“قرّرت وزارة الثقافة الروسية طرح مناقصة إقامة مهرجان خاص بالسينما الروسية في سوريا خلال العام الحالي”! صيغة جديدة وغير مألوفة لفعالية ثقافية في البلد الذي يعاني من احتلال عدد من القوى الأجنبية، من بينها روسيا وإيران.
روسيا، وقبلها الاتحاد السوفياتي الراحل، حاضرة في المشهد السوري بشكل استثنائي، لغة وأدباً وأفلاماً سينمائية، بل وجمعيات من بينها ما يعنى بخريجي روسيا من السوريين، من دون أن ننسى “علاقات المصاهرة” الكثيرة جداً الناشئة بحكم العلاقات التاريخية.
يبدو أن الاحتلال الروسي قرّر أن يدير شؤونه بنفسه، بعد أن فقد الثقة برؤساء المخافر المحليين.
الفيلم السينمائي كان حاضراً على الدوام، من دون قرار من “الباب العالي” بطرح مناقصة. فالأمر كان يتم عبر علاقات ثقافية اعتيادية مع وزارة الثقافة، التي نحسب أنها لا تقصّر في حجز موقع لأصدقاء البلد في كل فعالياتها.
في الصيغة الجديدة ما هو مريب فعلاً، إذ يبدو أن الاحتلال قرّر أن يدير شؤونه بنفسه، بعد أن فقد الثقة برؤساء المخافر المحليين.
عن الآباء والأبناء
الظاهر أن نجل الفنان صباح فخري أراد أن يكرّم أباه عبر فيديو كليب/أغنية حملت العنوان “لعيونك”. في كلماتها تتوجه الأغنية إلى أبو حمود (وهذا هو، على ما يبدو، الاسم الشعبي للفنان الكبير، ونتعرّفه هنا للمرة الأولى): “يا بو حمود، كرمى لعيونك هالسود، راح نسهر ونغني، قدود الحلبية، نغم وطرب”.
لكنه تكريم من دون أي تعب، حتى على مستوى القافية لم يتعب كاتبها نفسه بصيد جديد، فكانت كلها من الحواضر (حلب، طرب، طلب، دهب، انسكب، أدب).
تكريم من دون أي تعب، حتى على مستوى القافية لم يتعب كاتب الكلمات نفسه بصيد جديد، فكانت كلها من الحواضر (حلب، طرب، طلب، دهب، انسكب، أدب).
دعك من الكلمات، ومن شريط الفيديو، وحتى من الموسيقى واللحن (وهو هنا حقاً لا شيء يذكر)، فأول ما تبحث عنه في أغنية هو صوت المغني، هذا الذي لن يخفى، حتى لو دندن أي كلام. أما كليب “لعيونك” فلا يفعل شيئاً سوى أن يذكّرك في كل لحظة بالفارق بين موهبة وصوت الفنان صباح فخري الأسطوريتين، وموهبة نجله الضحلة. تذكّرك الأغنية بكل لحظة بمسيرة هذا الفنان الشاب، الذي درس الموسيقى، على يد أبيه أولاً، ثم في المعهد العالي للموسيقا، وله حفلات وألبومات وإطلالات إعلامية، لكن من دون الوصول إلى لحن أو أغنية يستحقان التوقف. هذا قبل أن تصبح مهنته في السنوات الأخيرة الاستثمار الصريح باسم أبيه ورصيده الهائل عند الجمهور.
إنه موهبة يصعب حتى تزويرها وتمويهها. ليس هناك أوضح من هذا الصوت الذي يصرخ عالياً “فالج لا تعالج”.
لا مناص من التسليم، بأن المواهب الكبيرة لا آباء لها، ولا أبناء، بيولوجياً على الأقل.
علينا أن نسلّم، بأن راية التوريث واردة فقط في دكان في سوق البزورية (خلف الجامع الأموي في دمشق). لا تصلح الراية لا في السياسة، ولا في الفن كذلك. لقد حاول ممثل بزجّ كل إخوته، وأبنائه، في عالم التمثيل، نَشَرَهم في كافة أنحاء الدراما السورية، كما فعل مخرجون تلفزيونيون بتوريث مواقعهم لأبنائهم، وكذلك الممثلون وهم يفرّخون أبناءً كتّاب سيناريو ومخرجين، لكن في النهاية لا ابنة الكاتب المسرحي استطاعت أن تحتل مكانة أبيها، ولا ابن الشاعر، ولا حفيده، حتى لو بات وزيراً للثقافة، ولا أبناء المفكر، ولا ابنة شقيق الأديب الكبير كانت بمستواه، ولا نجل السينمائي استطاع أن يكون بمثل حضوره، وكذلك ولا قبيلة السينمائي برمتها.
لا مناص من التسليم، بأن المواهب الكبيرة لا آباء لها، ولا أبناء، بيولوجياً على الأقل. هذا إذا كانت كبيرة بالطبع.
أكلناها
لم يكن ينقص برنامج “أكلناها” مع الممثل السوري باسم ياخور إلا أن يستضيف زميله أيمن رضا ليقال “اكتمل النقل بالزعرور”، وليصل مستوى البرنامج إلى أبعد قاع من الانحطاط، حيث لا الكلام كلام، ولا الغناء (باعتبار أيمن رضا قد جاء مع عوده وأغانيه)، حتى ولا الضحك بإمكانه أن يسلي أو يضحك أحداً.
هنا فقط بإمكانك أن تسمع وصفاً لسميرة توفيق بأنها “تبع العساكر”، تذكيراً بنكتة قديمة وشارعية لا يمكن أن تكون شاشة العائلة مكانها، وفقط في برنامج مثل “أكلناها” يمكنك أن تسمع كلاماً هابطاً يستحيل ذكره مرة أخرى.
لغةٌ إذا وقعتْ
تداولت مواقع التواصل الاجتماعي فيديو للمذيعة السودانية إسراء عادل، التي قدمت البرنامج الاحتفالي لتوقيع الإعلان الدستوري بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى المعارضة، والذي جاء تحت عنوان “فرح السودان”، باعتبار المذيعة قد خطفت الأضواء في ذلك الحفل التاريخي.
وبالفعل، فمنذ الأيام الأولى لثورة السودان استطاعت المرأة السودانية أن تحجز مكانها، بصورة مميزة، بشالها الأبيض، وطريقة ارتدائه، بوقفتها وشجاعتها وغنائها الخاص.
لكن مذيعة الحفل، أخطأت في عبارتها الأولى حين قالت: “فرحٌ اكتملتْ مراسمَه..”، فالصحيح “مراسمُه”، لأنها فاعل، و”الفاعل أبداً مرفوع”. وفي عبارتها التالية قالت: “لحظاتٌ تخط حروفها صفحات الغد الزاهر والمستقبل الأخضر، قمحاً ووعداً وتمنٍ”، فلعلها في الكلمة الأخيرة تقصد “تمنياً”.
هذا عدا عن لغة الإنشاء المستهلكة، كما هو واضح، ما نأمل أن تكون أول ما يتجاوزه السودان الجديد.
كاتب فلسطيني سوري
https://www.youtube.com/watch?v=Wyd_2A0yTkA