فاطمة السورية: كان جثمانه يتجوّل بين القرى، يشير إلى العابرين علّه يهتدي إلى دربٍ يؤدي إلى رأسه! وكانت أمّه تركض مسافات العطش والجوع، تلملم آثار خطواته بأصابعها، وتعجن التراب المندّى بدمه، على هيئة سرج تمتطيه روحه صوب السماء. إلى الجنوب سار جسده من دون رأس ودفنه عابر سبيل.. إلى الشمال سعت أمّه.. وفي مدخل ‘السلميّة’ أشار رجل من أهل البلدة إلى مبنى قريب من دون أن ينبس بكلمة. رفعت رأسها إليه.. سقطت نظرته الحنونة في قلبها، فوقع السرج الترابي من يدها، ذرّته الريح، وصفعت ذراته عظامها.. كتمت صرختها: ‘أين جسده؟’. كانت تتمنّى فقط لو تصل إلى الرأس المعلّق فوق بوابة المستشفى، لتضمّه إلى قلبها، وتصعد معه إلى السماء! حاولت جاهدة أن تصل إلى دمه الذي سال على الجدار لعلّها تشمّ فيه ريح البنفسج وريحان الحقول. همست: ‘والله ما منعتك من الخروج إلاّ خوفاً من هذا.. لكنّ الله يرى، الله يرى يا بني، وقد كنتَ على حق، استودعتك عند من لا تضيع ودائعه’. أدارت ظهرها لمدخل المستشفى، وسارت بحثاً عن جسده! أسماء بنت أبي بكر: وقيل إنّ عبد الله ابن الزبير دخل على أمّه أسماء بنت أبي بكر، وسألها: ‘كيف تجدينك؟’. فقالت: ‘وجعة’. قال: ‘إنّ في الموتِ لعافية’. قالت: ‘لعلّك تشتهي موتي، فلا تفعل’. وضحكت، ثمّ قالت ‘والله ما أشتهي أن أموت حتّى يأتي عليّ أحدُ طرفيك، إمّا أن تقتل فأحتسبك شهيداً، وإمّا أن تظفر فتقرّ عيني’. ولما قتلَ الحجاجُ ابنَ الزبير، صلبه.. وأرسل إلى أمّه كي تأتيه، فرفضت. فأرسل إليها: ‘لتأتين أو لأبعثن من يسحبك بقرونك’. فأرسلت إليه: ‘والله لا آتيك حتّى تبعث إليّ من يسحبني بقروني’. فجاء الحجاج إليها، وقال: ‘كيف رأيتني صنعتُ بعبد الله؟’. قالت: ‘رأيتك أفسدتَ عليه دنياه، وأفسد عليكَ آخرتك’. فانصرف الحجاج عنها مغتاظاً. وقيل.. إنّ الحجاج أراد أن يحرق قلب أسماء، فعاد إليها قائلاً: ‘إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن الله أذاقه من عذاب أليم’. قالت: ‘كذبت، كان بارّاً بوالديه، صوّاماً قوّاماً. ولكن قد أخبرنا رسول الله أنّه سيخرج من ثقيف كذّابان، الآخر منهما شرٌ من الأوّل’ وقد عنت الحجاج بذلك. ثمّ إنّها تقلّبت على مواجعها، واشتاقت لريح عبد الله، فاقتربت من المسجد مكان صلبه. وقالت: ‘أما آن لهذا الفارس أن يترجّل’. فجاءها ابن عمر وقال لها: ‘إنّ هذه الجثث ليست بشيء، وإنّما الأرواح عند الله، فاتقي الله، وعليك بالصبر’. فقالت: ‘وما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل’. عرّافة الجبل أم داوود: في الثمانينات أخذوا أبا داود إلى سجن تدمر، هناك استشهد تحت التعذيب، وترك وراءه خمسة أطفال.. أمّهم عرّافة الفطرة المجبولة بشموخ جبل الزاوية وتاريخه. لم تتخرج من جامعة، ولم تحمل شهادة دكتوراه، ولم تحضر مؤتمراً واحداً من مؤتمرات نساء سوريا صانعات السلام. لكنّها خرّجت جيلين من الأبطال، أولادها وأحفادها.. قدّمت منهم خمسة فداء الوطن، والباقي ما يزالون على خطوط النار. حين جرّوها إلى فرع التحقيق في إدلب، قالت للمحقق: نحن لا نخاف إلا من خالقنا، أولادي إذا قتلوا شهداء عند ربّهم. أصلحوا يصلحكم الله. حين أحضروا ولدها الخامس شهيداً، قالت بحرقة: سلّم لي على الأبطال يا مقلة عيني، وقل لهم يزوروني بالمنام! اشتقت لهم كتير.. لا تنسى تسلّم عليهم.. الله معك.. الله معك. في بداية الثورة، وقفت على تلة قريبة من الشارع العام، كانت توقف السيارات العابرة، وتوزع الحلوى وهي تصيح: ‘الشعب يريد إسقاط النظام. أنا من سرجة، أنا أمّ الشهيد!’ أخت الرجال وليس أمّهم فقط: لم تكن شقيقة الثائر ‘أبو عدلا’ الوحيدة التي تحمل الطعام إلى الثوار في وادي ترعان قرب قرية سرجة، فقد نذرت خديجة – وهي فتاة يتيمة، استشهد أهلها جميعاً في يوم النزوح الأكبر بسبب القصف الفرنسي – نفسها لمداوة الجرحى ونقل الماء والطعام. جاء في روايتي جبل السماق: ‘ الطريق وعر لا يتسع للحمير والبغال، الزحف المرّ يتواصل، الأشواك طرية تمرّ على الأجساد، خيوط من الدم تخلّف وراءها! اللحم الممزق، قطرات الدم اليابسة، شواهد عطر لقبور تنفتح عن أرواح صلبة. ويستمر القتال، توحشٌ يقابله تصميم على البقاء، وكلا الطرفين يحاول إبادة الآخر في معركة غير متكافئة! شعر نجيب بحركة خفيفة بين الأغصان، كتم أنفاسه وأمسك بيد عبد الحميد، سمعا صوت لهاث، وقامة نحيلة تحاول الوصول متخفية. وضع نجيب يده على سلاحه، واستعدّ حين لمح وجه خديجة يضيء عتمة الشير، احتدّ قائلاً: ‘كدت تقضين على نفسك، ما الذي أتى بك؟’. قالت بلهفة: ‘الطعام والماء والذخيرة’. ابتسم عبد الحميد: ‘أخت الرجال’. خفّت حدة نجيب: ‘لكنك تعرضين نفسك للخطر، الرصاص يحيط بنا من كلِّ جانب’. لم يدرك نجيب مدى الألم وعمق الجرح الذي سببه للفتاة بقوله.. أدارت الغصة رأسه جانباً، هذه الفتاة الشجاعة التي تأتي دائماً من دون لثام، لا تخشى عسكر الفرنسيين، ولا تهتم لمصيرها، أليست أحقّ منهم بقيادة المعركة؟ حاول أن يجد عبارة يعتذر لها بها، لكنّه فشل. أنقذ عبد الحميد الموقف: ‘لن نشكرك يا أختي أنت واحدة منا، وقمت بواجبك’. دمعت عيناها وهي تنسحب رافضة تغطيتها بإشارة من يدها: ‘أنا أعرف الطريق جيداً، وسرجة ليست بعيدة، ابقيا، أريد سماع خبر انتصاركم’. مرقت كنسمة دافئة بين الأشجار تاركة نجيب في حالة من الذهول، أسقط سلاحه وهو يحدق في نقطةٍ غير مرئية. قلبه نبض بنبوءة مشؤومة مع سماعه رشقات رصاص عنيفة. جسر دير الزور أم عبود: كما الجسر المعلّق على أكتاف التاريخ، رمزاً لدير الزور، صارت أمّ عبود.. أمّ الشهداء السبعة. فقدت ثلاثة من أبنائها في دقيقة واحدة وهم يقاتلون.. كانت عيناها ترقب انهمار الرصاص على السطح وهي تلهج بالدعاء! باسم وبسام وفايز. لم يمهلها الزمن لتفرح برؤية عبد الرحمن حرّاً خارج سجن صيدنايا، فقد جاءها خبر استشهاده تحت التعذيب. قالت في وداعه: ‘الموت حق، كما الحياة. الحمد لله’. بعد أشهرٍ ثلاثة.. لحق عبود بأخوته بعد أن قاد مجموعة من الثوار في خط الخابور ‘دير الزور الحسكة’.. فقالت: ‘طلبت من الله أن يستشهدوا، لا أريد أن يعتقلوهم ويعذبوهم’. وبعد عشرة أيام.. ودّعت ‘فيصل وفواز’ وهي تقول: ‘الحمد الله الذي منّ عليّ بشهادتهم’. لم تستطع قوات النظام السوري كسرها بقتل أولادها.. بل ازدادت صلابة وإيماناً، ووجهت كلمة لأمهات الشهداء: ‘اصبرن، فقد أعزكنّ الله باستشهادهم. فمن أحبّه الله لا يهمه كراهية البشر’. تماضر بنت عمرو السلمية: الخنساء ‘كما لقّبها العرب’ ملأت سيرتها الكتب، وشبّهت بها كلّ أمّ صابرة، وهي شاعرة جاهلية، أدركت الإسلام، وجلّ شعرها في رثاء أخيها صخر. وقد خرجت يوم القادسية مع أبنائها الأربعة ‘عمرة، وعمرو، معاوية، ويزيد’. وقبل بدء القتال أوصتهم ‘يا بني لقد أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو، إنّكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم… فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها، وجعلت ناراً على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة’. وعندما دارت المعركة استشهد أولادها الأربعة واحداً بعد واحد. وحينما بلغ الخنساء خبر مقتل أبنائها الأربعة قالت: ‘الحمد لله الذي شرّفني باستشهادهم، وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته’. شرشف قصب ومطرّز بحريّة: البداية كانت من حوران، ونيسان يطرّز السهول بالأقحوان، والأمهات يزيّنّها بدحنون يرشح من دم أولادهن.. ‘أم تامر، أم حمزة، أم طارق’ أمّهات منحن الثورة أغلى ما يملكن، ضوء العين ومهجة القلب.. لكنّ الأمّ الأكثر حضوراً هي ‘أم الثوار’ لقب نالته سيدة حورانية، كانت تطبخ الطعام للثوار، وتحمل أكياس الدواء للمستشفيات وتقوم بمداوة الجرحى، وتؤوي في بيتها الثوار.. أمّهم أمُّ حوران اعتقلها النظام السوري، واستشهد ابنها حمزة محمد الحريري، ثمّ لحقه أخوه عبد الله ‘قاهر الدبابات’ في رمضان، وعندما عاد زوجها من لبنان بعد سنة من اعتقالها، قبضوا عليه، ثمّ وجد جثمانه قريباً من فرع المخابرات الجوية. أمّ الثوار ضحّت بكلِّ ما تملك، حتّى حريّتها! هؤلاء النسوة هنّ صانعات التاريخ، يحملنه في أحشائهن، يرعينه مضغة، فعلقةً، فجنيناً، فطفلاً، فشاباً، ثمّ يقدّمنه على مذبح الحريّة، وهنّ يخطن أكفانه بدموعهن! روائية وكاتبة من سورية