انتقدت الدور الايراني في العراق وسخرت من اعتراف بريطانيا المتأخر بهزيمتها
بغداد ـ “القدس العربي” ـ من ضياء السامرائي: نددت العديد من صحف بغداد الصادرة خلال اليومين الماضيين بحكومة المالكي وضعف الخدمات الاساسية التي يمكن ان يوفرها ابسط البلدان مذكرة ان العراق يخترقه نهران ويعاني العطش ويسكن علي بحيرة من البترول ويشكو الفقر والعوز، كما سخرت الصحف من الاعتراف المتأخر للقوات البريطانية في العراق بهزيمتها جراء اشتراكها في الغزو الذي جلب العار علي سمعة القوات البريطانية، مذكرة بضرورة فك الوفاق بين امريكا وبريطانيا. فيما عرجت صحف اخري بالتخبطات السياسية وافرازاتها السيئة من خلال انشاء مجالس للصحوة او ما يسمي بالانقاذ في عموم المحافظات هي مجرد لسحب اموال وارباك الوضع الأمني وتؤكد علي عجز الحكومة في حماية أمن العراقي. الاعتراف المتأخرففي صحيفة المنارة كتب خلف المنشدي مقالا افتتاحيا حمل عنوان الاعتراف المتأخر، جاء فية عندما اعلنت الصحافة البريطانية اخيرا بان هزيمة الاحتلال البريطاني (الجديد) لجنوب العراق اصبحت بحكم المؤكدة وبان هزيمة سياسة الاحتلال البريطاني في جنوب العراق اضحت حتمية فان تحليلاتها جاءت متأخرة كثيرا عن تحليلات حتي المواطن العراقي الجنوبي البسيط لان الجميع في العراق وفي جنوبه علي وجه الخصوص ادركوا منذ زمن بعيد بان تلك السياسة الاستعمارية التي مورست من قبل شلة من الجهلة… لن تنتهي الا الي المصير الذي انتهت اليه، وكنا ندرك تماما انها سائرة نحو هذا المصير لانها كانت ولا زالت سياسة عبثية لا هدف لها غير الدفع بالعراق نحو المستنقع الذي يجد نفسه غارقا به اليوم، وقد نجحت تلك السياسة بهذا الجانب احسن نجاح وحققت ما تريده من تلك الاجراءات التي اتخذتها منذ عام 2003 وحتي الساعة، ولاني لا اؤمن بنظرية المؤامرة فأعتقد بان ما قاموا به بجنوب العراق لا يتعدي كونه غباء استعماريا لا اكثر، والاستعمار في كل العصور وعبر التاريخ كان غبيا لان هدفه غبي واسبابه غبية ومن يشرف عليه ويأمر به بالغ الغباء.
لقد انتهت الحقبة الاستعمارية البريطانية الجديدة الي حيث يجب ان تنتهي: الخيبة والهزيمة والانسحاب بعد ان تقلصت رقعة الوصاية الاجنبية في جنوب العراق بمطار البصرة الدولي وبعد ان انقلب السحر علي الساحر حيث عمدت السياسة البريطانية الاستعمارية بجنوب العراق الي احداث اكبر قدر من الفوضي كان تأثيرها عظيما في خلق واشعال موجة القلاقل التي لم تتوقف في هذه المناطق الغنية والتي تشكل اساس حياة العراق الاقتصادية، ومن غير المنطقي اعتبار هذا الامر مجرد مؤامرة رخيصة لان هذه السياسة لم تصب العراقيين بمقتل فقط وانما اصابت البريطانيين انفسهم ايضا، واصابت سياستهم وتسببت باسقاط صاحب تلك السياسة او المسؤول الاول عنها لان المنفذين الفعليين كانوا مجموعة من جنرالات الجيش البريطاني تعاقبوا علي حكم الجنوب العراقي كل واحد منهم لمدة ستة شهور وكل واحد منهم طبق رؤيته الخاصة بالاضافة الي تنفيذ المخطط العام الذي وضعه بلير نفسه.
ان الجيش البريطاني يستعد لمغادرة العراق بصورة من الصور وقد يكون هذا الانسحاب قريبا بعد ان تحول الوجود البريطاني في البصرة لمعضلة ليس فقط للعراقيين وانما للبريطانيين انفسهم الذين لا هم لهم اليوم غير حماية انفسهم وقد يتسبب ذلك في ان تنتقل البصرة لقبضة الجيش الامريكي الذي سيكون مضطرا لملء الفراغ الذي سيتركه الانسحاب البريطاني المنتظر.
