعتبر ذلك رأيا شخصيا غير ملزم لأحد، بمن في ذلك نجله حميد، وهذا ما يفتح شهية الأسئلة: هل هو راضٍ عن المواقف السياسية لنجله حميد، وهل يؤيد المشترك في منافسة صالح، ومدي قناعته بشخصية المرشح بن شملان، وما موقفه من مهاجمة الرئيس صالح شخصياً، وهل تصريحات حميد جاءت بضوءٍ أخضر من أبيه ليملأ الولد ـ من الآن ـ فراغ الساحة السياسية الذي سيتركه رحيل الأب، وهل بقاء الشيخ الأحمر في السعودية للعلاج، أم للبحث عن الدعم السياسي لمرشح المشترك، أم صوماً واعتكافاً سياسياً عما تمر به البلاد؟
وأياً تنوعت الأسئلة، وتداخلت الإجابات فيجب التأكيد علي أن (حميد الأحمر) يتقدم في الساحة اليمنية بقوة كبيرة: سياسياً، واجتماعياً، وتجارياً. قبيل بدء موعد الدعاية للانتخابات الرئاسية بيومين فقط، توجه الرئيس صالح إلي مقر جامعة الإيمان الدينية الأهلية التي يترأسها الشيخ الزنداني، الذي تعتبره وزارة الخزانة الأمريكية ممولا للإرهاب، وطلبت من مجلس الأمن في الـ(24) من شباط/فبراير 2004م ادراج أسمه ضمن قائمة بشخصيات ومؤسسات متهمة بتمويل الإرهاب في العالم.
شارك صالح في حفل تخرج الدفع الرابعة والخامسة والسادسة من الجامعة، وزيادة علي ذلك ألقي كلمة نفي فيها المزاعم الغربية القائلة بأن الجامعة مصدر للإرهاب، ووصف ذلك بأنه (زيف ودعايات تقف وراءها قوي مأزومة، ومهزومة، مما جعل طلاب الجامعة في زاوية الخوف)، ولم يكن هذا التصرف بالغريب علي الرئيس صالح، فهو من وضع حجر الأساس للجامعة في مطلع العام 1995م، ورعايته للعلم والعلماء، وحفظة القرآن الكريم، ومراكز التأهيل الديني لم تتوقف يوماً. وفي القراءة السياسية لزيارة صالح لجامعة الإيمان، هي محاولة لشق التيار الديني المتشدد في حزب الإصلاح عن بقية قيادته السياسية، فهذا التيار الذي يتزعمه الشيخ الزنداني رئيس الجامعة، ورئيس مجلس الشوري (اللجنة المركزية) لحزب الإصلاح، له نفوذ واسع، وتثبيطه أو تحييده عن العمل لصالح مرشح المشترك، مكسب كبير بحد ذاته، فضلاً عن العمل للرئيس صالح، خاصة في ظل امتناع الشيخ الزنداني عن حضور كافة الفعاليات المتعلقة بمرشح المشترك (بن شملان)، وقوله السابق أن طعنة أصابت ظهره من محمد قحطان رئيس الدائرة السياسية للإصلاح، والناطق باسم المشترك، بسبب تصريحات للأخير تتعلق بطلب الولايات المتحدة تجميد أرصدة الشيخ الزنداني. زيارة صالح لجامعة الإيمان، ودعمها مادياً ومعنوياً، ولقاءه بالشيخ الزنداني، تسببت بانزعاج شديد لسفارة واشنطن بصنعاء، ـ ولا استبعد أن يكون للإصلاح يد في ذلك ـ تماماً مثلما أزعج الإدارة الأمريكية مواقف صالح القومية، تجاه القضية الفلسطينية، وحماس، وحزب الله، والتي يؤكد مراراً بأن صداقة بلاده بأمريكا لا يمكن أن تكون علي حساب مواقفها القومية والدينية. وقبل زيارة صالح لجامعة الإيمان الدينية بيومين، أي في الـ(19) من آب/ أغسطس الماضي، كان مرشح المشترك المهندس فيصل بن شملان علي موعدٍ عند العاشرة صباحاً مع سفير الولايات المتحدة الأمريكية، بصنعاء السيد توماس كراجكسي، ورغم أن الموقع الرسمي لحزب الإصلاح قال إن اللقاء تم في مكتب بن شملان، إلا أن الموقع الإخباري لذات الحزب قال إن اللقاء كان في مقر السفارة الأمريكية، وهو اللقاء الثاني بعد لقاء تم في ذات اليوم الذي حصل فيه بن شملان علي تزكية البرلمان كمرشح رئاسي في الـ(24) تموز/ يوليو الماضي، واللافت في اللقاءين أنهما جاءا بطلبٍ من سفارة واشنطن. التقارب الحميم بين أحزاب المشترك ومرشحها الرئاسي مع سفارة واشنطن، سبقه تصريحات للسفارة الأمريكية، تأمل فيه بإجراء انتخابات حرة ونزيهة، دون أي تهديدات، في إشارة إلي توعد صالح لشخصيات ـ لم يسمها ـ في قيادة المشترك بفتح ملفاتها، وهذا ما يعزز شكوك السلطة تجاه هذه التقارب، وخوفها من استثمار (المشترك) للحظة الغضب الأمريكية في تعزيز موقفها من الانتخابات الرئاسية، خاصة مع تواتر أخبار عن وعد (بن شملان) للسفارة بتسليم الشيخ الزنداني لواشنطن، في حال فوزه برئاسة الجمهورية، وهو ما نفاه (شملان)، وذكّر الناخبين بمن سمح للطائرة الأمريكية بقتل خمسة مواطنين يمنيين في صحراء مأرب شرق اليمن في الـ(3) تشرين الثاني/ نوفمبر 2002م. هذا المؤشر الدال علي تبادل الأدوار بين صالح وبن شملان، تبعه تطور آخر، فحزب الإصلاح الإسلامي المعارض، عرف عنه شدة حبه للعمل الديني الطوعي، وهو من يوكل إليه جمع التبرعات، وشحذ الهمم، لصالح القضايا الدينية سواء المحلية أو الدولية الإسلامية، إلا أن الحرب الإسرائيلية الأخيرة علي لبنان كشفت عن تطور آخر، فلم يقم الإصلاح بجمع أي تبرعات، كما لم يشارك في مسيرة التنديد بالعدوان الإسرائيلي بصفه رسمية، إنما بحضور بعض من قواعده، في حين تصدي صالح لمثل هكذا مواقف، وأعلن موقف اليمن الداعم للقضيتين اللبنانية والفلسطينية، وقام المؤتمر الحاكم بجمع التبرعات المادية والعينية، لأشقائهم في لبنان وفلسطين، واستقبل صالح رسمياً وفد المنظمة العربية لمناهضة الإرهاب ودعم المقاومة.
وزاد صالح في اختراقه لمكامن نفوذ حزب الإصلاح الإسلامي، بأن حضر حفلاً لرعاية تخرج ألف حافظٍ للقرآن الكريم، في وقتٍ غاب فيه كل قيادات الإصلاح والمشترك. وعندما دشن الرئيس صالح أول مهرجاناته الانتخابية من محافظة صعدة في الـ (30) آب / أغسطس الماضي، بالإفراج عن جماعة الحوثيين (ذوي ولاء شيعي)، وإطلاق سراحهم، ويدهم، أثار بذلك مخاوف الرياض وواشنطن، خاصة في ظل ظروف دولية غير مواتية، ووجود يدين تحاولان السيطرة علي الخليج النفطي (سياسياً)، الأولي أمريكية قابضة، والأخري إيرانية منازعة، ومهددة.
ورسالة صالح في تدشين أول مهرجاناته من صعدة (شمال اليمن)، التي دارت فيها حرب الأشهر الثلاثة بين الدولة، وجماعة المتمردين الحوثيين، قبل عامين هي انه لا يزال يحظي بشعبية واسعة، وتواجد كبير، لدي أبناء المحافظة، التي طحنت رحي الحرب بعضا من أبنائها، وقد كان له ما أراد، فمهرجان صالح دشن بحضور عشرات الآلاف من أبناء صعدة ذات الكثافة السكانية البسيطة.
ويرسم المشهد العام من احتدام المنافسة بين صالح وبن شملان، صورة أخري لتبادل الأدوار، ويمكن أن تكون هنا صورة لتقابل الأدوار، فمرشح المشترك بن شملان بدأ باختراق المحافظات اليمنية الشمالية ذات النفوذ القبلي، خاصة محافظة (عمران)، معقل قبيلة (حاشد)، التي ينتمي إليها كل من الرئيس صالح والشيخ الأحمر، بمساندة قوية من نجل الأخير، وفي مقابل ذلك تمكن الرئيس صالح من كسب عدد من علماء الدين من تياري السلفية، والصوفية، وبدأ بعض منهم يتحدث عن تحريم منافسة ولي الأمر. هذا الاختراق الذي يكسبه صالح يقابله عدد غير قليل من العلماء المنضوين في حزب الإصلاح، والذين لا يترددون في العمل لصالح مرشح اللقاء المشترك.