لندن ـ ‘القدس العربي’: ما الذي كان يجري في رأس المواطن المصري حول حسني مبارك عندما القى خطابه الاخير واعطى فيه الصلاحيات لنائبه عمر سليمان. فبعد خطابه ليلة الخميس لم يكن امام المتظاهرين الا التعبير عن حالة من الصدمة، فلم يحدث في تاريخ الثورات ان لا يشعر الحاكم المستبد بحالة من الخوف والاهتزاز امام المد الشعبي الذي ارتفع بصوت ‘ارحل.. ارحل’. فبعض المعلقين قالوا ان خطابه الاخير كان مسجلا ولم يكن يعرف او يعي حجم الغضب الشعبي، لكن مبارك كان واعيا بالاوضاع لانه لديه حس مخادع بالسلطة التي لم يعد يملكها، بيانات جيش واجتماعات مستمرة ونائب يتسلم السلطات. فاين مبارك من كل هذه التطورات. كان الجميع يتوقع ان يرحل لكنه اجل رحيله قليلا ليغضب الجماهير، ربما كان يريد ان ينزع منهم لحظة الفرح التي كانوا يتوقعونها، فالشائعات في ميدان التحرير قالت ان منفى مبارك لن يكون السعودية بل دبي، فيما ترددت شائعات اخرى عن انه في السجن. وهناك من دعا من المتظاهرين الجيش للتدخل والاختيار بين الشعب او الرئيس الذي فقد الشرعية والسلطة. فمنذ بداية الاحداث وعندما امر مبارك الجيش بالنزول للشوارع فقد اتخذ الجيش موقفا محايدا ومع مرور الايام على الثورة بات وضع الجيش في حالة حرجة فهو من جهة تمسك بالرئيس ومن جهة ثانية ارسل رسائل متضاربة للمتظاهرين، فيما المح نائب الرئيس عمر سليمان قائلا ان الشعب امامه خياران: اما الفوضى او الانقلاب. لكن خطاب مبارك ونائبه وان اغضبا الجماهير المحتشدة في ساحة التحرير فانه خيب امل الادارة الامريكية التي توقعت من الرئيس ان يعلن تنحيه حيث اضاف الرئيس اوباما في خطابه الذي القاه في شيكاغو جملة لم تكن في الخطاب تحدث فيها عن اللحظة التاريخية التي تمر بها في مصر فيما توقع ليون بانيتا، مدير الاستخبارات الامريكية ـ سي اي ايه ـ اثناء جلسة استماع له امام الكونغرس قيام مبارك بالاعلان عن خروجه من السلطة. وتعتقد ‘نيويورك تايمز’ ان الحسم بعد خطاب مبارك بات في يد الجيش فخلال الاسابيع الماضية استطاع قادة الجيش ادارة الازمة بحزم وذكاء بطريقة نالوا فيها ثقة الشارع من جهة وعززوا مواقعهم في مراكز الحكومة وتخلصوا من ازمة التوريث بخروج جمال مبارك من اللعبة. ومع تواصل مظاهر الغضب في مصر ظهر الجيش واخذ يصدر بياناته فيما بدأ المعارضة تحذر من انفجار الوضع وضرورة تدخل الجيش. ونقلت الصحيفة عن اندرو ماكغريغر من مؤسسة جيمس تاون قوله ان الجيش اصبح متوزعا بين مبارك والجماهير. وحذر المحلل ومؤلف كتاب ‘تاريخ عسكري لمصر الحديثة’ من انقسام في الجيش.
