كنت أتابع ما يكتبه من مقالات ودراسات في الفكر والثقافة، كنت أراه صوتا مختلفا وليس بوقا لأحد، فهو لا يضع الحافر على الحافر، على رأي أبي الطيب اللغوي (351ه) بل هو يختط طريقا خاصا، على الرغم من الظروف التي كانت سائدة وقتذاك، وجدت نفسي أمام مفكر وباحث يقدم قراءة استبطانية لقضايا فكرية ومعرفية من نوع جديد، مغاير ومختلف، وإنه يُقْدِم على مناقشة آراء وتطلعات عجز آخرون عن الاقتراب منها، بَلْهَ الخوض فيها والكتابة عنها، فجاء صبري مصطفى البياتي لِيَلِجَ بقارئه في عوالم معرفية جديدة، وما دراساته عن (البراغماتية) و(العرب والتحديات المعاصرة) و(العرب وقرن جديد) و(الفلسفة والعلم) ودراسات أُخَر إلا البرهان على ما أوردت.
لمست فرحه وحبوره وهو يقرأ ما كتبته عنه إيمان أحمد، مناقشة دراسته (الفلسفة والعلم) في مقالته المنشورة في جريدة «الثورة» يوم الخميس 18 مارس/ آذار 1999، كما استشعرت أسفه وأساه، لأنه كتب عديد الدراسات ونشرها في الصحف والمجلات، من غير أن تحظى بوقفة أو مناقشة أو تعقيب أو حتى رد! بل زاد من أساه أن عدداً من زملائه نصحوه بترك الكتابة في هذه الموضوعات الفكرية، التي لا تحفل بها إلا النخبة، ولأنها ليست مما تحظى باهتمام القارئ الاعتيادي، وكأننا موكلون بمثل هذا القارئ ونكتب له فقط.
ويوم تولت المؤسسة العربية الدولية في عمان عاصمة الأردن، نشر الطبعة الأولى من كتابه الأول والأخير (العروبة بين هوية الإسلام ومستلزمات الانبعاث) سنة 2001، الذي حظي باهتمام القراء الجادين والباحثين عز نظيره، ما أدى إلى أن يزيد أصحاب المكتبات في عمان سعره لكثرة الطلب عليه، علق صديقي القاص والروائي عبد الستار البيضاني، الذي كان يحرر وقتذاك الصفحة الثقافية لجريدة «العراق» المحتجبة الآن، في زاويته الأسبوعية (مصافحة) قائلا: إن جميع فصول هذا الكتاب سبق أن نشرت في الصحف العراقية، ولعل أهم الأسئلة، لماذا لم نطلع على هذه المقالات عند نشرها في صحفنا؟ البيضاني يؤكد أنه أول المعنيين بهذا السؤال، ومن ثم لماذا لم تستوقفنا عند الاطلاع عليها؟ هذا السؤال يثير سؤالاً آخر هو هل أننا لا ننظر إلى ما ينشر في الصحف إلا ضمن اليومي، الذي توحي به الصحف اليومية؟ ويضيف إن تعاملنا مع الصحف اليومية على أنها لا تتضمن سوى اليومي يفوّت علينا الشيء الكثير من الآراء والأفكار الجديدة. (هوامش على كتاب جريدة «العراق» 20 إبريل/نيسان 2002).
اغتيال البياتي
ولأنني لم أحظ بنسخة من كتابه اليتيم ذاك، وحتى مع توفر وسائل الاتصال الحديثة، لذا لم يبق لدي سوى قراءة ما ظللت محتفظا به من دراساته ، ولعل ما زاد أساي أنه اتصل بي ربيع سنة 2004، لغرض الالتقاء به في كلية الآداب جامعة بغداد، مقر عمله، إذ أنا لم أتعرف إليه وأحظى بلقائه، لكن الفوضى التي ضربت الحياة العراقية وقتذاك، دفعتني إلى أن أؤجل اللقاء به، حتى صعقني اغتياله ونعيه صيف السنة الموالية 2005. ظللت محتفظاً بعديد دراساته ومنها دراسته (ماذا عن النظريات القومية؟) جريدة «الثورة» 29 ديسمبر/ كانون الأول 1996، التي يؤكد فيها إن الأمم باقية، وإن عصر القوميات لا ينتهي إلا بانتهاء عصر الإنسان، غير أنه يردف قوله بسؤال جريء، لكن ماذا عن النظريات القومية؟ هل يجب أن تبقى كما كانت حتى بعد كل هذه التغيرات في العالم؟ فكل شيء تغير وهذا التغير أسقط عصر النظريات الشاملة، النظريات التي أعتقد أصحابها أنها تصلح لكل زمان ومكان وشعب في العالم، من غير تحوير وتعديل، وإضافة تلائم متطلبات ذلك الزمان، وتوائم بيئة المكان والاستعدادات النفسية لذلك الشعب. وإذ يتحدث عن الهيمنة الإعلامية الغربية ـ الأمريكية تحديداً، ولاسيما في ظل النظام الدولي الجديد، ذي القطب الواحد، بعد انهيار القطب الآخر (الاتحاد السوفييتي)، فإنه يخلص للقول، إن هذه الحقائق تضعنا أمام حقيقة ماثلة، يجب أن تضعها النظريات القومية في الحسبان وهي، أن عصر (الانغلاق القومي) قد انتهى، وإن انفتاح الأمم أصبح حقيقة قائمة، مشيرا إلى أننا أمام هذه الضبابية في الفكر والمفاهيم، أصبح أفراد هذه الأمم يبحثون عن تعاريف جديدة للهوية، هل هي (الأمة)، (الدين)، (الطبقة)، (الجغرافية)، (مصالح اليوم)؟ ليعود من جديد ليؤكد أن ليس العصر؛ عصرنا، عصر أحلام، ففي الأدبيات الثورية يهاجم أصحابها منتقديهم، بأنهم لا يملكون (أحلاما) يسعون إلى تحقيقها، فهم أسيرو الواقع المريض الذي لا يرغبون في الفكاك منه، وظلت هذه الأحلام الثورية، مادة رئيسية في النظريات القومية، لأمم العالم الثالث (كمخططات) للخروج من الحالة المرضية التي تعيش فيها أممها.
النظريات القومية
وإذ يفرغ من مقولة إن عصرنا ليس عصر أحلام يقظة طوباوية يوتوبية، أكد الزمن فشلها، فإنه يطلق مقولة أخرى، إذ لا أبطال أسطوريون في عالم اليوم، ولأن النظريات القومية ظلت تتعامل مع إنسانها بوصفه إنسانا خارق القوى، حتى إذا دخلت هذه الأمم في منازلاتها التاريخية، وجدت أن أكثر ما قالته لم يكن له من الحقيقة شيء، ولعل مرد ذلك يعود إلى أن معظم النظريات القومية، قدمت إلى شعوبها جانبا واحدا من تاريخ عظمائها؛ الجانب القوي الأسطوري، وحجبت عنهم (ضعفهم البشري) والجانب المظلم فيهم، بتأكيدها الجانب المضيء الإيجابي فقط، فأمسوا أمام أبناء أمتهم أساطير تقترب من صورة الآلهة، ولأن هذه النظريات، ظلت تطلق أفكارها البعيدة عن وقائع الحياة، وحولت نفسها إلى أسطورة، فيجب أن تغادر هذه اليوتوبيا الفاجعة، وأن تخطط لشعوب تحيا على الأرض، لا على كواكب لا يشاركها العيش فيها أحد، وأن تكون أكثر واقعية فزمن الأحلام والتمنيات، ولى وطواه الزمان.
ثم يواصل الباحث العراقي الرصين، الذي هوى مبكرا من عليائه وحرم الدارسون من فيض علمه وفكره؛ صبري مصطفى البياتي، كتابة سلسلة من الدراسات تحت عنوان (العقل العربي وتحديات المستقبل) ومنها دراسته العلمية (هل نحتاج إلى البراغماتية؟) جريدة «الثورة» في 4 يونيو/حزيران 1997- وبعد أن يقدم موجزا توضيحيا لهذه الفلسفة الأمريكية، التي بشر بها الفيلسوف بيرس وزاد الفيلسوف جون ديوي -(1859- 1952) من ذيوعها وتألقها، فالبراغماتية الذرائعية ترى أن العالم عبارة عن حقيقة مرنة غير مكتملة، ولما كان العالم غير مكتمل وفي دور التكوين، فلا توجد حقيقة ثابتة، بل أفكار متعددة، أحقها وأجدرها بالاعتناق هي القادرة على إعطاء نتائج نافعة وناجحة في التجربة العملية، وحتى في مسألة الدين، فإنها تقبله على أساس مردوداته العملية والإيجابية للإنسان، ولما كانت البراغماتية ترى أن العالم ما زال في دور التكوين، وإن الحقائق تقاس بمدى نتائجها الإيجابية لصالح الإنسان، فإنها تدعوه إلى أن يؤدي دوراً فاعلا في فعل الخير ويئد الشر.
غياب الآخر
لقد قلت آنفا إن صبري مصطفى البياتي، تعرض لإحباطات شتى من زملائه، الذين كانوا – كما ارى – ينفسون عليه تألقه العلمي وبحوثه الرصينة، إذ يصفه بعضهم – كما يكتب البياتي في دراسته عن البراغماتية – بأنه من دعاة التخلي عما بأيدينا بانتظار الحصول على الأفضل، وضمن هذا الاتهام يدخل ما قاله له أحد زملائه، بعد أن استمع الى إحدى مداخلاته في (بيت الحكمة) إذ قال له: إنك تدعونا إلى رمي العصا التي بأيدينا بانتظار البندقية! فيجيبه: إنني لا أدعو إلى رمي العصا التي بأيدينا، ولكنني أدعو إلى أن نتفق أولا على أن ما في أيدينا عصا، كانت بيد أجدادنا (هراوة) في وقت كانت فيها أيدي الآخرين خالية من كل شيء، ولكنها اليوم لم تعد كافية، بعد أن تسلح الآخرون بالبنادق، وثانيا فإني لا أدعو إلى (انتظار بندقية) فلا أحد سيعطينا بندقية، ولكني أدعو إلى أن نصنع من عصاتنا بندقية، ولكي نفعل ذلك نحتاج إلى التعرف جيدا على ما في أيدينا وإلى الكيفية التي صنع فيها الآخرون بنادقهم!
وفي دراسته (غياب الآخر) ضمن سلسلة دراساته المعنونة (العقل العربي وتحديات المستقبل) – جريدة «الثورة» 14 أغسطس/آب 1997- يناقش المفكر المغربي محمد عابد الجابري (2010) في مقولته الجافية، إن العقل العربي لا يرى لنهضته سبيلا إلا في ظل غياب الآخر، وإذ يعترض البياتي على هذا التعميم المجافي للحقيقة، فإنه يرى أن نضع السؤال على الوجه الآتي: هل يستطيع العقل العربي النهوض في ظل وجود الآخر، لا في ظل غيابه؟ ويعني البياتي هنا بالآخر، التراث، والغرب. وإذ يقدم مفكرنا سجالاً ونقاشاً لمقولة الجابري تلك، فإنه يعرّج إلى أحد المثبطات المحبطات التي يطلقها زملاؤه، تجاهه وتلمس فيها أساه وحزنه، وإذ اتهمه بعض زملائه بعدم الواقعية، فإن آخرين اتهموه بالازدواجية! أما لماذا هذه التهمة؟ فإنهم يرون أن البياتي في كتاباته كمن يهدم البناء الذي بين يديه، ويعود لبنائه من جديد وبطراز مختلف، ولكن باستعمال طابوق البناء القديم نفسه! غير أنه يرى أن مشكلتنا مع الطراز لا مع مادة البناء، فهذا هو الذي يحتاج إلى التغيير الدائم، فالزمن يتغير ومعطياته تتبدل، وهذا التغيير يتطلب التكيّف معه، وذلك لن يحصل بغير (إنتاج عصرنا) بعد تهيئة مستلزماته، أن ننزع القدسية عن سلطة التراث، وننظر إليها بعين فاحصة ناقدة بصيرة، لا تحجبها غشاوة (القدسية المفتعلة)، وكذلك لأن البناء الجديد سيكون أوسع حجما، وأزيد قوة من البناء القديم، فمشكلات اليوم هي أشسع وأعقد من مشكلات الأمس، وأكثر تداخلا وتعقيدا، والتعامل معها يحتاج إلى (عقل) في مستواه.
كاتب عراقي