صحافيون يرفضون «محاكم التفتيش» ونزع فلسطين من قلوبهم

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

خطوة سحب الجائزة تأتي ضمن سلسلة من الملاحقات للصحافيين الفلسطينيين العاملين في المؤسسات الدولية وتحريض من مؤسسات ضغط صهيونية مختصة برقابة الفلسطينيين وملاحقة ما يكتبون وما ينشرون.

رام الله ـ «القدس العربي»: كان من المفترض بالصحافية الفلسطينية شذى حماد أن تصل يوم 25 تشرين الأول/اكتوبر الجاري إلى لندن للمشاركة في حفل تكريمي تقيمه مؤسسة «تومسون رويترز» في 26-27 تشرين الأول/اكتوبر. الأخيرة اتصلت على الصحافية حماد وأبلغتها بالفوز بجائزة «كورت شورك» في شهر أيلول/سبتمبر الماضي عن فئة الصحافي المحلي لعام 2022 بناء على تقييم ثلاثة مقالات نُشرت على موقع «ميدل إيست آي».
استعدت الصحافية للسفر لكن شيئا ما حصل معها وغير كل ترتيبات السفر وقلب كل معاني الفوز وعكر صفو الفرحة لا من أجل مبلغ الجائزة الزهيد مقارنة مع جوائز أخرى لكن لكون الجائزة تكريما لها على جهودها الصحافية الفلسطينية.
لقد سحبت الوكالة «المرموقة» رويترز الجائزة بعد جهود مؤسسة الضغط الصهيونية «HonestReporting» المتخصصة بمراقبة الإعلام الدولي وخاصة الصحافيين الفلسطينيين العاملين فيه، والتحريض عليهم.
اتهمت حماد بنشر مقال تحريضي تبعته حملة تشهير وتحريض على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة تويتر، طالبت بسحب الجائزة منها، والمفارقة أنه وبعد أقل من يوم على شن الهجمة التحريضية ضد حماد كما تقول، صدر قرار سحب الجائزة.