ثالث مرة يجتمع فيها مجلس القيادة واشار محلل اخر الى ان مجرد اجتماع المجلس الاعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير محمد طنطاوي يعطي اشارة لجدية الوضع فهذه هي المرة الثالثة التي يجتمع فيها منذ عام 1967 وعام 1973. ولم يكن في اجتماع القادة لا سليمان ولا مبارك. وظل الجيش المصري يقود البلاد ويؤمنها منذ ثورة يوليو 1952 ولعب دورا في تنصيب مبارك الذي كان قائدا للقوات الجوية ولكن مبارك ابعده عن السياسة واشغله في الصناعات العسكرية والمدنية التابعة له والتي تشكل 5 ـ 15 بالمئة من الاقتصاد المصري. ويرى معلقون انه في حالة افتراض ان الجيش تخلى عن مبارك فان اي منظور للتحول الديمقراطي سيصبح بعيدا خاصة بعد تصريحات سليمان الاخيرة. وفي داخل مؤسسة الجيش هناك قائد الاركان الجنرال سامي عنان الذي يعتبر قريبا من امريكا اكثر من وزير الدفاع طنطاوي المتدرب في الاتحاد السوفييتي السابق. وقد تدرب عنان طويلا في امريكا واكد للامريكيين ان الجيش سيقوم بالدفاع عن مؤسسات الدولة وليس افرادا. ومنذ اندلاع الاحداث اكد الجيس سلطته في السياسة لدرجة ان روبرت غيتس مدح دوره في التقدم نحو الديمقراطية. ويرى المراقبون ان عملية حل الحكومة السابقة وتعيين حكومة جديدة برئاسة جنرال قوت من يد الجيش في السياسة. ومن خلال هذا تم ترفيع سليمان الذي يقول ماكغريغر انه ‘يكره جمال’ الذي كان حتى وقت قريب مرشح رجال الاعمال والتكنوقراط. وفي الحكومة التي شغلها قائد قوات الطيران السابق الجنرال احمد شفيق تم ترفيع طنطاوي لدرجة نائب رئيس الوزراء. ويرى محللون ان حكومة شفيق هي حكومة امنية عينها مبارك. وفي ضوء التطورات فالجيش يجد نفسه امام تحد كبير امام فهو امام خيارقمع الشعب لصالح بقاء مبارك في السلطة ام الرفض. وعبر عدد من المحللين عن مخاوفهم من السيناريوهات القادمة. وكتب روبرت فيسك في ‘الاندبندنت’ عن سيناريوهات ما بعد خطاب مبارك، متسائلا ان رفضه التنحي عن السلطة حتى يوم الخميس هل هو انتصار له ام للجيش اي انقلاب، فالتاريخ سيحكم ان كان فقدان المؤسسة العسكرية الثقة به هي التي ادت الى فقدانه حكمه الذي امتد على 30 عاما. ومع اعترافه ان العالم العربي لا زال يعيش لحظة تاريخية مهمة الا ان خطاب مبارك اعطى صورة ان الديكتاتورية انتصرت في تلك الليلة وهزم دعاة الديمقراطية. لا بد من عزل مباركوفي تقرير للاندبندنت ان عناد مبارك قد يؤدي الى كارثة، مشيرة الى ان عناد مبارك يحرج الجيش ووضع حياة الشعب في خطر. وقالت ان ما عرضه مبارك من اصلاحات دستورية وان كانت مهمة الا انها تنازلات صغيرة في صورة كبيرة في مصر تطالب باصلاح جذري.
اما الافتتاحية في ‘الغارديان’ فقد قالت فيها ان الجيش الان اصبح على مفترق طريق، فخطاب مبارك قد يدفع الجيش للدخول في مواجهة مع الشعب. واشارت الى ان الجيش يحاول تقديم ملامح دولة جديدة ناصرية الطابع تجمع بين الطابع المدني والعسكري وقد تتعارض مع امال الشعب الذي يدعو للحرية والديمقراطية. وترى الصحيفة ان مصر الان بين جيلين: جيل قديم بعضهم في المعارضة ممن دهشوا من الجيل الشاب وقدرته على مواجهة المؤسسة. ففي الوقت الذي لم يظهر الجيل القديم اية ملامح للتخلي عن السلطة فان الجيل الشاب ليس مهيأ في الوقت نفسه لقيادة البلاد. وفي غياب القائد القوي في كلا الطرفين. وفي خارطة الوضع فهناك بارونات الجيش والمعارضة من الاخوان وغيرهم بقيادات كبيرة في السن مقابل قيادات شابة في العشرينات والثلاثينات. وتعتقد انه في وضع كهذا هناك نوع من التشوش وفجوة بين الاجيال. ومزيج من الفرح والقلق والخوف. ومن هنا دعت الجيش الى عزل مبارك وتنصيب حكومة وحدة وطنية ممثلة لكل الاطراف ومن الجيش ايضا. واشترطت ان لا يكون الجيش مسيطرا عليها لانه بعد تحقيق التغيير فانه سينسحب من الحياة السياسة. ومن هنا فالجيش امام خيارين اما تسهيل عملية التحول وقيادتها او الوقوف امامها والخيار الاخير قد تسيل من اجله دماء.
اوباما والطلاق مع مباركويستدعي الوضع الحالي في مصر من ادارة اوباما خطوات عملية منها التخلي القاطع عن مبارك او التمسك بالاجندة التي دعت فيها لنقل سلمي للسلطة في مصر. ويواجه اوباما انقساما في طاقم ادارته الذي يراقب الوضع عن كثب في مصر فيما واجهت فيه المخابرات الامريكية ـ سي اي ايه انتقادات حادة بعدم قدرتها على التنبؤ بالاحداث في العالم العربي. وقال محللون ان تصريحات بانيتا الاولية عن احتمالات قوية بتنحي مبارك عن السلطة لم تبن على معلومات قوية بل على تقارير الصحافة. ويرى محللون ان احداث الخميس الفوضوية تضع موقف الادارة من الاحداث محطا للتساؤلات. وفي الوقت الذي عولت فيه واشنطن على سليمان لنقل سلمي للسلطة الا ان سليمان تبع الرئيس حرفيا في موقفه. وقالت ‘نيويورك تايمز’ ان العرض المبالغ فيه بالولاء لمبارك يمحو الان اية امال حول قدرة سليمان على لعب دور الوسيط النزيه في عملية انتقال السلطة. ونقلت عن مارتن انديك، مدير السياسات الخارجية في المعهد المحافظ بروكينغز قوله ان سليمان واداءه هذا الاسبوع اثار الكثير من التساؤلات حول التزامه بتحول ديمقراطي، خاصة ان مبارك قد جره الى جانبه حسب ما يعتقد المحتجون. ومع ان سفير مصر في واشنطن، سميح شكري قد اخبر البيت الابيض بعد خطاب مبارك ان الاخير فوض كل سلطاته لسليمان الا ان الخطوة لم تكن كافية للبيت الابيض، ودافع شكري عن تصريحات سليمان مؤكدا ان نائب الرئيس ملتزم بالاصلاحات.
فشل استخباراتي وفي قلب التخبط الامريكي تجاه مصر، فشل استخباراتي كبير حيث عبر الرئيس الامريكي عن عدم رضاه من تقارير الاستخبارات الاخيرة حول الاوضاع في المنطقة العربية وفشلها في التنبؤ باحداث تونس وما يجري حاليا في مصر. فبحسب التقييمات الامنية الامريكية قالت ان زين العابدين بن علي الرئيس التونسي المخلوع سيبقى في السلطة وسيدعمه الامن التونسي. وفي دفاعه عن تقارير الوكالة وعملها قال بانيتا ان سي اي ايه قامت في العام الماضي بتقديم 400 تقرير حول حالة الغليان والتوتر في الشرق الاوسط واحتمال حصول حالة من التشويش. وقارن بين عدم القدرة على التنبؤ بالثورات بالعجز عن التنبؤ بحدوث هزات ارضية. ولكنه اعترف ان وكالته بحاجة الى معرفة الطريقة التي اشتعلت فيها احداث مصر. وقال انه طلب من مدراء محطات ‘سي اي ايه’ بجمع معلومات حول المشاعر الشعبية الحانقة، والقضايا التي تقوي المعارضة ودور الانترنت في مصر.