غياب الموقف الدولي الواضح من سورية يعكس خوفا من مرحلة ما بعد الاسد لندن ـ ‘القدس العربي’: سورية ليست ليبيا، بشار الاسد، الرئيس السوري يقوم بقمع المتظاهرين ويحاصر مدنا، لكن الغرب لا يعرف كيفية التعامل معه.
يتساءل عدد من المعلقين، ويقولون ان الآمال الكبيرة التي بدأ بها عام 2011 بعد الحرية لتونس ومصر تحولت الى جثث في شمال افريقيا وصور عن محاصرة مدن في سورية التي اصبحت في عين الاهتمام الاعلامي، حيث قتل حوالى 900 منذ بداية الاحداث قبل اسابيع.
ومشكلة الغرب مع سورية غياب المعارضة مثل المعارضة في بنغازي، ونظام الاسد وجيشه يقومان بقمع المعارضة في ظل اجراءات امنية مشددة، وهي نفسها التي يمارسها النظام منذ اربعة عقود. ويقول مقال في صحيفة ‘اندبندنت’ نقلا عن مسؤول غربي انه كان اذا اراد عقد نقاش بدون ان يتعرض للتنصت هو زيارة مدينة ساحلية سورية واخذ قارب لكي يكون قادرا على التحدث بحرية.
وقالت الكاتبة جوان سميث التي نقلت عن الدبلوماسي في مقال لها في ‘اندبندنت اون صاندي’ انها سألت طلابا جامعيين في قهوة في مدينة حمص عن السياسة فقالوا لها انهم لا يتحدثون في السياسة حيث نقل مخبر، فيما بعد الحديث العابر هذا، حيث منعت من الحديث امام الطلاب ولكنها لم تمنع من القاء محاضرة في مكتبة الاسد التي تقول ان جهازا اخر من المخابرات كان يشرف عليها.
وقالت الكاتبة انها عندما التقطت صورة عام 2002 لكل من بشار الاسد وتوني بلير امام مقر الحكومة البريطانية، سألت احد مسؤولي حكومة العمال قائلة ان الصورة هذه تعطي الاسد مشروعية سياسية، ولكن المسؤول كان عصبيا واجاب ‘هل هذا صحيح’. ومع انها لا ترى ضرورة لتدخل الناتو، لكنها تدعو الى اتخاذ عقوبات كما حدث يوم الجمعة، ولكنها تعترف بأن العقوبات بطيئة في التأثير. ودعت ايضا الى نهاية ما تقول عنها السياسة الواقعية التي ادت بالغرب للتعامل مع حكام قتلة مثل القذافي والاسد، وطالبت بتوفير هواتف نقالة دولية للمتظاهرين لخرق التعتيم الاعلامي. اسد الامس واليوموفي تقرير نشرته صحيفة’ اوبزيرفر’ من اعداد بيتر بيمونت اشار فيه الى مشكلة التعامل مع سورية التي يقوم بها الرئيس الاسد بقمع المتظاهرين، وذكر الكاتب بلقاء مع الاسد عام 2002. في ذلك اللقاء لم يكن مضى على بشار الاسد سوى عامين في الحكم، وبدا في اللقاء مرتاحا حينئذ وسأل اسئلة متعددة.
وتحدث عن الاصلاح وناقش العلاقات مع الولايات المتحدة. وعنونت الصحيفة اللقاء بعنوان الثورة في سورية التي قال انها ترسل امواجا صادمة في كل انحاء المنطقة. وكان ذلك اللقاء قد رتب اولا مع اسماء الاسد زوجة الرئيس لكن احد مساعديه دعاه لشرب قهوة مع الرئيس نفسه، في لقاء غير رسمي. وقال ان صورة الاسد تلك كانت وراء تشجيع الحكومة البريطانية لدعوته في زيارة رسمية للندن، بناء على اعتقاد انه مختلف عن والده حافظ الاسد. ويضيف ان صورة الاسد تلك تتناقض مع الافعال الاجرامية التي تمت باسمه خلال الاسابيع الماضية والتي ادت الى قتل المئات ومحاصرة مدن وبلدات. ويضيف قائلا ان لا احد يعرف الان الاسد وماذا يمثل وما هي قوته.
القمع بدلا من الحوارولكن تصرفات نظامه لا تختلف عن اي نظام قمعي فعندما اعلن عن يوم الغضب الجمعة الماضية وهو اليوم الذي دعمه اخوان سورية، اخذ الاسد ورقة من كتاب مبارك والقذافي وارسل جنوده ودباباته ووضعها في اكثر من خمسين موقعا في البلاد. ومع ان التظاهرات تحدث كل اسبوع الا ان تصرفات الجمعة الماضية من قبل النظام تظهر انه لم يعد نظاما يريد تقديم تنازلات مع ان النظام وقبل اسبوع او اكثر قد تبنى لغة القمع التي صارت تعلو الان على التفاوض والحوار. فيما انتشرت شائعات عن خلافات داخل المؤسسة العسكرية وتقاريرغير مؤكدة من المعارضة تتحدث عن انشقاقات داخل الجيش، فيما قدم عدد من نواب الصف الثاني استقالاتهم من حزب البعث. وفي الوقت الذي القى فيه النظام اللوم على عناصر اجنبية لكن الملصقات وما يرد في اعلام الدولة يحذر من انه لو سقط النظام فالفوضى هي التي ستحل محله ومعها حرب اهلية. ويشير الى ما قام به ‘شبيحة’ النظام من اطلاق النار على مسيحيين في اللاذقية محذرة اياهم من قيام السنة بالسيطرة على البلاد، مع ان السنة هم غالبية اهل سورية. والسؤال الذي يطرحه التقرير انه مع تبني الاسد اساليب القذافي ودول القمع الاخرى الا ان رد الفعل العالمي يظل مختلفا. ولاحظ المراقبون ان اسم الاسد غاب عن قائمة الذين جمدت امريكا اموالهم وفرضت عقوبات عليهم وغاب كذلك عن الاجراءات التلويح بعملية عسكرية ضد النظام الذي يملك على خلاف ليبيا جيشا منظما ومسلحا بشكل جيد بأصدقاء اقوياء ممثلين بايران.
ويرى مسؤولون ومراقبون ان سورية مهمة في المعادلة الاقليمية اكثر من ليبيا. ويتساءل الكاتب عن غياب قطر التي قادت الحملة ضد النظام الليبي من مداولات مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة والذي اجتمع من اجل مناقشة الوضع السوري. ويضيف التقرير الى ان نجاح الدولة البوليسية التي اقامها والده تعتبر مسألة شخصية والتي يقدمها على انها ‘ضرورة’ لمنع انحدار البلاد نحو حرب اهلية وعليه فان ما ستكشف عنه التطورات في سورية سيكون مهما للغرب.
اهمية سوريةويقارن الكاتب بين ليبيا التي اغضب قائدها وجلب العداء له من كل الانظمة العربية وسورية التي على الرغم من فقرها وانسحابها من لبنان عام 2005 مهمة في معادلة المنطقة. ومع ان المسؤولين لا يسمون الاشياء باسمائها عندما يتحدثون عن سورية تعيش فوضى فستؤثر حتما على اسرائيل وبشكل اقل على العراق ولبنان. واضافة الى الموقع الجغرافي فسورية مضيفة لقوى المعارضة الفلسطينية خاصة حماس التي نفى مسؤولوها انهم يخططون للخروج من سورية، مع ان مراقبين يرون في عقد المصالحة بين حماس وفتح تعبيرا عن مخاوف من خسارة الراعي السوري. وهناك ايضا علاقتها مع ايران وحزب الله الذي يتزود بالاسلحة عبر سورية، والعلاقة القوية مع ايران اضافة الى تواجد مئات الالاف من العراقيين في سورية والاتهامات الموجهة للاخيرة بالسماح للمتطوعين للمرور عبر اراضيها الى العراق. ويرى جوشوا لانديز المحاضر في جامعة اوكلاهامو ان سورية هي ميدان الصراع في المنطقة، فمن ناحية تقدم نفسها على انها مركز العروبة والوحدة العربية والعلمانية ومن ناحية اخرى تعتبر دولة مفككة تحكمها اقلية دينية. وعليه فان انعكاسات الازمة على البلاد بدت ملامحها مع وصول دفعات من المهاجرين السوريين الى لبنان، فيما تخشى دول الجوار مثل تركيا من موجات مهاجرين فيما اعلنت قبرص القريبة عن مخاوفها من هجرات وقدرة الجزيرة على استيعاب من سيهربون منهم عبر البحر. من سيخلف الاسد؟
وبعيدا عن اشكاليات الحراك السكاني والهجرات وتأثر دول الجوار، فما يخيف المراقبين هي المرحلة التي ستلي الاسد ومن سيقود البلاد، ففي الوقت الذي ظهرت فيه معارضة في ليبيا تخوض حربا اهلية مع النظام، فيما حمى الجيشان التونسي والمصري الثورة فمنظور الحرب الاهلية غير مستبعد. وهو الخيار الذي لا يستبعده السوريون انفسهم حيث نقلت ‘اوبزيرفر’ عن محلل سوري في دمشق قوله ان لا احد يتنبأ بما سيحدث لو سقط الاسد. وما زاد من هذا العنف هي الشائعات التي تحدثت عن مواجهات بين فرق الجيش في درعا التي بدأت فيها الانتفاضة. من كل هذا يفهم الخلاف الدولي حول ما يجري في سورية وحول شخصية الاسد التي لا تزال اقلية ترى فيه اصلاحيا، وترى الاقلية انه يمكن اقناع الاسد للمضي في طريق اصلاح حقيقي وهذا ما يفسر غياب اسمه عن قائمة العقوبات التي اعلنتها الولايات المتحدة ضد اركان نظامه. وهناك من يرى ان هذا الافتراض قائم على فكرة تأثير الاسد مع ان المؤسسة الامنية اقوى منه. فيما يرى اخرون انه قوي ولا يزال قادرا على ضم شمل النظام مع انه لم يعد بعثيا، خاصة ان حزب البعث في ظله اصبح مهمشا.
مبدأ اللا عنفوفي غياب الموقف الدولي الواضح بدأت اصوات تدعو الى ان تعتمد امريكا على مبدأ اللاعنف في التعامل مع الربيع العربي. ففي مقال رأي كتبه اندرو باسيفتش المحاضر في جامعة بوسطن، في ‘لوس انجليس تايمز’ قال فيه انه ان ارادت الولايات المتحدة ان تعم الديمقراطية العالم العربي بدلا من القهر والاجبار فعليها ان تضرب المثال الذي يحتذى به. وقال الكاتب ان الموقف الذي اتخذته امريكا من ليبيا بدعوى الاخلاقية وحماية المواطنين يختلف عن موقفها من البحرين مما يجعلها محلا للاتهام بالنفاق. وفي ضوء هذا الموقف القائم على معايير مزدوجة تساءل الكاتب فيما ان كانت واشنطن قادرة على تشكيل موقف من الربيع العربي، استراتيجية ايجابية متناسقة مع قيمها بدلا من انتاج حفر عميقة. وقال ان الاجابة صحيحة وهي تبني مبدأ اللاعنف، لغاندي ومارتن لوثر كينغ.
ويعتقد الكاتب ان هذا الموقف ممكن ومجد من خلال كشف القناع عن الانظمة الاستبدادية ونزع الزيف عنها، كما ان المدخل مهم لان امريكا لا تؤثر على الاحداث التي تجري في العالم العربي، وللعرب في النهاية ان يقرروا شكل الحكم الذي يرغبون به: اسلامي ام ليبرالي. وذكر الكاتب ان امريكا ولسنوات استخدمت الحرب في الوقت الذي كانت تتحدث فيه عن السلام. واكد ان الدم في الشرق الاوسط واسالته تقود الى دم اكثر وان امريكا امام فرصة تاريخية لتصحيح استراتيجيتها لا يلعب العنف فيها اي دور.