نزع فلسطين

تقول حماد: «لم أخسر بسحبهم الجائزة، فلطالما فزت بما هو أعظم في كل مرة نزلت بها إلى ميدان العمل، اكتسبت الحب والثقة، اكتسبت البيوت التي كانت تفتح أبوابها لي في كل مرة، اكتسبت حضن الناس وفنجان القهوة، اكتسبت اتصالاً يطمئن علي إذ وصلت بيتي بعد رحلة طويلة».
وتابعت: «لم يكن هدفي الجوائز يوماً، ولم أعمل على مقال صحافي بغرض الحصول على تقديرٍ دوليّ، لقد عملت دوماً بمهنية عالية، لم أُسلم أي مادة صحافية إلا وقد استوفت شروطها المهنية، وذلك وفاء للإنسان الفلسطيني وصوته ومعاناته. وهو ما أسعى إليه وأفتخر دوماً بنقله، بانحيازٍ كامل لشعبي، وقضيتي، ولفلسطين».
وأضافت أن ما جرى معها هو جزء من حملات مستمرة تُشن على الصحافي الفلسطيني العامل في الإعلام الدولي، بهدف عزله عن العالم ومنعه من نقل قضيته وصوت شعبه. وهو ما أدى بفعل الحملات التحريضية إلى فقدان الكثير من الصحافيين الفلسطينيين عملهم.
وأضافت: «اليوم سحبت مني هذه الجائزة، وقبلي زملاء فقدوا وظائف عملوا فيها لسنوات».
وتابعت في منشور على صفحتها الخاصة على فيسبوك: «أكتب اليوم عما عايشته في الأيام الماضية، لتكون شهادة أخرى على ما يدفعه الفلسطينيّ ثمناً لانتمائه لقضيته وأهله، شهادة أنّ الفلسطينيّ مستهدفٌ أينما وكيفما كان؛ صحافيّاً، وطالباً، وطفلاً، ومقاوماً أو عابر سبيل.. في الميدان نواجه الرصاص كما تلقته قبل شهورٍ شهيدتنا شيرين أبو عاقلة، وفي منصات العالم نواجه حصاراً وعنفاً ضد لغتنا وهويتنا وانتمائنا هدفه إقصاء فلسطين منّا».
وختمت: «وعنّي أقول: يُمكن أن تنزعوا مني كلّ الجوائز، لكن أبداً لن تنزعوا فلسطين».
في المقابل أطلق صحافيون فلسطينيون مستقلون من مختلف الأطياف ووسائل العمل الإعلامي بيانا من أجل التوقيع وجاء فيه ما يشبه مرافعة فلسطينية جيدة تدين سياسات «محاكم التفتيش» التي تقوم بها مؤسسات إعلامية غربية بضغط صهيوني.
بيان الصحافيين المخصص لإسناد بعضهم البعض، وللتعبير عن موقف موحد على ضوء ملاحقة زملاء صحافيين منهم حسام سالم، وفادي حنونة، وسليمان حجي الذين فصلوا من عملهم من صحيفة «نيويورك تايمز» وعشرات الصحافيين الذين فصلوا من أعمالهم أو عوقبوا لكونهم ينتمون إلى فلسطين.
واعتبر البيان المعنون «لا لمحاكم التفتيش» أن خطوة سحب الجائزة تأتي ضمن سلسلة من الملاحقات للصحافيين الفلسطينيين العاملين في المؤسسات الدولية وتحريض من مؤسسات ضغط صهيونية مختصة برقابة الفلسطينيين وملاحقة ما يكتبون وما ينشرون.
ورأى البيان أن هذه المؤسسات تقوم بدور أجهزة المخابرات الإسرائيلية وتريد أن تحاصر الفلسطيني وتمنعه من الحديث عن القضية الفلسطينية إضافة إلى تحريضها على الصحافيين بمجرد استخدامهم كلمات تشكل جزءا أساسيا ويوميا من المعجم الفلسطيني مثل كلمات: شهيد ومقاومة، في حرب مباشرة على هويتهم الوطنية وتاريخهم وانحيازهم لشعبهم.
ويقوم عمل مؤسسات الرقابة الصهيونية على نبش تاريخ الحسابات الشخصية للصحافيين وملاحقة أي تعبير أو تصريح أو حتى نكتة حتى لو قيلت في طفولة الشخص المستهدف.
وطالب البيان بأن يتم وضع الحد للسلوك المخابراتي من خلال اصطفاف الصحافيين ورفض أي نوع من أنواع الابتزاز.
وشدد البيان أن المسألة لا يجب أن ينظر لها على أنها حالة من الدفاع عن جمل معينة أو تعابير كلامية محددة بل يجب ان ينظر لها على أنها رفض لعملية حشر الصحافيين الفلسطينيين في هذا النوع من التحقيق. فالمسألة حسب البيان تعتبر دفاعا عن حق بسيط ومفاده «ألا يجب أن يمر الصحافي الفلسطيني عبر البوابة الصهيونية للتفتيش خلال سيرنا نحو أي وظيفة أو فعالية في العالم» في ظل أن بوابات التفتيش الصهيونية غير منصوبة أمام الصحافي الإسرائيلي.
وأضاف: «هذا النوع الرقابي معد فقط للطرف الأضعف في الصراع، لذا يجد استجابة سريعة من المؤسسات الدولية للضغط الصهيوني في حالة من التماهي التام مع خطابها ومعاييرها».
بدورها بررت رويترز المؤسسة قرارها بإنه جاء في أعقاب اكتشاف منشور على حساب الصحافية حماد في فيسبوك، يوحي بتأييد أيديولوجية هتلر، في عام 2014 إضافة إلى منشور آخر استخدمت فيه حماد «لغة متطرفة ومعادية للسامية».
ووصفت الوكالة وصندوق كورت شورك التذكاري منشوراتها بـ«خطاب الكراهية» وقالت إنهما اضطرتا لاتخاذ هذه الخطوة «من أجل حماية نزاهة جوائز كورت شورك».
يذكر أنه وقبل أشهر فصلت الدويتشه فيله-القسم العربي 5 صحافيين بحجة بند «معاداة السامية» وذلك بعد تشكيل لجنة خاصة بالتحقيق مع صحافيين فلسطينيين وعرب متهمين بمعاداة السامية وبإنكار الهولوكوست، بعد أن نشر صحافي ألماني مقالا تحت عنوان «معاداة السامية في الدويتشه فيله.. محطة تغض الطرف». حيث شمل قرار الفصل الصحافيين: مرام سالم وفرح مرقة من فلسطين، وداود إبراهيم من لبنان، ومرهف محمود من سوريا، وباسل العريضي من لبنان وهو مدير مكتب دويتشه فيله في بيروت.
وقامت مجموعة من الصحافيين المفصولين في وقت سابق برفع دعاوى على مؤسسة «الدويتشه فيله» في ألمانيا وتمكن أغلبهم من إصدار حكم لصالحهم.

زاوية أخرى

ومن زاوية أخرى يرى الباحث الفلسطيني عز الدين التميمي أن هناك حملة منظمة ضد الصحافيين الفلسطينيين، حملة عنصرية وفاشية. «هذا موثق ولا حاجة للنقاش بشأنه. نحن نعيش هذا الابتزاز والتهديد بشكل يومي. البحث في أرشيفنا صار جزءًا من مسارات مهنية، تتخصص مؤسسات صهيونية بها وتعتاش منها».
ووصف تميمي أن عملية التنقيب الصهيونية تنزع الأشياء من سياقها، وتخدم بطبيعة الحال سياسات إسكات الفلسطينيين ومحو صوتهم.
وتابع: «لكن هذا لا يعني أنه ليس علينا التوقف كثيرًا عند بعض التعليقات التي كتبها صحافيون فلسطينيون وتحديدا تلك التعليقات المؤيدة لواحدة من أسوأ الجرائم في التاريخ الإنساني التي لا تليق بنا، ولا بتاريخ طويل من النضال من أجل العدالة والحرية».
وختم أن من يتحدث باسم المأساة الفلسطينية يجب ألا يقع في مثل هذه الهفوات، وإن وقع فلا بد أن يعتذر. الاعتذار واجب، والتأمل في هذه الأخطاء ضرورة. لا يمكن التسامح بأي شكل من الأشكال مع مثل هذه الكوارث. فهم سياسات الإقصاء الممنهجة ضد الفلسطينيين، لا يجب أن يجعلنا نستهتر بمثل هذه التعليقات».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية