لندن ـ «القدس العربي»: طرح سقوط مدينة الموصل، عاصمة الشمال العراقية وثاني أكبر المدن فيه في أيدي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) أسئلة حول قدرة الحكومة العراقية بزعامة نوري المالكي على مواجهة التمرد الحاصل في الأنبار منذ أكثر من عام، وقدرة الجيش العراقي الذي تلقى تدريبه على أيدي مدربين أمريكيين على القتال، وموقف إدارة الرئيس باراك أوباما الذي طالما فاخر في حديثه عن سجله الرئاسي بقتله زعيم القاعدة أسامة بن لادن، وسحبه القوات الأمريكية من العراق.
كما وكشف دخول داعش الموصل وسيطرتها بشكل كامل عليها عن قدرة هذا التنظيم الذي يمتد تأثيره من حدود سوريا الشمالية إلى شمال العراق.
وبالتأكيد يطرح انهيار الجيش العراقي في الشمال وسقوط عاصمة اقتصادية في يد داعش أسئلة حول الدور الذي لعبته سياسات المالكي تجاه الحراك السني حيث ظل على مواقفه المتعنتة ومارس سياسته الطائفية حتى انفجر الوضع، وسمح لداعش بتوحيد العراق وسوريا وتحقيق أهدافها بحسب أحد مستشاري المالكي الذي اختلف معه.
من الرقة للموصل
وتسيطر داعش اليوم على مدينة الرقةـ المحافظة السورية الوحيدة التي خرجت من يد النظام، والموصل حيث أطلقت عليها «دولة نينوى».
وترى كاثرين فيليب في تحليل لها بنفس الصحيفة أن «إقطاعية المتطرفين تمتد على 200 ميل». وربطت الكاتبة بين تصريحات المبعوث الدولي الخاص لسوريا الأخضر الإبراهيمي الذي استقال من مهمته الشهر الماضي، حيث حذر في تصريحاته لمجلة ألمانية من مخاطر انهيار الشرق الأوسط إن فشل العالم بالتصدي لنظام بشار الأسد.
ومن ثم فسقوط الموصل والمناطق المحيطة لها آخر دليل على الكيفية التي انتشر فيها الصراع السوري للدول القريبة. وتقول فيليب إن داعش نقلت مركزها من سوريا للعراق مستغلة الوضع الأمني والإضطرابات ورسمت مناطق سيطرتها فيه.
وكانت داعش قد انضمت في البداية للجماعات التي تقاتل نظام الأسد ثم اختلفت معها، وأجبرتها الفصائل السورية المسلحة على الإنسحاب من شمال سوريا للرقة في شمال- شرق البلاد. ومنذ ستة أسابيع تخوض حملة عسكرية واسعة تهدف لإنشاء منطقة نفوذ لها في غرب وشمال العراق وتربطها مع مناطقها السورية.
وتشير فيليب إلى أن داعش تعتبر من أغنى الجماعات المقاتلة وتدفع أعلى الرواتب لمقاتليها وتزودهم بالأسلحة المتقدمة، ولا يعرف عن مصادر دخلها الكثير، ولكنها تقوم بعمليات الخطف وتهريب النفط السوري وتحصل على تبرعات من متعاطفين معها، وحتى قبل إحكام داعش السيطرة عليها ظهرت الموصل كمركز مهم للتمويل وهذا مرتبط بشبكة واسعة تتبتز التجار وأصحاب الأعمال في داخل المدينة، وتجمع داعش شهريا 700.000 جنيه شهريا بهذه الطريقة. وفي كل انتصار عسكري كبير تحصل على سلاح جديد، فقد سيطرت على مطار الموصل حيث مروحيات أمريكية، كما سيطرت على قاعدة غزلاني وأخذت ما فيها من سلاح.
تغيير معادلة الشرق الأوسط
ويرى باتريك كوكبيرن في تحليل نشرته صحيفة «إندبندنت» أن تطور الأحداث في العراق مهم لدرجة أنه سيغير مصير الشرق الأوسط حيث اكتشفت الدول الغربية متأخرة أن جماعات تحمل أيديولوجية القاعدة سيطرت على مناطق شاسعة في شمال سوريا والعراق، ووصف عقيد في الجيش العراقي العملية في الموصل بأنها «انهيار كامل للجيش العراقي»، يضاف إلى هذا سقوط مطار ومراكز للشرطة وسجنين حررت منهما داعش 1200 سجينا. ونقل الكاتب عن محاضر في جامعة الموصل قوله «سقطت الموصل بشكل كامل بيد الإرهابيين والجميع هرب، ونحن نعد أنفسنا للرحيل».
وفي الوقت الذي دعا فيه المالكي البرلمان إعلان حالة الطواريء إلا أن حسا من الخوف والترقب ساد بغداد حيث يخشى أهاليها من احتلال داعش تكريت والتقدم نحو العاصمة. ونقل عن إمراة قولها إن الناس يشترون المواد الغذائية ولا يريدون الخروج للعمل. وقالت إن أقاربها الذين يعيشون في الموصل فروا لشرقها حيث حي الأكراد وتدافع عنها البشميركة. ويقول الكاتب إن الرئيس السابق صدام حسين، عادة ما اختار وزير الدفاع من المنطقة، فما انضم سكانها للجيش بأعداد كبيرة. وبعد الغزو تميزت علاقتها مع بغداد بالإضطراب وسيطر عليها المقاتلون السنة مدة 3 أعوام قبل أن يطلب الأمريكيون من وحدات البيشمركة التابعة لحكومة كردستان الإقليمية.
ويرى الكاتب أن فشل الجيش العراقي في الموصل مثير للدهشة «لا نستطيع مواجهتهم» قال ضابط، مضيفا «لديهم خبرة في قتال الشوارع اما نحن فلم نتدرب، ونريد جيشا كاملا لإخراجهم من الموصل، فهم مثل الأشباح يظهرون في الشوارع ثم يختفون».
وفي تفسيره لقوة داعش يرى الكاتب أن هذا يعود لخبرة وحنكة أبو بكر البغدادي الذي يدير التنظيم منذ عام 2010، وأصبحت أكثر تنظيما وقسوة وبنت وحدة دعاية قوية، وهناك عامل آخر له علاقة بصحوة السنة الذين يتعرضون لتهميش من حكومة بغداد وشعروا بالجرأة بسبب الثورة السورية.
ويقدم كوكبيرن «بروفايل» عن البغدادي الذي يقول إنه خرج من الظل في صيف عام 2010 وبدخول قواته الموصل أصبح أقوى زعيم جهادي في العالم. ويعتقد أن البغدادي لا يقوم وحده بتصميم الإستراتيجية بل ويعتمد على عسكريين ورجال أمن من عهد صدام حسين. ولاحظ مارتن شولوف في صحيفة «الغارديان» تنظيم وسرعة حركة داعش أدهشت زعماء المنطقة، فقد بدأت الحركة تجمع زخما عسكريا في نهاية عام 2012 في سوريا، ورغم خروجها من مناطق في شمال سوريا إلا إن الحركة استطاعت تحديد منطقة تمتد من الباب في شرق حلب للمناطق الخارجة عن سيادة الدولة في شرق سوريا إلى مناطق الأنبار وشمال العراق وبنفس الوقت صعدت داعش من هجماتها وتفجيراتها في العاصمة بغداد.
وأشار شولوف إلى أن المالكي قدم نفسه باعتباره الرجل القادر على الوقوف أمام الجماعات الجهادية لكن قواته لم تكن قادرة على السيطرة على الرمادي والفلوجة التي سيطرت داعش عليهما.
شكوك حول الجيش العراقي
وفي ضوء الأزمة في الموصل طرحت أسئلة نجاعة التدريب الأمريكي للجيش العراقي. وعلقت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» قائلة إن سقوط الموصل يظلل تزايد قوة التمردات الطائفية والمتطرفة في العراق وتلقي ظلالا من الشك حول قدرات الجيش العراقي الذي يلقى تدريبا من الولايات المتحدة.
