صبري مدلل في حوار قبل رحيله: جنون العاشق ليس معناه أن يطق عقله!

حجم الخط
0

صبري مدلل في حوار قبل رحيله: جنون العاشق ليس معناه أن يطق عقله!

أنور محمدصبري مدلل في حوار قبل رحيله: جنون العاشق ليس معناه أن يطق عقله!حلب ـ القدس العربي ليس لأنه الشيخ المغني، بل لأنه الشاب الحكيم صبري المدلل والذي لم أكن اعرف أنّ جذعه إنما يميل لأنّ الحياة بكل قوتها تستند عليه. في هذا الحوار ندخل إلي قلبه، نحاول أن نهزه فلا يهتز، بل يصير أكثر قوة وأكثر شباباً. لماذا اخترت الغناء ولم تختر التأليف الموسيقي، الروائي، كتابة الشعر؟ وهل المسألة (بكيفي)، هذه منة من الله. أنا سأقول لك شيئاً مهماً: في صغري كنت أعرف أنّ صوتي إذا لم يسعد الناس فسيقتلني، وأنا لماذا أخلي صوتي يجيب لي الموت، خاصة وأني حينها لم أكن أفكر أن أكون مطرباً… بل كنت أسعي لأن أكون مؤذناً. في حلب إذا رجعت إلي الوراء مئة سنة، ستجد أنه شرف كبير للرجل أن يكون مؤذناً بدل أن يكون مغنياً أو ممثلاً، (خصوصي) وأنّ أبي رحمه الله حرص علي تلقيني علوم الدين في مجالس العلم، بحلب، ولقد ازداد إصراري علي الاحتفال بصوتي عندما سمعت من احد رجال العلم أنّ النبي محمد صلي الله عليه وسلم قال: (حسنوا القرآن بأصواتكم فإنّ الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً). لكن والدك كان ضدّ أن تصير مطرباً، حتي أنك عندما كنت تغني في إذاعة حلب غيرت اسمك إلي (صبري أحمد) خوفاً من غضبه؟ والدي لم يكن ضد صوتي عندما أؤذن أو اقرأ القرآن، بل كان هذا يسعده وكان يفاخر به، لكن أولاد الحلال من الموسيقيين والملحنين والذين كنت أعتز بهم (وبرأي والدي) خربوا عليه مشروعه (شركوا) له الولد صبري، فثار عليّ ومنعني من الغناء. وهل تصالحت مع أبيك؟ (أبوي)؟ بقي عند رأيه الذي يعتبر أنّ الغناء حرام، أنا لم (أجاكره) علناً. صعب أن يتحدي الولد أباه فهذا عقوق، لكنني حاولت قدر الإمكان إرضاءه، كنت أكذب عليه حتي لا (أشيل) غضبه. هل عشت قصة حب، هل دق قلبك زيادة وسمعت صوت دقاته؟ أنا لا أستطيع أن أعيش إلا بدقات قلب إضافية، دقات قلبي العادية لا تكفيني، لأنني دائماً في حالة حب. (شلون) الواحد بيعــيش بدون ما يحب؟ أنا عندما أقف علي المسرح لأغني أتصور أنّ المرأة التي (أعشقها) تسمعني. عنتر كان (يروح) إلي الحرب، وعبلة، ثغر عبلة، فمها الذي يقبلها منه كان يلمع علي السيف، وكان يود أن يقبل كل السيوف (لاحظ: كل السيوف) وليس السيف الذي يتقاتل به مع خصمه، لأنه ذكره بعبلة. عنتر كان يروح إلي الحرب وقلب عبلة في قبضة يده. أين (عبلاك) يا شيخ صبري؟ وهل نعتبرها وراء نجاحك، خصوصاً وأنك تتحدث بانفعال كأنني جرحتك؟ أنت لم تجرحني، كل واحد منا عنده عبلة، وبلا عبلة ما (بنساوي) شي، أنت وين عبلاك….؟ يا شيخ صبري، عبلاي موجودة لكنها عندما تلتقي بي تقول لي: يا أستاذ .. معني هذا أنها لم تتحول إلي عبلة، إذا لم تقل لك: (أموت فيك وريتك تقبرني) معني هذا أنّ كل واحد منكما لا يزال يخجل من الآخر. الحب ما بدو خجل. وبعدين ما لازم يكون فيه كلفة، لأنّ الذي يحب يتحوّل إلي مجنون، والمجنون رفع عنه القلم، سبحانه وتعالي ما بيحاسبو. متي (ما شفت) حالك صرت مجنون، وهي صارت مجنونة، لحظتها تكتشفان بعقلكما الجديد أنكما فعلاً صرتما عاشقين مثلي ومثل عنتر والزير، لا… الزير لم يحب وقلبه كان قاسياً. هل جننت أنت؟ طبعاً، و إلا لما كنت صرت صبري مدلل. بس جنون العاشق ليس معناه أن يطق عقله. هل لزكريا أحمد تأثير عليك؟ أكيد، وأنا أحب ألحانه كثيراً، فهو عملاق من عمالقة الموسيقي العربية. ومحمد عبد الوهاب؟ أستاذنا: هو موسيقار كبير. بالنسبة لتجربة الرحابنة هل استفادوا من الموشح والقد الحلبي؟ هذا أكيد، بالنسبة للرحابنة استفادوا كثيراً من الموسيقي الحلبية والسورية عموماً. لماذا لم تغن ِ لهم؟ ألحانهم لا تناسب صوتي. لكنك تقول انهم استفادوا من الموسيقي السورية؟ ألحانهم خفيفة علي صوتي، صوتي يتحمل أثقالاً وأثقالاً، إذا غنيت لهم فسيبدو صوتي كأنه مبحوح، وكأنّ الذي يغني ليس صبري مدلل. هذا يعني أنه ليس كل لحن يناسب صوتك؟ أكيد. في حلب كانت هناك مجموعة كبيرة من المغنين والملحنين، هل تتذكر بعضاً منهم؟ أوه.. (ابن حلال) كيف لا أتذكر؟ كان في حلب أصوات قلّ أن تتكرّر: علي عبد الجليل، محمد خيري، أبو كامل النصار، اسعد سالم. ولقد وهبهم الله من حلاوة الصوت ما يخليك (تسكر، تسلطن) وخاصة صوت علي عبد الجليل (رحمه الله).. كنت أحسدهم علي ما حباهم الله من عذوبة في أصواتهم. هل درسوا الموسيقي والغناء في مدارس أو معاهد؟ منين يا حسرتي، نحن في حلب، وخاصة منذ خمسين سنة وأنت راجع إلي الوراء، لم يكن عندنا مدارس تعلم الموسيقي. كان الواحد يتعلم (لحالو) وكان كل المهتمين بالغناء يتعاونون مع بعضهم. لقد كان الموسيقيون والمغنون يجتمعون بشكلٍ يومي، أو كل يومين أو ثلاثة أيام في بيت واحد ٍ منهم، ويتدارسون جملة أو لحناً أو نغمة خاصة في بيت الشيخ علي الدرويش، ومن ثمّ في بيت ابنه الشيخ نديم الدرويش. أنت علي يد من في حلب درست الغناء؟ بكل فخر ٍ، وهذا شرف ٌ كبيرٌ لي، أنا تعلمت أصول الغناء علي يد معلمي وأستاذي الشيخ عمر البطش رحمه الله، هو ساواني صبري المدلل. تبدو عنيفاً في غنائك، وأنت تشدو تذكرني بأسلوب الشيخ زكريا أحمد وهو يغني. هو فعلاً يبدو الأمر كذلك، تحس أنني معصب، وبالتالي صوتي فيه نبرة عنيفة، لكن هذا يعود لانفعالي بالكلمة وباللحن، وبمدي تحسسي، ومن ثم (سلطنتي)، أنا ومن كثرة انسجامي مع اللحن، أحياناً بل كثيراً لا أحس إلا علي صوت اكف الناس وهي تصفق لي، لحظتها فقط أتذكر أنني كنت أغني. هذا يعني أنك تغني من (قحف راسك ومن جوات قلبك)؟ مئة بالمئة، وربما أكثر. المطرب كلما غمق في غنائه، اقترب من وجدان الناس. هل تعتبر أنّ غناءك تعبير عن الحس الشعبي، عن الضمير الشعبي؟ بالتأكيد، هذا الضمير كلما فشل في قصة حب أو هزم في معركة، علي المغني أو الشاعر أن يرد له ثقته بنفسه ويحفزه علي الحب وعلي الحرب. هل هذه مهمة المغني؟ ليست مهمة بقدر ما هي ضرورة ـ واقع ـ لماذا نجتمع في المسرح، لماذا يدفع الواحد ثمن التذكرة، هل ليستمع إلي صوت المطرب (بس)؟ المغني (أولي) كانوا يسمونه شاعراً وكان يدق علي الربابة. كان يضبط الحزن والفرح بإيقاع موسيقي مفرد بصوته وربابته، ودون فرق موسيقية. وكان بمقدوره أن يكف عن الغناء والعزف بنغمة حزينة فيتركهم حزاني، أو بنغمة فرحة فيتركهم يذهبون فرحين… دور المغني في قومه، بين بني قومه كدور الشاعر أو الزعيم الوطني. كنا نتوحد عندما كانت تغني أم كلثوم كل يوم خميس في مطلع كل شهر في الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن اللي خلص. كنا نجتمع حول الراديو نستمع إليها وهي تشدو، كأننا نجتمع علي نصر أو في أقل الأحوال علي عرس. يوم كانت تغني أغنيتها الشهرية كان يوماً يعرّس فيه العرب. بدك تسألني وين كنت يا صبري مدلل، عينك حامية عليّ؟ أنا سأجيبك : الله يرحم هديك الأيام. أم كلثوم أعطت وأخذت في وقتها، وأنا كذلك أعطيت وأخذت في وقتي، لكن الذي (ساوته) أم كلثوم لا أنا ولا غيري يمكن أن يساويه، صعب (هلق) مطرب يقدر يوحد العرب. هل أنت معجب بها إلي هذا الحد؟ طبعاً. أم كلثوم ما قصرت، (ولعبت) ـ مو بمعني اللعب واللهو- لعبت دورها التاريخي، صوتها كان ثروة العرب، وهي لم تبخل، كانت كريمة، صوتها خدم (كيفنا) وخدم (معركتنا) القومية مع اليهود. هي وظفته، أغانيها بعد هزيمة 1967 رفعت معنويات الشعب العربي كثيراً، كنت أتمني أن ألعب مثل هذا الدور لكن للأسف لم استطع. ليس تقصيراً، الجو لم يسمح. تبدو حزيناً وأنت تتكلم عن أم كلثوم؟ وليش لأ؟ مواقف أم كلثوم فيها رجولة وفروسية ونبالة وكرم، ما عدا القيمة الفنية التاريخية لصوتها. أم كلثوم (بتسوي) مليون زلمة وأكثر، كانت رمزاً للعظمة والشموخ العربي خاصة عندما تقف علي المسرح وهي تغني، فرجيني مطربة في العالم مثلها. هل هناك مطرب أو مطربة غيرها كان لهم مثل هذا الدور؟ أكيد كان هناك مطربون مهمون، مثل ما ذكرت من (شوي) محمد عبد الوهاب وأيضاً عبد الحليم حافظ. عبد الحليم كان (كتير) يحبو عبد الناصر، وغني أغاني قومية (كويسة) بعد حزيران… ثم إنّ صوته من أجمل الأصوات. شيخ صبري… ذاكرتك ألا تخونك؟ بيني وبينك تخونني، الكبر عبر، بس ما رايح أخليك تشمت فيني، الكبر عبر والشباب لسه ما ولّي. إذاً لا يزال عندك وقت للحب؟ وليش لأ؟؟ طيب، لو ظهرت الآن امرأة في حياتك وأحببتما بعضكما، هل تجن…؟ وكم تستعيد، تسترجع من عمرك؟ بصراحة بصراحة.. يمكن ارجع ابن عشرين.ـ ملاحظة: اجري هذا الحوار قبل فترة من رحيل الفنان الكبير قبل اربعين يوما.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية