صبحية طفلة فلسطينية من مدينة غزة عندما تراها للمرة الأولى تفكر أن خروجها من بيتها في ساعات الليل الأولى لكي تشترى الدفتر والقلم أو يكون لعائلتها حاجة ما من أحد المحلات التجارية، ولكن عندما يتكرر مشهد مرورها أمام عينيك ينشغل بالك قليلا وبعد ثواني قليلة من التفكير تقول مالي وشأنها ومن ثم تذهب.
هذه المرة اخترت لنفسي زاوية قريبة من منطقة ما يعرف بالسرايا أو مركز تجمع الأجهزة الأمنية وسط مدينة غزة راقبت ثم راقبت حتى بدأت أتلمس خيوط قصة هذه الطفلة.
وجدتها تركض خلف كل سيارة تقف على الإشارة الضوئية عند مفترق السرايا وتمسك في كلتا يديها بعض احتياجات المارة لتبيعها لهم وما أن تشاهدك تلح عليك ببراءتها حتى ربما تجعلك تنزع بعضا من الشواكل من جيبك لتعطيها لها من دون أن تأخذ مقابلها أي حاجة، وفي بعض الأحيان يكون الشخص الذي تلتقي به قد مل من طول وقت دوامه بالعمل الشاق وما أن تمسك به هذه الطفلة حتى يسمعها كلاما هي تقول يجرح كرامتها وهذا لا يهمها كثيرا ولا أقصد لا يهمها الكرامة.. هي لا تهمها هذه الكلمات البذيئة لأنها اعتقدت منذ البداية أنها لم تأت إلى مكان يسمعها ما يشفي صدرها أو لم تفكر أنها في مكان سيحميها أو يعطف عليها ويضمها بحنان الأبوة أو الأمومة المفقودة لدى طفلتنا صبحية.
زميل صحافي كان برفقتي قال لي ان هذه الطفلة لها وضعها الخاص تأتي كل يوم من الساعة الرابعة مساء إلى الساعة العاشرة ليلا هي وعدد من أشقائها الصغار تبيع العلكة والبزر على المارة لتحصل على بعض النقود ولا أدري لمن هي تذهب أي النقود.
أكمل زميلي حديثه قائلا بالأمس وجدت شقيق صبحية الأكبر والذي يبيع معها يشبعها ضربا ولم يشفق عليها من هذا الذل المرير الذي ألم بها منذ فترة طويلة.
وحينها سكت زميلي.. اختلست نظراتي ومن ثم توجهت لمكان وجودها أمسكت يدها طلبت منها أن تتحدث قلت لها من أنت حاولت ابتزاز لسانها أعطيتها بعض النقود حتى أشعرها بالأمان واسلب منها كلاما يشفي غليلي من وجودها كل ليلة على هذه الإشارة وبدأت وبخجل تسرد قصتها تقول ‘انها تبلغ من العمر 11 عاما في الصف الخامس الابتدائي تسكن أحد أحياء مدينة غزة الكبيرة، وما أن ينتهي دوامها الدراسي حتى تسرع إلى البيت وتجهز نفسها على الروتين اليومي ومن دون أن تهتم بمنظرها تمسك بعض الحاجيات وتنطلق مسرعة إلى موقف السيارات لتبيع ومن ثم تعود إلى منزلها بقليل من النقود وبكثير من التعب والألم والذل، ولكنها كما تقول تكابر رغم وعيها ورغم رفضها لهذا الذل ولكن هناك من يجلس بالبيت ويتوعدها كل لحظة أن تذهب لتبيع وتأتي بالنقود هذا الشخص ‘والدها’ والذي كما تقول يوزع أبناءه على كل مفترقات المدينة ليبيعوا بعض الحاجيات.
وما أن سكتت لحظة حتى تجمهر عدد من الأطفال بجوارها هذا الكلام تقريبا كان الساعة الثامنة مساء سألتها من هؤلاء؟ قالت أخوتي وكلهم يبيعون هنا وما هي إلا لحظات حتى بدأت أصواتهم تصوب تجاهي.. من أنت ولماذا تتكلم معنا كنت متأكدا من طرح هذا السؤال لأن صبحية وأشقاءها الأربعة المنتشرين بالقرب من المفترق أصحاب مستويات جيدة بالمدرسة أي بالتأكيد سيكون عندهم بعض الاستفسارات عن وجودي معهم.
تعرفت على أسمائهم جميعا ولكن للأسف لم أتعرف على اسم العائلة لأن هناك قرارا من والدهم أن لا يتكلموا مع أحد وأن لا يذكروا اسم عائلتهم وعندما سألتهم عن السبب قالوا بصراحة حتى ‘لا توهم الناس فينا’ ومن ثم قالت آلاء الشقيقة الأصغر من صبحية أحنا مش وحدنا هي أمي كمان بتبيع معنا وأكيد بتعرفوها ضحكت قليلا وقلت لهم هل الحاجة والفقر أخرجكم في هذا الساعات الظلماء أم…. وبصوت خافت قالت صبحية طبعا الحاجة ولكن مش يعني أحنا فقراء ننذل ونذل أنفسنا كل يوم.
وبصوت خافت قالت هيك بابا تعود علينا وهو قاعد بالبيت وهاد مش من اليوم وأختي هلا بالجامعة سنة ثانية وكانت وهي صغيرة تبيع هنا، ضحكت مرة آخرى وودعت الأطفال الأربعة الذين شعرت بوجودي معهم بعلاقة الشفقة وفي نفس اللحظة تمنيت من صبحية وأخواتها البنات اللواتي يعملن معها وكذلك أمها أن لا يعودوا إلى هذا المكان وأن تهتم بالمدرسة فقالت بصوت خافت ياريت أقدر وما أجي هون بالمرة بس ما بقدر وبابتسامة ودعتهم بعد أن ثقل القلم وامتلأت الوريقات بالكلام.
هذا المشهد احتل حيزا من تفكيري طيلة سفري بالسيارة من مدينة غزة مكان عملي حتى وصولي البيت بمدينة خانيونس حاولت ان أتعمق بتفاصيل المشهد ولكن لم يسعفني الوقت وبقي السؤال مطروحا لنفسي ولكل صاحب ضمير هل وصل الحال لهذا الحال؟ ومن المسؤول؟
أحمد قديح – غزة