ونقلت عن تشارلس ليسترـ الزميل الباحث في معهد بروكينغز إن ما حدث يطرح أسئلة حول ما إذا كان على الولايات المتحدة الإستمرار بإرسال المعدات العسكرية للقوات العراقية.
وقال إن المالكي يحث واشنطن على تزويده بالأسلحة المتقدمة لكن مقاتلي داعش شوهدوا وهم يقودون عربات همفي، «ومعظم الأسلحة التي أخذوها من المتوقع أن تكون أمريكية». وأضاف أن الولايات المتحدة ستدرس كيفية التقدم في مجال دعم الجيش العراقي في حربه ضد الإرهاب».
ومن هنا يعتبر خروج الموصل عن سيطرة الحكومة علامة قوية على فشلها ومن المؤكد أنها ستؤدي لتعزيز عمليات التجنيد لداعش، وما بدا وكأنه محاولة فاشلة في نظر الكثير من السنة أصبح قضية مليئة بالأمل. وتقول الصحيفة إن أمريكا أنفقت 14 مليار دولار لتدريب وتجهيز قوات الأمن العراقية.ولكن لماذا انهارت القوات العراقية بهذه الطريقة؟
هروب جماعي
بحسب الشهادات التي جمعتها صحيفة «نيويورك تايمز» من جنود هربوا «الدولة ضعيفة» وهذه «معركة طويلة ولا نهاية لها».
فبعد اشهر من النزاع الطاحن ضد حركة التمرد اصيب الجيش العراقي بداء الهروب مما أدى إلى تفكك الجيش الذي كان يؤمل بتحوله لمؤسسة تعطي التماسك للدولة، حيث يخدم السنة والشيعة فيه، لكن انشقاق السنة يهدد بتعميق الفكرة المنتشرة داخل العراق وهو أن الجيش يخدم كوسيلة لخدمة الشيعة.
وبدا الهروب في أعلى حالاته في الموصل، حيث تركوا وراءهم الأسلحة والعربات بل والزي العسكري، وفي محاولة لوقف تقدم مقاتلي داعش قام الجيش بتفجير قاعدته العسكرية حتى لا تقع في يد العدو. وتظهر الشهادات أن عمليات الهروب من الجي تسارعت حيث ترك ألالاف الجنود مواقعهم في خطوط القتال. وفي الموصل كان الجيش يخسر يوميا 300 جنديا ما بين هارب وقتيل وجريح.
ونقل عن محمد وهو جندي خدم في الرمادي والذي قال إن عمليات الهروب بدأت مع تزايد أعداد القتلى «شعرت أنني أقاتل جيوشا وليس جيشا»، حيث جاءت داعش بموجات وأرسلت انتحاريين ومتفجرات. وقال أن 8 من أصدقائه ماتوا «أنا متعب»، «كل واحد متعب».وحاولت الحكومة التقليل من حجم المشكلة من خلال تسجيل الجنود «مفقودون» وليس «هاربون»، وتحدث المسؤولون عن مشاكل أخرى وهي أن الجنود لم يعودوا من إجازاتهم بسبب إغلاق الطرق.
ونقل عن الجنرال رشيد فليح إن نجاح الجيش بفتح الطرق يعني عودة الجنود لوحداتهم. ومع ذلك فقد أكد معظم الهاربين أن السبب الرئيسي للهرب هو شدة المعارك، وتحدثوا عن تجربة تحطم الأعصاب وهم يحرسون نقاط التفتيش، وما أخافهم أكثر هم القناصة.
وتقدم الشهادات صورة عن حرب الظل الشرسة الدائرة بين داعش والجيش، وقال بعض الجنود إن عائلاتهم رجتهم بترك الجيش، وقال أحدهم إن والدته حرقت زيه في كل مرة كان يأتي فيها لإجازة نظرا لخوفها من القتال.