لقد ادركنا منذ دخول بريطانيا عام 2003 جنوب العراق غازية بانها اوكلت تطبيق السياسة الاستعمارية في المستعمرة الجديدة لقادة جيشها الذين اجتهدوا في تطبيق ديمقراطية جمهوريات الموز علينا منذ ان تم تشكيل اول المجالس الاستشارية في المحافظات الجنوبية وقد رفضوا ان يسمحوا للعراقيين باختيار ممثليهم في تلك المجالس عن طريق مؤتمرات شعبية واصروا علي ان يختاروا هم انفسهم اعضاء تلك المجالس ومنذ تلك اللحظة تدحرجت كرة الثلج وكبرت مع مرور الايام والشهور.
الرأي العام البريطاني والصحافة البريطانية وحتي الحكومة البريطانية الجديدة اصبحوا جميعا علي قناعة بان وجود الجيش البريطاني في جنوب العراق يجب ان ينتهي بعد ان تحول هذا الوجود الي جزء اساس من المشكلة.
الحكـومة الطائفيـةوكتبت صحيفة بغداد الناطقة باسم القائمة العراقية التي يتزعمها اياد علاوي افتتاحية حملت عنوان واي حــوار مـع الحكـومة الطائفيـة… يريدون، جاء فيها: كل السياسيين الموالين لحكومة المالكي الطائفية (انتقدوا) قرار انسحاب جبهة التوافق بوزرائها الستة من الحكومة، كما (انتقدوا) الخطوة الاولي لانسحاب وزراء القائمة العراقية الوطنية من الحكومة والمتمثلة بعدم حضور جلسات مجلس الوزراء، حيث دعا اولئك الموالون لحكومة المالكي الي ضرورة الجلوس الي طاولة الحوار لحل المشاكل!! حسنا.. نحن نذكّر فقط اولئك السياسيين (المستفيدين) من حكومة المحاصصة ونقول… ألم تقدم القائمة العراقية الوطنية قبل خمسة اشهر مقترحات بشأن تصحيح مسار العملية السياسية.. تلك المقترحات التي تعتبر اللبنة الاولي للمصالحة الوطنية؟ وهي مقترحات تتضمن مطاليب المواطنين باطلاق سراح المعتقلين الابرياء الذين لم تثبت التهم ضدهم، واعادة المهجرين الي ديارهم وتحسين علاقات العراق مع الدول العربية وتحسين اوضاع افراد الجيش العراقي السابق ممن لم تتلطخ ايديهم بدماء الشعب ومقترحات اخري تصب كلها في خدمة المواطنين.
نتساءل… اين مصير المقترحات التي قدمت قبل خمسة اشهر الي رئاسة الوزراء؟ لا تتعبوا انفسكم بالبحث عن اجابة… اذ ان مجلس الوزراء لم يكلف نفسه بالرد علي تلك المقترحات، كما انه لم يدع اطلاقا ايا من ممثلي القائمة للتباحث والتحاور بشان تلك المقترحات!
اذن.. كانت خطوة صحيحة تلك التي دعا اليها الدكتور اياد علاوي رئيس القائمة حينما طلب من وزراء القائمة عدم حضور جلسات مجلس الوزراء التي يترأسها نوري المالكي مع بقاء الوزراء في وزاراتهم لتمشية امور المواطنين. وبعد هذه المعلومة التي ربما كانت خافية علي اولئك (الموالين) لحكومة المالكي الطائفية… نقول هل ما زالوا يدعون الي الجلوس علي طاولة الحوار؟! واي حوار يتم بين حكومة طائفية والقائمة العراقية التي تعمل وفق المشروع الوطني بعيدا عن المحاصصة والطائفية؟
ونتساءل ايضا… هل ما زالت حكومة المالكي تتمتع بالسند القانوني بغياب (17) وزيرا عن جلساتها؟ اذ حسب معلوماتنا ان مجلس الوزراء ولاجل ان تكتسب قراراته الشرعية لا بد ان يصوت عليها ثلثا الاعضاء.. واذا ما علمنا ان عدد اعضاء الحكومة (32) وزيرا فهذا يعني انها لا تتمتع بأصوات الثلثين.. وبذلك فان حكومة المالكي الطائفية فقدت نصابها القانوني!! المحور الايرانياما الكاتب رجاء طلب فقد بين من خلال عنوان لمقالته المحور الايراني وخطة اعادة التصعيد؟! ، الذي جاء فيه من الواضح ان المعسكر الاقليمي الذي تقوده طهران ابتداء من بغداد مرورا بالتحالف مع والمعارضة اللبنانية بقيادة حزب الله وصولا الي حماستان في غزة، بدأ اعادة ترتيب اوراقه في كل محطة من المحطات المذكورة بعد ان تخللت خطة التصعيد لهذا الصيف والتي صاغها الايرانيون جملة من التطورات ساهمت في تنفيسها وحرفها عن هدفها الرئيسي والمتمثل في تسخين هذا الصيف والعمل علي خلط الاوراق السياسية بالأمنية للضغط علي معسكر الاعتدال العربي والاقليمي ودفعه الي الاقرار والتسليم بمجمل الوقائع التي خلقها هذا المعسكر في الملفات الساخنة.
ومن بين التطورات التي خلخلت هذه الخطة التطورات المتسارعة في العراق وعدم نجاح حكومة المالكي التي تحظي بدعم ايراني يفوق الدعم الذي سبق ان قدم لحكومة الائتلاف الشيعي الاولي والثانية برئاسة ابراهيم الجعفري، فطهران ما زالت تعمل علي جعل حكومة المالكي حكومة معها وفي الوقت نفسه متحالفة مع واشنطن لضمان مصالحها غير الشرعية في العراق و شرعنة احتلالها غير الرسمي للجنوب العراقي وامتداداتها الأمنية والاقتصادية والسياسية في العاصمة بغداد، غير ان الفشل الأمني الذي يسود العراق والخلافات الكبيرة بين الائتلاف وكل من جبهة التوافق، الشريك السني والعربي في الحكومة، والقائمة العراقية، التي تعد الشريك الوطني العلماني والعروبي فيها، جعل الحكومة تظهر تماما بالحكومة ذات اللون الواحد الفاقد لشرعية التعددية العراقية، كما ان تزايد الانتقادات الامريكية لها جعلها تفقد القدرة علي نسج معادلة متوازنة بين طهران وواشنطن، وبخاصة في الشأن الأمني، حيث يري المسؤولون الامريكيون من عسكريين وسياسيين ان حكومة المالكي تمارس الأمن بعيون طائفية بحتة، كل ذلك جعل مصير الحكومة العراقية الموالية لطهران في مهب الريح وهو امر يقلق الايرانيين، لانهم من الناحية العملية لن يجدوا حكومة تستجيب لتوجهاتهم مثل هذه الحكومة حتي وان كانت حكومة اخري للائتلاف الشيعي، ولهذا فان الحل هو في خلق ظروف تصعيدية جديدة علي الساحة العراقية تجعل من فكرة تغيير حكومة المالكي فكرة غير عملية وتبرر الوقوف وراءها والتمسك بها، خاصة من جانب الولايات المتحدة الامريكية.
اما في الملف اللبناني فقد مني المحور الايراني بهزيمة كبيرة بعد تكرس الدعم العربي والدولي لحكومة السنيورة وصدور قرار مجلس الأمن الدولي بانشاء المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة رفيق الحريري، وتهديد الدول العربية المعنية بالأزمة اللبنانية وكذلك الاطراف الدولية، وبخاصة واشنطن وباريس، بعدم الاعتراف بأي حكومة ثانية داخل لبنان غير حكومة فؤاد السنيورة الشرعية واغلاق الطريق علي مخطط خلق رئاستين وحكومتين داخل لبنان، هذا بالاضافة الي فشل مشروع نهر البارد ومحاولة خلق حرب فلسطينية ـ فلسطينية، وحرب لبنانية ـ فلسطينية.
اما علي صعيد الملف الفلسطيني؛ فان النشوة التي سيطرت علي سلوك اعضاء المحور الايراني بعد انقلاب غزة، بدأت بالتلاشي منذ الايام الاولي لهذا الانقلاب واستشعار حماس وبقية حلفائها ان فكرة الانقلاب كانت اشبه ما تكون بالصعود الطوعي الي الهاوية والانتحار السياسي، وذلك بعد الموقف الحاسم الذي اتخذه الرئيس الفلسطيني من الانقلاب والانقلابيين ورفضه التام للحوار معه وعزلهم عربيا ودوليا واخراجهم من اطار الشرعية الفلسطينية بعد سلسلة قرارات منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس المركزي الفلسطيني.
كل ما سبق جعل طهران تأخذ قرارها باعادة سياسة التصعيد في الملفات الثلاثة وعبر احداث أمنية وعسكرية ان لم تنجح في فك العزلة عن حلفائها وزيادة مكاسبهم السياسية او زيادة هامش مناوراتهم السياسية تعمل وعلي الاقل علي اضعاف خصومهم وتقوم بارباكهم، وهو مخطط من المتوقع البدء به في اي لحظة وفي اي ساحة من الساحات الثلاث الغزية او اللبنانية او العراقية.
من الصعب التكهن بطبيعة الاحداث التصعيدية وسيناريوهاتها لكنها بكل تأكيد ستكون كبيرة ومزلزلة وقادرة علي صناعة الفوضي في المنطقة.
مجالس متعددة الجنسيات!
من جانبه كتب حميد عبدالله في افتتاحية صحيفة المشرق اليومية مقال لاذعا حمل عنوان مجالس متعددة الجنسيات!! ، جاء فيه في كل يوم يتأسس مجلس لانقاذ احدي المحافظات! بَراءة اختراع جديدة اضيفت الي براءات الاختراع السياسية والطائفية والمحاصصية التي شهدتها العملية السياسية في العراق الجديد! هذه البراءة تتلخص في انشاء مجالس لانقاذ المحافظات، فثمة مجلس في الانبار انشطر علي نفسه فولد مجلساً آخر اسمه مجلس صحوة الانبار لكن المجلسين دخلا في خصومة سياسية وعشائرية وراح كل منهما يدعي انه المجلس الحقيقي المعترف به!
وفي ديالي مدينة البرتقال واللالنكي انشئ مجلس انقاذ ديالي، وهناك مجلس سيولد قريباً اسمه مجلس انقاذ الديوانية وتوأمه في البصرة والسماوة والناصرية والمجالس تتري والعنف يزداد وقوافل المغدورين تتواصل!
لكن لا احد يعلم المهمة الحقيقية لهذه المجالس والنوايا الحقيقية للقائمين عليها والارتباطات الحقيقية لابطالها، فتلك اسئلة تترك في جلها لان الاجابة عليها تضيف عقداً جديدة الي عقد العملية السياسية المعقدة اصلاً! مجالس تنقذ مدناً ذلك هو العنوان الابرز في الموضوع، لكن الانقاذ ممن وعلي يد من؟ وهذه المجالس اهي اذرع للحكومة ام للجماعات المسلحة ام انها نخوة عشائر وجدت ان الديار قد تهددت والاعراض قد انتهكت فليس من مدافع ولا من حام ولا من مجير، فتناخي ابناء العشائر الغياري ليذودوا عن الشرف الرفيع الذي اريد له ان يرتفع خفاقاً بعد التخلص من الدكتاتورية؟!
مجالس تتبعها مجالس.. وليس امام ابناء المحافظات الا ان يضعوا ايديهم بأيدي اعضاء المجالس عسي ان يمنَّ الله عليهم بالا أمن والامان والاستقرار! تنوعت المجالس وتعددت حتي اصبحت مجالس متعددة الجنسيات والاتجاهات والغايات! مجالس بلدية ومجالس حزبية ومجالس محافظات ومجالس عشائرية ومجالس آباء ومعلمين ومجالس عزاء متواصلة ومجالس شعبية تقام عند ابواب البيوت وعلي رؤوس الشوارع للحديث عن الشأن العراقي والشأن السياسي والشأن الحكومي! عاشت المجالس! . الفقر المقيموتحت عنوان طريق الشعب بلاد الخيرات المنهوبة بلاد الفقر المقيم كتب رضا الظاهر في صحيفة طريق الشعب الناطقة باسم الحزب الشيوعي في العراق، وجاء في المقال لا يملك 15 في المئة من العراقيين ما يكفيهم لاطعام انفسهم بصورة منتظمة، بينما يعاني 30 في المئة من الاطفال من سوء التغذية، في وقت لا يحصل فيه 70 في المئة علي امدادات المياه الصالحة للشرب، ولا تتوفر لاكثر من 20 في المئة وسائل صرف صحي فعالة. هذه الحقائق المروعة تضمنها تقرير نشرته، يوم الاثنين من الاسبوع الماضي، مؤسسة اوكسفام الخيرية البريطانية، التي اضطرت الي التوقف عن العمل في العراق منذ عام 2003 لاسباب أمنية. وجاء في التقرير، ايضاً، ان عدد من تصل اليهم الحصص التموينية بلغ 60 في المئة انخفاضاً من 96 في المئة عام 2004، وهي البطاقة التي يفكر بعض مدّعي الانفتاح بالغائها مقابل تسهيلات صندوق النقد الدولي. واشارت اوكسفام الي ان العنف هو اكثر المشاكل التي تواجه العراقيين الحاحاً، غير انهم يواجهون، ايضاً، انتشار الامراض وسوء التغذية في بلاد الخيرات الوفيرة. ولا غرابة ان نجد، في ظل الخراب الشامل، فصلاً آخر في مأساة الطفولة العراقية، حيث يقوم اطفال في منطقة خلف السدة ببغداد، في اطار ابشع انماط الاستغلال، بدفن جثث الموتي مقابل خمسة آلاف دينار. هكذا اتخذ اطفال بلاد الرافدين مهنة لم يسبقهم اليها احد من نظرائهم في ارجاء المعمورة. فلم يجد اطفال الارض التي لم تزدهر فيها مهنة مثلما ازدهرت تجارة الموت وصناعة التوابيت وحفر القبور، سبيلاً سوي ذلك لاعالة عوائلهم الفقيرة. ولا يندر ان نجد بين هؤلاء الاطفال بعضاً ممن يعانون من الادمان علي المخدرات او امراض سايكولوجية خطيرة. ولا غرابة، ايضاً، ان نجد، علي سبيل المثال، اكثر من 30 الف طفل يتيم في 200 مدرسة فقط، اغلبها تقع في مناطق ببغداد يمكن اعتبار انها شهدت عمليات عنف اقل من غيرها، مما يعني ان هناك مدارس في مناطق اخري تزيد فيها هذه النسبة. وبوسعنا ان نورد الكثير من الحقائق الصادمة عن الخراب الذي يعم الوطن. غير اننا لا نظن ان العراقيين بحاجة الي مزيد من الامثلة علي الغرائب والعجائب، فهم يشهدون منها الكثير، كل يوم، ابتداءً من تضخم جيوش الفقراء والمعوزين، مروراً بلجوء الاطفال الي النفايات بحثاً عن الغذاء، ووصولاً الي الاستغلال الجنسي البشع للفتيات الصغيرات، واضطرار خريجات من الجامعات الي العمل خادمات في البيوت، ناهيكم عن الظواهر المروعة الاخري التي تعكس أزمة المجتمع العميقة وانهيار منظومة القيم الانسانية. ولا مجانبة للحقيقة في القول ان هذا جزء يسير مما فعله المحتلون منذ ان وطأوا هذه الارض، وشرعوا بسياساتهم القاصرة، التي أسست للانفلات والنهب، مثلما أسست للمحاصصات الطائفية والاثنية، فكانت المحن التي ما تزال تتفاقم بينما يلهث المحررون وراء سبيل للخروج من المستنقع العراقي. وفيما تشير تقديرات الي ان كلفة الحرب بلغت حتي اواسط تموز (يوليو) الماضي 444 مليار دولار (هذا، بالطبع، باستثناء الدمار الاجتماعي والخراب الروحي وما يرتبط بهما من مآسٍ)، تقدر تقارير ان كلفة الفساد المالي والاداري زادت علي 80 مليار دولار، حيث تمثل الوزارات الأمنية المرتبة الاولي في ممارسة الفساد تليها الوزارات الخدمية، وحيث توجَّه اتهامات بتورط مسؤولين كبار في فضائح الفساد، وتوجَّه تهديدات الي كاشفي الفضائح. وفي غضون ذلك يلهث ليبراليونا الجدد، وبضغط او اغراء من المحافظين الجدد، لاقرار عقود المشاركة في الانتاج لآجال طويلة في قانون نفط مثير للجدل، وقد يكون مثيراً لآلام بعيدة المدي، في اطار تشريع مرحلة جديدة، هي الاخطر، في نهب الاحتكارات لثروات هذه البلاد التي زادت نسبة من يعيشون فيها تحت خط الفقر علي 20 في المئة. ومن المعلوم ان تجار الموت من ابناء العم سام يجنون الارباح الفاحشة بغض النظر عن نصر واشنطن في الحرب، وهو نصر موهوم، لكنه لن يؤثر، علي اية حال، علي النهب. وقد كشفت وثائق، نشرت مؤخراً، عن انه ما من شركة ربحت من المذبحة في العراق اكثر من هاليبيرتون، التي كان ديك تشيني يراسها قبل ان يصبح نائباً للرئيس، والتي قدرت جهات امريكية الفساد المالي والاداري لفرعها كي بي آر بحوالي 22 مليار دولار… كل هذا يأتي في ظرف تشهد فيه البلاد مأزقاً سياسياً، وتتفاقم فيه معاناة الناس جراء استمرار المحن علي مختلف الصعد، وانغمار سياسيين في فرهود الامتيازات، وعجز حكومة المحاصصات عن حل المعضلات. اما المحررون، الذين يستمرون في سياساتهم المدمرة، فقد جعلوا بلاد الذهب الاسود من اكثر البلدان فقراً وتخلفاً، بينما ظلت شركاتهم، من امثال هاليبيرتون وبكتل وشقيقاتهما، تنهب اموال السائل والمحروم، تحت راية اعادة الاعمار.. واما المقررون، الذين يستمرون، وسط قرع طبول التضليل والاستهانة بارادة الملايين من بنات وابناء هذه البلاد العصية علي الخنوع، في ممارسة الضغوط والمزايدات السياسية المتبادلة في اطار الكسب الضيق، فيتصارعون علي حلبات المناطق الخضراء بينما الملايين يسحقهم العوز والحرمان. المياهاما الكاتب ماجد زيدان فقد كتب في زاوية ـ كلام عراقي ـ في صحيفة المواطن مقالا حمل عنوان المياه، جاء فيه: رغم ان نصيب الفرد العراقي من المياه هو من اعلي المعدلات في البلدان العربية، الا انه يعاني من أزمة في المياه الصالحة للشرب.
واذا كان بامكانه ان يتحمل أزمة الكهرباء ويستعيض عنها بالسراج والفتيلة علي قضاء حاجاته في الظلام، فانه لا يمكنه الاستغناء عن المياه ليس ليوم واحد بل لساعات.
يعاني سكان بغداد ومحافظات اخري من ازمة مياه في هذا الجو اللاهب علي ما يبدو انهم بعد ان تردت الخدمات الاخري وفقدت جاء الدور علي ما لا يمكن الاستغناء عنه.
والملاحظ ان بعض الناس مياههم غير صالحة للاستهلاك البشري وناس حفروا اباراً في بيوتهم وقسم آخر من المناطق غير المحظوظة مياههم ملوثة بالمجاري، فيما يشرب آخرون المياه المقطرة والمعدنية المستوردة والمحلية ولا يشعرون بوجود الأزمة التي تلف الاغلبية الساحقة من العراقيين.
لقد تراجعت نسبة المواطنين الذين يحصلون علي مياه الشرب الي نصف ما كانت عليه قبل اطاحة النظام البائد.
ويعاني الناس من سهر الليالي ويتناوب افراد العوائل في السهر علي الصنبور لعلهم يحصلون علي بضعة قناني من المياه، كما راجت تجارة الماطورات والادوات المساعدة علي تدفق المياه.
كل هذا وغيره، والرافدان يخترقان البلاد من الشمال الي الجنوب ويسمي العراق باسميهما، والعطش حل به في الصيف والشتاء علي حد سواء واختفي ماء السبيل الذي كان يندر ان تجد سوقاً بغدادياً يخلو منه ايام زمان.
عطش العراقي لم يعد يقتصر علي الانجاز السـياسـي والأمني وانما تعداه الي عطش مـائي وكـــهربائي ونفطي. فالي متي يبقي الحال هكـذا؟ ومـتي يسـمع العراقي ان فلان الفـلاني اقيل من منصـبه لفشله في اداء ما ولي عليه؟.