وفي الوقت الذي يترنح فيه الجيش أصبحت الميليشيات الشيعية تلعب دورا في النزاع مما يؤكد الفكرة الطائفية عن الجيش. ويرى مسؤولون امريكيون نقلت عنهم صحيفة «واشنطن بوست» أنه عندما يبدأ الجيش بالتفكك فلن يتوقف فيما قال آخرون أن داعش ستعزز من مكتسباتها وتتجه جنوبا.
موقف أمريكا
في الوقت الحالي لن تتدخل الولايات المتحدة في الأزمة مع أنها وعدت بدعم الحكومة العراقية. وتفكر إدارة أوباما إرسال مساعدة عاجلة، وتمد الجيش العراقي بصواريخ «هيلفاير» وطائرات بدون طيار (سكان إيغل) وهي جزء من صفقة وقعتها الحكومة الأمريكية مع بغداد بقيمة 15 مليار دولار.
ونقل عن مسؤول عسكري أمريكي قوله إن «المسألة لها علاقة بالمساعدة العاجلة» وعدم السماح للقاعدة الإستمرار بالسيطرة على الموصل.
ولن ترسل الولايات المتحدة جنودا للعراق مع أن فرقا من سي أي إيه تساعد القوات العراقية في حربها الأخيرة.
واعترفت وزارة الدفاع الأمريكية بإرسال قوات خاصة للأردن لمساعدة وتدريب قوات عراقية.
وفي مقال كتبه ديفيد إغناطيوس قال فيه إن سقوط الموصل بيد مقاتلين متشددين «يقرع أجراس الإنذار».
وهذا يدعو الرئيس أوباما كي يوضح للرأي العام الأمريكي الكيفية التي سيقوم من خلالها بكفاح هذا الشر بدون ارتكاب أخطاء الماضي. وطالب الكاتب بتوعية أمريكا حول التهديد المتطرف الجديد لتصحيح سجله اي أوباما الذي انتخب قبل 19 شهرا مرة ثانية لأنه أقنع الأمريكيين بأن سياساته أدت إلى اختفاء أهم عنصر من عناصر تنظيم القاعدة، لكن التنظيم توسع وشن معركة قاتلة.
ويرى إغناطيوس إن رؤية الحزب الجمهوري خاصة من حادثة بنغازي كانت صحيحة، حيث نظر إليها كعلامة على صعود القاعدة والتطرف في الشرق الأوسط.
ومع أن أوباما فهم طبيعة المشكلة في خطابه الأخير الذي ألقاه في الأكاديمية العسكرية «ويست بوينت» عندما قال أن الخطر لم يعد نابعا من مركز القاعدة ولكن من الجماعات والفروع التي خرجت عنها.
ولهذا اقترح صندوقا جديدا لمكافحة الإرهاب ورصد له 5 مليارات دولار أمريكي ومن خلاله يتم تدريب وبناء قدرات الدول الشريكة لأمريكا في هذه الحرب. أفكار جيدة يقول الكاتب ولكن التقدم كان بطيئا.
وتحدث الكاتب عن جهود الإدارة لتطوير استراتيحية جادة في سوريا والتي تشمل على تدريب جيش قادر على حرب العصابات وبإشراف من المخابرات الأمريكية- سي أي إيه، و في الوقت نفسه تقوم القوات الأمريكية الخاصة بتدريب وحدات من الجيش السوري الحر لبناء وحدات تشرف على المناطق المحررة.
وفي حالة مضت الخطة كما هي فمن المؤمل تدريب 9.600 مقاتل بنهاية العام الحالي. ويقول الكاتب إن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام والذي يعمل في البلدين خطير بدرجة تخلى عنه زعيم القاعدة أيمن الظواهري.
وينقل عن مسؤول أمريكي قوله إن التنظيم يقوم بتجنيد مقاتلين من تنظيمات أخرى تابعة للقاعدة من اليمن وحركة الشباب في الصومال.
إبراهيم درويش